وورد في تفسير منهج الصادقين وتفسير القرطبي في ذيل هذه الآية حديثاً عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأنّ رسول اللَّه كان أحد الأيّام يعظ أصحابه فرسم لهم خطوط متوازية على الأرض ثمّ خطّ لهم خطاً عمودياً ثمّ قال: اتعلمون ما معنى هذه الخطوط؟ فقالوا: لا يا رسول اللَّه! فقال: هذه الخطوط هي من قبيل الآمال والتمنيات للناس (والّتي لا حدّ لها ولا حصر) وامّا ذلك الخط العمودي فهو الموت ونهاية الحياة الدنيا الّذي خُطّ على بني آدم جميعاً والّذي سوف يُبطل جميع هذه الآمال والتمنيات.
ونفس هذا المعنى مع تفاوت يسير نقله (ابن مسعود) عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حيث قال:
«خطّ لنا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خطاً مربعاً، وخطّ وسطه خطاً وجعله خارجاً منه، وخطّ عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً، فقال: هذا ابن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإنّ اخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا»[1].
«الآية الرابعة»تخاطب المؤمنين بصورة غير مباشرة وتحذرهم بأن يكونوا على وعيٍ كامل بوضعهم وحالهم لكي لا تأخذهم الآمال والتمنيات وتُفضي بهم إلى المصير المؤلم للأقوام السالفة وتقول «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ا لْحَقّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ ا لْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ا لْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ»[2].
والمفهوم من هذه الآية انّ ما يبعث على لين قلب الإنسان وانعطافه وتوجهه إلى الحقّ وتحرّكه في خطّ الإيمان والانفتاح على اللَّه هو ذكر اللَّه تعالى، أجل فإنّ ذكر اللَّه من شأنه أن يُزيل جميع الآمال الطويلة والعريضة ويجعل الإنسان ملتفتاً إلى مسؤولياته وواقعه ويُجلي قلب الإنسان ويضيئه، ويتسبّب في أن يتحرّك الإنسان في تصوراته وتفكيره من رؤية الواقع وحقيقة الحياة الدنيا فيرى عدم ثباتها وعدم استقرارها جلياً أمام ناظريه.
[1]. تفسير القرطبي، ج 17، ص 247 ذيل الآية محل البحث.
[2]. سورة الحديد، الآية 16.
«الآية الخامسة»تخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مشيرةً إلى الكفّار والمشركين وتقول «ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»[1].
أجل أنّ هؤلاء مثلهم كمثل الدواب والأنعام لا يفهمون من الحياة الدنيا سوى المأكل والمشرب والتمتع بإشباع الشهوات البدنية، وعليه فهم أضل من الأنعام واسوأ حالًا بسبب أنّهم يعيشون طول الأمل في حياتهم وأفكارهم بحيث إن طول الأمل هذا يمنعهم من التفكير بمستقبلهم وما ينتظرهم في الغد حتى ينشب الموت مخالبه في أرواحهم.
وهنا نجد أنّ الآية توضح الأثر السلبي للآمال الطويلة على حياة الإنسان وتبين إلى أيّة درجة تجعل هذه الآمال الإنسان مشغولًا بنفسه ودنياه وغافلًا عن اللَّه تعالى.
وجملة(ذرهم)تبين بوضوح انه لا أمل في هداية هؤلاء وإلّا فإنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في الأصل مأمورٌ بهداية جميع الناس فلا معنى لأن يتركهم مع احتمال الهداية فيهم.
وكيف يصحّ توقّع الهداية من طائفة من الناس في حين أنّ هدفها النهائي في حركة الحياة هو الأكل والشرب والنوم والحياة في الدنيا كما تعيش الحيوانات، لأن هذه الآمال الطويلة لا تدعهم يفكرون لحظة في نهاية هذه الحياة وخالقها والواهب لكلّ هذه المواهب في عالم الوجود وما هي الغاية من هذا الخلق العظيم؟
«الآية السادسة»من الآيات مورد البحث والتي تشير إلى هذه الحقيقة، وهي انّ الآمال الطويلة الّتي لا يحصل عليها الإنسان غالباً تحيط بالإنسان وتؤسر جميع امكاناته وقابلياته وتحجزه عن سلوك طريق السعادة وبالتالي ستمنعه من سلوك طريق الكمال المعنوي والإنساني وتقول: «أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى»[2].
وهذا الاستفهام في الحقيقة هو نوع من الاستفهام الإنكاري، فكيف يمكن أن يعيش الإنسان كلّ هذه الآمال والتمنيات وينالها ويصل إلى مقاصده في حين أنّ طول هذه الآمال
[1]. سورة الحجر، الآية 3.
