بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 155

ونقرأ في حالات (عيّاض) الوزير المعروف والمقتدر للسلطان محمود الغزنوي حيث ورد انه كان يدخل كلّ يوم في غرفة خاصّة ويغلق الباب من ورائه وبعد لحظات يخرج منها، فلفت هذا السلوك نظر البعض وتعجّبوا من هذا السلوك وتصوروا أن سرّاً خطيراً كامناً في هذه الغرفة، وبعد التحقيق اتّضح لهم انه اخفى‌ ملابسه الّتي كان يلبسها أيّام كان راعياً للغنم في هذه الغرفة، وكلّ يوم يدخل إلى هذه الغرفة لينظر إلى تلك الملابس الرثّة ويقول لنفسه: لقد كنتَ يا عياض راعياً للغنم والآن سلّمك اللَّه مقام الوزارة، فلا تغتر بذلك وعليك أن تخشى‌ غداً عندما تفقد هذا المقام وعليك دينٌ ولا تستطيع الوفاء به.

ولو أنّ جميع أرباب القدرة والسلطة سلكوا هذا المسلك في تربية نفوسهم فإنّ الغرور لا يجد طريقاً للنفوذ إلى قلوبهم، ولكن مع الأسف فإنّ كلّ إنسان لا يكون مثل عيّاض.


صفحه 156

8- طول الأمل‌

تنويه:

إن‌(طول الأمل)يُعد من أهم الرذائل الأخلاقية الّتي تجر الإنسان إلى ارتكاب أنواع الذنوب والخطايا وتبعده عن اللَّه تعالى وتسلك به في خط الشيطان وبالتالي يترتب على ذلك الكثير من العواقب الوخيمة.

وبالطبع فإنّ أصل‌(الأمل)ليس فقط غير مذموم بل له دور مهم في إدامة حركة الحياة والتطور البشري في الأبعاد المادية والمعنوية.

إذا سُلب الأمل من قلب‌(الامّ)فإنّها لا تجد دافعاً لإرضاع طفلها وتحمل أنواع المشقة والألم بتربيته وتنشئته كما ورد هذا المعنى في الحديث النبوي الشريف‌«الْامَلُ رَحْمَةٌ لِامَّتِي وَلَوْلَا الْامَلُ مَارَضِعَتْ وَالِدَةٌ وَلَدَهَا وَلَا غَرَسَ غَارِسٌ شَجَرَهَا»[1].

إن من يعلم مثلًا بأن هذا اليوم هو آخر يوم من حياته أو أنّه سيموت بعد أيّام قليلة ويغادر الدنيا فإنه سيترك جميع ما في يده من أعمال ونشاطات في دائرة المعيشة والعلاقات الإجتماعية، وفي الحقيقة فإنّ ذلك يعني انطفاء شعلة الحياة ولعلّ أحد الأسباب لخفاء الأجل هو أن يبقى الإنسان في حالة الأمل والرجاء ويعيش الحركة الطبيعية في امور المعيشة.

[1]. بحار الأنوار، ج 74، ص 173.


صفحه 157

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 158

كما نقرأ هذا المعنى في ما ورد عن المسيح عليه السلام (انه كان جالساً يوماً في مكان وشاهد شيخاً كبيراً يحرث الأرض بمسحاته ويعمل على سقي الأرض وزراعتها، فطلب المسيح عليه السلام من اللَّه تعالى أن يسلب منه الأمل في الحياة: اللهم انزع منه الأمل فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة فقال عيسى‌ اللّهم أردد إليه الأمل فقام وجعل يعمل فسأله عيسى‌ عن ذلك فقال بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي إلى‌ متى‌ تعمل وأنت شيخ كبير فألقيت المسحاة واضطجعت ثمّ قالت لي نفسي واللَّه لابدّ لك من عيشٍ ما بقيت فقمت إلى‌ مسحاتي‌[1].

ولهذا السبب فإنّ الأمل ضروريٌ في ايجاد التحرّك أكثر لدى أفراد المجتمع من موقع النظر إلى المستقبل في حركة الحياة.

ولكنّ نفس هذا الأمل الّذي يُعدّ رمز حركة الإنسان وسعيه في حياته الدنيوية والماء الّذي يسقي أرض حياته الميّتة ويُنعش احساساته وعواطفه بغدٍ أفضل، نفس هذا الأمل إذا تجاوز عن حدّه المرسوم أصبح على شكل سيل مدمّر يأتي على الأخضر واليابس ويُغرق الإنسان في وحل حبّ الدنيا والظلم والجريمة والإثم.

