بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 165

الطغيان ويقوّي فيه حالة الإستكبار والفوقية وبالتالي تورثه هذه الحالة الوقوع في الكثير من الذنوب الاخرى.

«الآية الثامنة»والأخيرة من الآيات مورد البحث: تتحدّث عن طائفة من الأشخاص الّذين عرفوا الحقّ من موقع الوعي ولكنهم أداروا ظهورهم له وأعرضوا عنه بعد ذلك وتقول: «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى‌ أَدْبَارِهِم مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى‌ لَهُمْ»[1].

(أَمْلَى‌ لهم)من مادّة إملاء، بمعنى‌ ظهور الآمال البعيدة والطويلة الّتي تشغل الإنسان بنفسه.

وهذه الآية في الحقيقة ناظرة إلى هذا المعنى‌ وهو انه كيف يمكن أن يكون الإنسان عارفاً للحقّ ومصدّقاً به في البداية ثمّ يتجاهل هذه العقيدة ويعرض عنها ويوصد أبواب النجاة أمامه ويسلك في خطّ الإنحراف والزيغ.

هل يمكن للإنسان العاقل أن يسلك هذا المسلك؟

أجل فعندما تحيط الوساوس الشيطانية بالإنسان وتصوّر له القبائح حسنات وتوقعه في منزلقات الآمال والتمنيات الطويلة فلا يبعد أن ينسى ما كان عليه من الحقّ ويعرض عنه بسبب ذلك.

ومن هنا يمكن إدراك البلاء العظيم الّذي تنزله الآمال الطويلة على الإنسان وكيف أنّ الإنسان العاقل يفقد عقله معها تماماً ويصبح غريباً عن ذاته ويترك عقله لمجموعة من الأوهام والخيالات الّتي تقوده في خط الباطل وتبتعد به عن اللَّه تعالى.

ومن مجموع الآيات المذكورة آنفاً والّتي تحدّثت عن مصير بعض الأقوام الماضين وبعض المعاصرين لعصر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وبعض الآيات تحدّثت بشكل قانون عام‌

[1]. سورة محمّد، الآية 25.


صفحه 166

يمكن استخلاص هذه النتيجة، وهي انّ طول الأمل وكثرة التمنيات تُعدّ من أخطر أعداء الإنسان في صياغة حياته السعيدة، وبإمكانها أن توقع أفراد البشر بل المجتمعات البشرية في هوّة السقوط والإندثار والشقاء.

طول الأمل في الروايات الإسلامية:

بما أنّ طول الأمل له تأثير مخرب جداً على حياة الإنسان المعنوية والأخلاقية وحتّى الدنيوية والمادية أيضاً، فإنّ الروايات الإسلامية قد ذمت هذه الخصلة بتعبيرات مختلفة، وأشارت إلى أسباب منطقية لذلك، وعلى سبيل المثال نشير إلى نماذج من هذه الروايات:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قوله:«ارْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَطُولُ الْامَلِ وَالْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا»[1].

2- ونقرأ في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«مَنْ اطَالَ امَلَهُ سَاءَ عَمَلُهُ»[2].

وهذا المعنى ورد بصورة أوضح في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أنّه قال‌«اطْوَلَ النَّاسِ امَلًا اسْوَئُهُمْ عَمَلًا»[3].

3- وورد في نهج البلاغة في الخطبة 147 تعبيراً عميقاً في هذا المجال قال:«انَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ الْمَوْعُودُ الّذي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ».

4- وفي حديث آخر عن فاطمة بنت الحسين عليهما السلام عن أبيها الإمام الحسين عليه السلام عن جدّه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:«انَّ صَلَاحَ اوَّلِ هَذِهِ الْامَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ وَهَلَاكَ آخِرِهَا بِالشُّحِّ (بِالشَّكِّ) وَالْامَلِ»[4].

[1]. تفسير القرطبي، ج 5، ص 3618، ورد شبيهاً له مع اختلاف يسير في بحار الأنوار، ج 70، ص 16.

[2]. بحار الأنوار، ج 70، ص 163، ح 19.

[3]. تصنيف غرر الحكم، ص 312.

[4]. بحار الأنوار، ج 70 ص 164.


صفحه 167

وبديهي أنّ من العوامل المهمة لانتصار المسلمين في صدر الإسلام هو الإيمان واليقين الراسخ بالإضافة إلى عدم اهتمامهم بزخارف الدنيا وبريقها، حيث تسبب ذلك في أن يرد المسلمون الأوائل إلى ميدان القتال والجهاد بشجاعة فائقة وشوق بالغ فلم يكونوا يرون إلّا اللَّه تعالى‌ ولا يتحركون إلّافي خط الطاعة والتقوى ولا يديرون ظهورهم إلى الأعداء من موقع الهزيمة والتخاذل.