[2]. سورة النجم، الآية 4.
يستغرق أحياناً عشرات أو مئات الأضعاف من عمر الإنسان الطبيعي، وأحياناً تقع هذه التمنيات في خطّ اللانهاية بحيث كلّما وصل الإنسان في حركة الحياة إلى مقدار معيّن منها تجلّت له آمال اخرى تدعوه إلى مواصلة الحركة.
ويجب الانتباه إلى أنّ هذه الآية وردت بعد آيات تشير إلى اصنام المشركين الّذين كانوا يعيشون الأمل بشفاعتها والقرب من اللَّه تعالى بواسطتها، فالقرآن يقول: إنّ هذا الأمل لا يتحقّق إطلاقاً، ولكن مع ذلك فإنّ مفهوم الآية عام، وكما في الإصطلاح أنّ المورد لا يخصّص الوارد.
«الآية السابعة»تتحدّث عن أهل الدنيا الّذين يعيشون الآمال الطويلة والتمنيات العريضة وتقول: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ* الّذي جَمَعَ مَالًا وَعدَّدَهُ[1]* يَحْسَبُ انَّ مَالَهُ اخْلَدَه»[2].
وفي الواقع أنّ هذه الآيات الثلاثة بمثابة العلّة والمعلول، لأن الإنسان الأناني والإنتهازي سوف يتحرّك في تعامله مع الآخرين من موقع الإستهزاء بسبب الثروة الكبيرة والمال الكثير عنده والّذي جَمَعه بطرق غير مشروعة، لأنه جَمَع مثل هذه الثروة بدافع من تصوّره أنّ هذه الثروة من شأنها أن تكتب له الخلود في هذه الحياة، فهذا التصوّر المصحوب ب (طول الأمل) وكثرة التمنيات الدنيوية تسبب لهذا الشخص الغرور والإستعلاء والعجب، وهذا بدوره يتسبب في أن يتحرّك مع الآخرين من موقع الإستهزاء والسخرية[3].
ويُستفاد جيداً من هذه الآية أنّ الآمال والتمنيات الطويلة والعريضة تارةً تصل إلى حدّ ينسى الإنسان معها الموت تماماً ويتصوّر انه مخلّد أبد الدهر، وهذا الأمر يؤدي به إلى
[1]. ورد هذا الاحتمال في تفسير «عدَّده» ولا يراد منه العدّ، بل جعل المال عدُّة له بأن يعتمد عليه في كل الأحوال.
[2]. سورة الهمزة، الآية، 1- 3.
[3]. «همزة» و «لمزة» صيغتان للمبالغة، والاولى من مادة «هَمْز» بمعنى الكسر، والثانية من مادة «لمز» بمعنى الغيبة والتنابز بالألقاب، ويرى البعض أنّ «الهُمَزَة» يقال للشخص الّذي يعيب على غيره بالاشارة، بينما تطلق «اللمزة» على الشخص الّذي يرتكب هذا العمل بلسانه.
الطغيان ويقوّي فيه حالة الإستكبار والفوقية وبالتالي تورثه هذه الحالة الوقوع في الكثير من الذنوب الاخرى.
«الآية الثامنة»والأخيرة من الآيات مورد البحث: تتحدّث عن طائفة من الأشخاص الّذين عرفوا الحقّ من موقع الوعي ولكنهم أداروا ظهورهم له وأعرضوا عنه بعد ذلك وتقول: «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِم مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ»[1].
(أَمْلَى لهم)من مادّة إملاء، بمعنى ظهور الآمال البعيدة والطويلة الّتي تشغل الإنسان بنفسه.
وهذه الآية في الحقيقة ناظرة إلى هذا المعنى وهو انه كيف يمكن أن يكون الإنسان عارفاً للحقّ ومصدّقاً به في البداية ثمّ يتجاهل هذه العقيدة ويعرض عنها ويوصد أبواب النجاة أمامه ويسلك في خطّ الإنحراف والزيغ.
هل يمكن للإنسان العاقل أن يسلك هذا المسلك؟
أجل فعندما تحيط الوساوس الشيطانية بالإنسان وتصوّر له القبائح حسنات وتوقعه في منزلقات الآمال والتمنيات الطويلة فلا يبعد أن ينسى ما كان عليه من الحقّ ويعرض عنه بسبب ذلك.
ومن هنا يمكن إدراك البلاء العظيم الّذي تنزله الآمال الطويلة على الإنسان وكيف أنّ الإنسان العاقل يفقد عقله معها تماماً ويصبح غريباً عن ذاته ويترك عقله لمجموعة من الأوهام والخيالات الّتي تقوده في خط الباطل وتبتعد به عن اللَّه تعالى.