ولهذا نجد أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يرى في‌(طول الأمل)أحد العدوّين الشرسين للإنسان ويقول:«إنّ أشد ما أخاف عليكم خِصْلَتَانٌ اتِّبَاعُ الْهَوى‌ وَطُولُ الْامَلِ، فَامَّا اتِّبَاعُ الْهَوى‌ فَانَّهُ يَعْدِلُ عَنِ الْحَقِّ، امَّا طُولُ الْامَلِ فَانَّهُ يُحبب الدُّنْيَا»[2].

وشبيه هذا المعنى بتفاوت يسير ورد أيضاً عن أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

وبهذه الإشارة نعود إلى آيات القرآن الكريم لنستوحي منها نتيجة طول الأمل وأثره في مصير الأقوام السالفة والمجتمعات البشريه بشكل عام:

1- «وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا

[1]. بحار الأنوار، ج 14 ص 329 مع التوضيح.

[2]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 245.


صفحه 159

قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ا لْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءَالَا ءَ اللَّهِ وَلَاتَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»[1].

2- «أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ»[2].

3- «يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى‌ وَلكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ا لْأَمَانِىُّ حَتَّى‌ جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ ا لْغَرُورُ»[3].

4- «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ا لْحَقّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ ا لْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ا لْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ»[4]

5- «ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»[5].

6- «أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى‌* فَلِلَّهِ ا لْأَخِرَةُ وَا لْأُولَى‌»[6].

7- «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ* الّذي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ انَّ مَالَهُ اخْلَدَه»[7].

8- «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى‌ أَدْبَارِهِم مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ا لْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى‌ لَهُمْ»[8].

تفسير واستنتاج:

منابع طول الأمل‌

«الآية الاولى والثانية»تتحدّثان عن قوم عادٍ وثمود حيث بعث اللَّه لهم‌(هود)و(صالح)وكانوا يعيشون الوضع الاقتصادي المزدهر في زراعتهم وصناعتهم وبالتالي تسبب ذلك في‌

[1]. سورة الأعراف، الآية 74.

[2]. سورة الشعراء، الآية 128 و 129.

[3]. سورة الحديد، الآية 14.

[4]. سورة الحديد، الآية 16.

[5]. سورة الحجر، الآية 3.

[6]. سورة النجم، الآية 24 و 25.

[7]. سورة الهمزة، الآية، 1- 3.

[8]. سورة محمّد، الآية 25.


صفحه 160

تعلّقهم الشديد بالدنيا وعاشوا طول الأمل فيها ممّا أورثهم ذلك الغرور والكبر والفخر إلى درجة أنّهم ليس فقط لم يهتمّوا لدعوة أنبيائهم هود وصالح، بل إنّهم تصدوا لهم بالمخالفة والعدوان.

القرآن الكريم يذكر في الآيات الاولى على لسان النبي صالح عليه السلام مخاطباً لقومه «وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ا لْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءَالَا ءَ اللَّهِ وَلَاتَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»[1].

وفي‌«الآية الثانية»يستعرض القرآن حالة قوم‌(عاد)والّذي سبقت الإشارة إليها في الآية السابقة في الحديث عن قوم ثمود.

وتتحّدث الآية الكريمة على لسان النبي هود عليه السلام مخاطباً قومه «أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ»[2].

وهنا أراد هو بهذا الكلام أن يُفهم قومه أنّ أحد العلل المهمّة لإنحرافهم عن جادة الصواب وسلوكهم في خطّ الباطل هو اتباعهم للأهواء واعتمادهم على الآمال العريضة والطويلة والّتي أدّت بهم إلى الغفلة عن اللَّه تعالى والفرق في زخارف الدنيا والإبتلاء بزبارجها.

(مصانع)جمع مصنع، بمعنى‌ البناء العظيم والقصر الشامخ والمستحكم، والأصل لهذه المفردة هي مادّة(صَنَعَ)والّتي تأتي بمعنى‌ أداء العمل الحسن، وعليه فإنّ‌(صنع)لا يقال لكلّ عمل، بل يُطلق على الأعمال الّتي لها امتياز خاص.

إن قوم عاد وثمود تصوّروا بأنّهم وبسبب هذه الأبنية القوية والمجلّلة والقصور الفخمة الّتي أوجدوها في قلب الجبال أنّهم بإمكانهم أن يصونوا أنفسهم من الآفات والحوادث الطبيعية ويخلدوا فيها لسنوات متمادية بعيداً عن كلّ اشكال الشقاء والبؤس.