ولكن عندما امتدت إليهم الآمال الطويلة وملكتهم العلائق الدنيوية وخدعتهم ظواهر الدنيا حلّ الشك والترديد محلّ اليقين، والشغف بأُمور الدنيا محلّ الزهد، وبدأوا يتراجعون أمام أعدائهم ويسلكون سبيل التخلف والإنحطاط الحضاري والثقافي، فلا سبيل لهم اليوم لتجديد عظمتهم الاولى سوى احياء تيْنَك الأصلين الرئيسيّين.

5- وفي حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«الْامَلُ سُلْطَانُ الشَّيَاطِينِ عَلَى قُلُوبِ الْغَافِلِينَ»[1].

6- وجاء في حديث آخر عن هذا الإمام أيضاً انه وصف مثل هؤلاء الأشخاص بعنوان شرّ الناس وقال:«شَرُّ النَّاسِ الطَّوِيلُ الْامَلِ، السَّيّى‌ءُ الْعَمَلِ»[2].

وكذلك ورد في حديث آخر عن هذا الإمام أيضاً قوله:«انَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى امَلِهِ فَيَقْطَعُهُ حُضُورُ اجَلِهِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ لَاامَلٌ يُدْرَكُ وَلَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ»[3].

7- وفي حديث شريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«اشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى»[4].

لأن التمنيات الطويلة والعريضة تتسبّب في أن يعيش الإنسان الحاجة والفقر في نفسه دائماً ويمدّ يده في سبيل إشباع هذه الحاجة إلى أيّ شخص وبذلك يحقق شخصيته ويسحق حيثيّته الإنسانية من أجل هدف لن يصل إليه أبداً.

[1]. تصنيف غرر الحكم، ص 312.

[2]. المصدر السابق.

[3]. غرر الحكم، ص 313.

[4]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 34 و 211.


صفحه 168

8- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام قوله:«كَذَّبَ مَنِ ادَّعَى الْايمَانَ وَهُوَ مَشْغُوفٌ مِنَ الدُّنْيَا بِخِدَعِ الْامَانِيِّ وَزُورِ الْمَلَاهِيِّ»[1].

ومن الواضح أنّ المتعلق بالدنيا والمشغوف بزخارفها وملذاتها فإنه ومن أجل الوصول إلى كلّ شي‌ء منها لابدّ له أن ينسى‌ كلّ شي‌ء يشدّه إلى الحقيقة والواقع ومن ذلك سوف يُصاب الإيمان بالإهتزاز والضعف.

9- وكذلك ورد عن هذا الإمام في حديث قصير وملي‌ء بالمعنى‌ أنّه قال:«الْامَانِيُّ تُعْمَى عُيُونَ الْبَصَائِرِ»[2].

10- وورد في حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال يوماً لأصحابه‌«اكُلُّكُمْ يُحِبُّ انْ يَدْخُلَ الجَنّةَ؟».

«قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ»

قال:«قَصِّرُوا مِنَ الْامَلِ وَاجْعَلُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ ابْصَارِكُمْ وَاسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»[3].

11- وأيضاً نقرأ في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«انَّ الْامَلَ يُذْهِبُ الْعَقْلَ، وَيُكَذِّبُ الْوَعْدَ، وَيَحِثُّ عَلَى الْغَفْلَةِ وَيُورِثُ الْحَسْرَةَ»[4].

12- ونختم هذا البحث برواية اخرى عن رسول اللَّه بعنوان‌(مسك الختام)، فقد ورد في هذا الحديث أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أخذ ثلاثة أعواد فغرس عوداً بين يديه والآخر إلى جانبه وأما الثالث فأبعده وقال: هلا تدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال:«هَذَا الْانْسَانُ! وَهَذَا الْاجَلُ! وَهَذَا الْامَلُ يَتَعَاطَاهُ ابْنُ آدَمَ وَيَخْتَلِجَهُ الْاجَلُ دُونَ الْامَلُ!»[5].

الأحاديث الشريفة أعلاه والّتي هي غيض من فيض الروايات المذكورة في المصادر الإسلامية في باب طول الأمل تبين بوضوح سعة دائرة الخطر وعمق الفاجعة المترتبة على‌

[1]. تصنيف غرر الحكم، ص 312، ح 7223.

[2]. غرر الحكم، ح 1375.

[3]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 246.

[4]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 3، مادّة أمل.

[5]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 104؛ المحجّة البيضاء، ج 8، ص 245.