ومن مجموع الآيات المذكورة آنفاً والّتي تحدّثت عن مصير بعض الأقوام الماضين وبعض المعاصرين لعصر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وبعض الآيات تحدّثت بشكل قانون عام
[1]. سورة محمّد، الآية 25.
يمكن استخلاص هذه النتيجة، وهي انّ طول الأمل وكثرة التمنيات تُعدّ من أخطر أعداء الإنسان في صياغة حياته السعيدة، وبإمكانها أن توقع أفراد البشر بل المجتمعات البشرية في هوّة السقوط والإندثار والشقاء.
طول الأمل في الروايات الإسلامية:
بما أنّ طول الأمل له تأثير مخرب جداً على حياة الإنسان المعنوية والأخلاقية وحتّى الدنيوية والمادية أيضاً، فإنّ الروايات الإسلامية قد ذمت هذه الخصلة بتعبيرات مختلفة، وأشارت إلى أسباب منطقية لذلك، وعلى سبيل المثال نشير إلى نماذج من هذه الروايات:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قوله:«ارْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَطُولُ الْامَلِ وَالْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا»[1].
2- ونقرأ في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«مَنْ اطَالَ امَلَهُ سَاءَ عَمَلُهُ»[2].
وهذا المعنى ورد بصورة أوضح في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أنّه قال«اطْوَلَ النَّاسِ امَلًا اسْوَئُهُمْ عَمَلًا»[3].
3- وورد في نهج البلاغة في الخطبة 147 تعبيراً عميقاً في هذا المجال قال:«انَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ الْمَوْعُودُ الّذي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ».
4- وفي حديث آخر عن فاطمة بنت الحسين عليهما السلام عن أبيها الإمام الحسين عليه السلام عن جدّه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:«انَّ صَلَاحَ اوَّلِ هَذِهِ الْامَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ وَهَلَاكَ آخِرِهَا بِالشُّحِّ (بِالشَّكِّ) وَالْامَلِ»[4].
[1]. تفسير القرطبي، ج 5، ص 3618، ورد شبيهاً له مع اختلاف يسير في بحار الأنوار، ج 70، ص 16.
[2]. بحار الأنوار، ج 70، ص 163، ح 19.
[3]. تصنيف غرر الحكم، ص 312.
[4]. بحار الأنوار، ج 70 ص 164.
وبديهي أنّ من العوامل المهمة لانتصار المسلمين في صدر الإسلام هو الإيمان واليقين الراسخ بالإضافة إلى عدم اهتمامهم بزخارف الدنيا وبريقها، حيث تسبب ذلك في أن يرد المسلمون الأوائل إلى ميدان القتال والجهاد بشجاعة فائقة وشوق بالغ فلم يكونوا يرون إلّا اللَّه تعالى ولا يتحركون إلّافي خط الطاعة والتقوى ولا يديرون ظهورهم إلى الأعداء من موقع الهزيمة والتخاذل.
ولكن عندما امتدت إليهم الآمال الطويلة وملكتهم العلائق الدنيوية وخدعتهم ظواهر الدنيا حلّ الشك والترديد محلّ اليقين، والشغف بأُمور الدنيا محلّ الزهد، وبدأوا يتراجعون أمام أعدائهم ويسلكون سبيل التخلف والإنحطاط الحضاري والثقافي، فلا سبيل لهم اليوم لتجديد عظمتهم الاولى سوى احياء تيْنَك الأصلين الرئيسيّين.
5- وفي حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«الْامَلُ سُلْطَانُ الشَّيَاطِينِ عَلَى قُلُوبِ الْغَافِلِينَ»[1].
6- وجاء في حديث آخر عن هذا الإمام أيضاً انه وصف مثل هؤلاء الأشخاص بعنوان شرّ الناس وقال:«شَرُّ النَّاسِ الطَّوِيلُ الْامَلِ، السَّيّىءُ الْعَمَلِ»[2].
وكذلك ورد في حديث آخر عن هذا الإمام أيضاً قوله:«انَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى امَلِهِ فَيَقْطَعُهُ حُضُورُ اجَلِهِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ لَاامَلٌ يُدْرَكُ وَلَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ»[3].
7- وفي حديث شريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«اشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى»[4].
لأن التمنيات الطويلة والعريضة تتسبّب في أن يعيش الإنسان الحاجة والفقر في نفسه دائماً ويمدّ يده في سبيل إشباع هذه الحاجة إلى أيّ شخص وبذلك يحقق شخصيته ويسحق حيثيّته الإنسانية من أجل هدف لن يصل إليه أبداً.