[1]. سورة الأعراف، الآية 74.

[2]. سورة الشعراء، الآية 128 و 129.


صفحه 161

ونفس هذا المعنى ورد عن قوم ثمود في آيات اخرى أيضاً حيث نقرأ على لسان صالح عليه السلام قوله «أَتُتْرَكُونَ فِى مَا ههُنَآ ءَامِنِينَ* فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ* وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ»[1].

ولاشكّ أنّ الغرور والغفلة الّتي حصلت لهم من طول الأمل لا تنحصر بقوم عاد وثمود، ولكن القرآن الكريم يذكر هذه الصفة والحالة النفسية لهؤلاء القوم كصفة بارزة من صفاتهم الأخلاقية.

«الآية الثالثة»تتحدّث عن جدال المؤمنين والمنافقين يوم القيامة حيث يجد المنافقون أنفسهم يعيشون في ظلمة المحشر في حين أنّ المؤمنين يتحركون نحو الجنّة بنور الإيمان، وهنا يطلب المنافقون من المؤمنين أن يستفيدوا من نورهم وينتفعوا من ضياءهم، ولكنه يُقام حاجز بينهما يحجب كلّ طائفة عن الاخرى.

وهنا يصرخ المنافقون «... الَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ...»[2]إذن فلماذا أنفصلتم عنّا؟

فيجيب المؤمنون «... قَالُواْ بَلَى‌ وَلكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ا لْأَمَانِىُّ حَتَّى‌ جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ ...»[3].

وعليه فالآية أعلاه تبين أربع عوامل لشقاء المنافقين، والرابع منها طول الأمل والإغترار بالأماني الطويلة والعريضة.

(اماني)جمع‌(أمنية)، وهي من مادّة(مَنى‌)على وزن‌(مَغز)وهي في الأصل بمعنى المقياس والميزان، لأن الإنسان في عالم الخيال وأحلام اليقظة يقيس الامور لنفسه وما يترتب عليها من معطيات، ولهذا السبب يُقال للخيالات الباطلة والكلام الزائف والآمال العريضة(امنية)وجمعها(أماني).

[1]. سورة الشعراء، الآية 146- 149.

[2]. سورة الحديد، الآية 14.

[3]. المصدر السابق.


صفحه 162

وورد في تفسير منهج الصادقين وتفسير القرطبي في ذيل هذه الآية حديثاً عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأنّ رسول اللَّه كان أحد الأيّام يعظ أصحابه فرسم لهم خطوط متوازية على الأرض ثمّ خطّ لهم خطاً عمودياً ثمّ قال: اتعلمون ما معنى هذه الخطوط؟ فقالوا: لا يا رسول اللَّه! فقال: هذه الخطوط هي من قبيل الآمال والتمنيات للناس (والّتي لا حدّ لها ولا حصر) وامّا ذلك الخط العمودي فهو الموت ونهاية الحياة الدنيا الّذي خُطّ على بني آدم جميعاً والّذي سوف يُبطل جميع هذه الآمال والتمنيات.

ونفس هذا المعنى مع تفاوت يسير نقله (ابن مسعود) عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حيث قال:

«خطّ لنا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خطاً مربعاً، وخطّ وسطه خطاً وجعله خارجاً منه، وخطّ عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً، فقال: هذا ابن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإنّ اخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا»[1].

«الآية الرابعة»تخاطب المؤمنين بصورة غير مباشرة وتحذرهم بأن يكونوا على وعيٍ كامل بوضعهم وحالهم لكي لا تأخذهم الآمال والتمنيات وتُفضي بهم إلى المصير المؤلم للأقوام السالفة وتقول «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ا لْحَقّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ ا لْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ا لْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ»[2].

والمفهوم من هذه الآية انّ ما يبعث على لين قلب الإنسان وانعطافه وتوجهه إلى الحقّ وتحرّكه في خطّ الإيمان والانفتاح على اللَّه هو ذكر اللَّه تعالى، أجل فإنّ ذكر اللَّه من شأنه أن يُزيل جميع الآمال الطويلة والعريضة ويجعل الإنسان ملتفتاً إلى مسؤولياته وواقعه ويُجلي قلب الإنسان ويضيئه، ويتسبّب في أن يتحرّك الإنسان في تصوراته وتفكيره من رؤية الواقع وحقيقة الحياة الدنيا فيرى عدم ثباتها وعدم استقرارها جلياً أمام ناظريه.

[1]. تفسير القرطبي، ج 17، ص 247 ذيل الآية محل البحث.

[2]. سورة الحديد، الآية 16.