صفحه 169

هذه الرذيلة الأخلاقية، وتؤكد على أنّ الآمال الطويلة والتمنيات العريضة تُعد من أشد أعداء سعادة الإنسان والمانع القوي أمام حركته في خط القرب الإلهي والإيمان والانفتاح على اللَّه.

الآثار السلبية لطول الأمل:

إن للآمال والتمنيات الواسعة آثار مخربة كثيرة في حياة الإنسان المعنوية والمادية والّتي اشارت إليها الروايات المذكورة آنفاً، وكذلك ما ورد في الآيات القرآنية المذكورة في صدر البحث، وبشكل عام يمكن القول: أنّ طول الأمل يترتب عليه آثار مخرّبة ونتائج مدمّرة كالتالي:

1- طول الأمل مصدر الكثير من الذنوب‌

إن أحد أسوأ الآثار السلبية لطول الأمل والتمنيات العريضة هي أنّها تدعو الإنسان للتورط بأنواع الذنوب لأن الحصول على متعلقات هذه الآمال والتمنيات لا تتسنّى عادة إلّا بطرق غير مشروعة، وعليه فإنّ من يعيش هذه الرذيلة الأخلاقية يجد نفسه مضطراً إلى الغض عن الكثير من مسائل الحلال والحرام في سبيل تحقيق أمنياته وأن لا يُراعي في ذلك حقوق الآخرين ولا ممنوعات الشريعة المقدسة، فيتحرك من موقع غصب حقوق الناس، أكل أموال اليتامى‌، التطفيف في الميزان، أكل الربا، الرشوة وأمثال ذلك.

ولهذا السبب فقد ورد في الحديث المعروف في (غرر الحكم)«مَنْ طَالَ امَلُهُ سَاءَ عَمَلُهُ»[1].

وورد أيضاً«اطْوَلَ النَّاسِ امَلًا اسْوَئُهُمْ عَمَلًا»[2].

[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 156.

[2]. غرر الحكم، ح 3054.


صفحه 170

وجاء في النقطة المقابلة لذلك:«مَنْ قَصَّرَ امَلُهُ حَسُنَ عَمَلُهُ»[1].

وكلّ من هذه الأحاديث الثلاثة وردت عن مولانا أميرالمؤمنين الّذي نفديه بأنفسنا ونفدي كلامه النوراني البنّاء.

2- طول الأمل وقساوة القلب‌

وكما رأينا في الآيات القرآنية المذكورة في بداية البحث انها تتحدّث عن أحد الأقوام الماضية وتقول:«فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم».

والسبب في ذلك واضح، لأن طول الأمل يورث الإنسان الغفلة عن اللَّه تعالى ويقوي فيه عنصر الحرص ويُبعده عن الآخرة، وكلّ هذه من الأسباب المهمة لقساوة القلب.

ولهذا السبب ورد في الحديث الشريف أنّ اللَّه تعالى خاطب موسى‌ وقال:«يَا مُوسَى لَا تُطَوِّلْ فِي الدُّنْيَا امَلَكَ فَيَقْسُوا قَلْبَكَ، وَالْقَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ»[2].

ونفس هذا المعنى ورد في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال:«مَنْ يَأْمُلُ انْ يَعِيشَ ابَداً يَقْسُو قَلْبُهُ وَيَرْغَبُ فِي الدُّنْيَا»[3].

3- طول الأمل ونسيان الأجل‌

وهذا الأثر السلبي لا يحتاج إلى مزيد شرح وبسط، ويمكن فهمه بوضوح على مستوى الأشخاص الّذين يعيشون هذه الرذيلة الأخلاقية حيث لا تجدهم يذكرون الموت أبداً ويفكرون بالآخرة بل يعيشون الغفلة التامّة عن هذه الامور المصيرية.

وقد جاء في الحديث المعروف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكذلك عن أميرالمؤمنين عليه السلام القول:«طُولُ الْامَلِ يُنْسِي الْاخِرَةِ»[4].

«اكْثَرُ النَّاسِ امَلًا اقَلُّهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً»[5].

[1]. المصدر السابق، ج 5، ص 295 (طبعة جامعة طهران).

[2]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 104، مادّة أمل.

[3]. المصدر السابق.

[4]. ورد في الأحاديث السابقة.

[5]. تصنيف الغرر، ص 312، ح 7215.