[1]. تصنيف غرر الحكم، ص 312.
[2]. المصدر السابق.
[3]. غرر الحكم، ص 313.
[4]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 34 و 211.
8- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام قوله:«كَذَّبَ مَنِ ادَّعَى الْايمَانَ وَهُوَ مَشْغُوفٌ مِنَ الدُّنْيَا بِخِدَعِ الْامَانِيِّ وَزُورِ الْمَلَاهِيِّ»[1].
ومن الواضح أنّ المتعلق بالدنيا والمشغوف بزخارفها وملذاتها فإنه ومن أجل الوصول إلى كلّ شيء منها لابدّ له أن ينسى كلّ شيء يشدّه إلى الحقيقة والواقع ومن ذلك سوف يُصاب الإيمان بالإهتزاز والضعف.
9- وكذلك ورد عن هذا الإمام في حديث قصير ومليء بالمعنى أنّه قال:«الْامَانِيُّ تُعْمَى عُيُونَ الْبَصَائِرِ»[2].
10- وورد في حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال يوماً لأصحابه«اكُلُّكُمْ يُحِبُّ انْ يَدْخُلَ الجَنّةَ؟».
«قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ»
قال:«قَصِّرُوا مِنَ الْامَلِ وَاجْعَلُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ ابْصَارِكُمْ وَاسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»[3].
11- وأيضاً نقرأ في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«انَّ الْامَلَ يُذْهِبُ الْعَقْلَ، وَيُكَذِّبُ الْوَعْدَ، وَيَحِثُّ عَلَى الْغَفْلَةِ وَيُورِثُ الْحَسْرَةَ»[4].
12- ونختم هذا البحث برواية اخرى عن رسول اللَّه بعنوان(مسك الختام)، فقد ورد في هذا الحديث أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أخذ ثلاثة أعواد فغرس عوداً بين يديه والآخر إلى جانبه وأما الثالث فأبعده وقال: هلا تدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال:«هَذَا الْانْسَانُ! وَهَذَا الْاجَلُ! وَهَذَا الْامَلُ يَتَعَاطَاهُ ابْنُ آدَمَ وَيَخْتَلِجَهُ الْاجَلُ دُونَ الْامَلُ!»[5].
الأحاديث الشريفة أعلاه والّتي هي غيض من فيض الروايات المذكورة في المصادر الإسلامية في باب طول الأمل تبين بوضوح سعة دائرة الخطر وعمق الفاجعة المترتبة على
[1]. تصنيف غرر الحكم، ص 312، ح 7223.
[2]. غرر الحكم، ح 1375.
[3]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 246.
[4]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 3، مادّة أمل.
[5]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 104؛ المحجّة البيضاء، ج 8، ص 245.
هذه الرذيلة الأخلاقية، وتؤكد على أنّ الآمال الطويلة والتمنيات العريضة تُعد من أشد أعداء سعادة الإنسان والمانع القوي أمام حركته في خط القرب الإلهي والإيمان والانفتاح على اللَّه.
الآثار السلبية لطول الأمل:
إن للآمال والتمنيات الواسعة آثار مخربة كثيرة في حياة الإنسان المعنوية والمادية والّتي اشارت إليها الروايات المذكورة آنفاً، وكذلك ما ورد في الآيات القرآنية المذكورة في صدر البحث، وبشكل عام يمكن القول: أنّ طول الأمل يترتب عليه آثار مخرّبة ونتائج مدمّرة كالتالي:
1- طول الأمل مصدر الكثير من الذنوب
إن أحد أسوأ الآثار السلبية لطول الأمل والتمنيات العريضة هي أنّها تدعو الإنسان للتورط بأنواع الذنوب لأن الحصول على متعلقات هذه الآمال والتمنيات لا تتسنّى عادة إلّا بطرق غير مشروعة، وعليه فإنّ من يعيش هذه الرذيلة الأخلاقية يجد نفسه مضطراً إلى الغض عن الكثير من مسائل الحلال والحرام في سبيل تحقيق أمنياته وأن لا يُراعي في ذلك حقوق الآخرين ولا ممنوعات الشريعة المقدسة، فيتحرك من موقع غصب حقوق الناس، أكل أموال اليتامى، التطفيف في الميزان، أكل الربا، الرشوة وأمثال ذلك.
ولهذا السبب فقد ورد في الحديث المعروف في (غرر الحكم)«مَنْ طَالَ امَلُهُ سَاءَ عَمَلُهُ»[1].
وورد أيضاً«اطْوَلَ النَّاسِ امَلًا اسْوَئُهُمْ عَمَلًا»[2].
[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 156.
[2]. غرر الحكم، ح 3054.