صفحه 171

4- طول الأمل والعُسر في الحياة

ومن البديهي انه كلّما امتدت آمال الإنسان وقويت جذورها في واقع النفس فإنّها تتطلّب موارد ومقدّمات أكثر، وكذلك تدعو صاحبها للإقتصاد أكثر في الأموال والثروات لغرض التوصل إلى تحقيق تلك الآمال والتمنيات، ونتيجة هذين الأمرين هي أن يعيش الإنسان في ضنكٍ من العيش وتعب من زحمة العمل وصعوبة المشكلات الّتي يواجهها هو وعائلته حيث يجد نفسه مضطراً إلى العمل ليل نهار وبدون توقف. وفي ذلك وردت أحاديث عن أميرالمؤمنين تقول:«مَنْ كَثُرَ مُنَاهُ كَثُرَ عَنَائُهُ».

وقال أيضاً:«مَنِ اسْتَعَانَ بِالْامَانِيِّ افْلَسَ». (حتّى لو عاش حياة الأغنياء في كثرة المال والثروة).

وقال أيضاً:«الرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ»[1].

5- طول الأمل والذلّة في الحياة

إنّ الأشخاص الّذين يعيشون الآمال الطويلة مضافاً إلى كدحهم وتعبهم الدائم فإنّهم يعيشون في شخصيّتهم الإنسانية الشعور بالذلّة والحقارة حيث يضطرون إلى سحق حيثيّتهم لغرض التوصل إلى هدفهم الموهوم والخيالي ويذعنون ويخضعون أمام كلّ أحد ويمدّوا أيديهم لأيّ شخص كما ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام:«ذُلُّ الرِّجَالِ فِي خَيْبَةِ الْامَالِ»[2].

6- الحرمان من النعم والمواهب‌

وكما تقدّمت الإشارة إليه في الأشخاص المتورطون في دوّامة الأمل ومستنقع التمنيات فإنّهم يجدون أنفسهم مضطرون إلى الاقتصاد والتقتير على أنفسهم في الحياة وعدم الإستفادة من المواهب الكثيرة والنعم الوفيرة الّتي لديهم كلّ ذلك من أجل تحقيق تلك الآمال البعيدة، ولهذا السبب فإنّهم يقترون ويقتصدون في كلّ شي‌ء حتّى على أنفسهم‌

[1]. تصنيف الغرر، ص 314.

[2]. غرر الحكم، ج 2، ص 405.


صفحه 172

وعائلتهم، وهذا هو البخل أو الشح الّذي يحرم الإنسان من النعم والمواهب الإلهية في عين تملكه للإمكانات والثروات الوفيرة فيعيش عيشة الفقراء وهو غني.

وقد نرى في زماننا هذا بعض الأشخاص الّذين يبتلون بطول الأمل ويتحركون في سبيل تأمين حياتهم وأبناءهم تحت عنوان‌(التأمين على الحياة)ويُحرموا بذلك أنفسهم وأبناءهم من المواهب والنعم الإلهية الكثيرة!!

7- طول الأمل وعدم إدراك الحقائق‌

إنّ الآمال والتمنيات البعيدة حالها حال السراب الّذي يخدع الضمآن في الصحراء المحرقة ويجرّه إليه ليعيش الضمأ والعطش أكثر دون أن يصل إلى مقصوده، فهذه الآمال والتمنيات تُظهر الامور الواقعية بأقنعة مزيّفة ولذلك لا يُدرك الإنسان أين يذهب وإلى أين يتجّه؟ وما هي وظيفته في قِبال الامور المصيرية؟

ومن ذلك ورد في الحديث الشريف الّذي سبقت الإشارة إليه، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله‌«الْامَانِيُّ تُعْمِي عُيُونَ الْبَصَائِرِ»[1].

وخلاصة الكلام انّ الشخص الّذي يمكنه إدراك وجه الحقيقة الجميل كما هو عليه هو الشخص الّذي لا يغطي عقله بحجاب الآمال والتمنيات ولا يعيش وسط السُحُب المظلمة والمظلّلة لطول الأمل.

8- طول الأمل وكفران النعمة

ومن البديهي أنّ طول الأمل يقود الإنسان لأن يتعلق قلبه بما لا يحصل عليه أبداً ولهذا فإنه يرى‌ نعمة اللَّه عليه قليلة ومواهبه حقيرة فلا يتعامل مع ما لديه من هذه المواهب العظيمة من موقع الإهتمام والعناية وهذا هو عين كفران النعمة ممّا يترتب عليه عواقب سيّئة في الدنيا والآخرة.

وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«تَجَنَّبُوا الْمُنَى فَانَّهَا تُذْهِبُ بِبَهْجَةِ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكُمْ، وَتُلْزِمُ اسْتِصْغَارَهَا لَدَيْكُمْ، وَعَلَى قِلَّةِ الشُّكْرِ مِنْكُمْ»[2].

[1]. غرر الحكم، ح 1375.

[2]. تصنيف الغرر، ص 314.