هذه الرذيلة الأخلاقية، وتؤكد على أنّ الآمال الطويلة والتمنيات العريضة تُعد من أشد أعداء سعادة الإنسان والمانع القوي أمام حركته في خط القرب الإلهي والإيمان والانفتاح على اللَّه.
الآثار السلبية لطول الأمل:
إن للآمال والتمنيات الواسعة آثار مخربة كثيرة في حياة الإنسان المعنوية والمادية والّتي اشارت إليها الروايات المذكورة آنفاً، وكذلك ما ورد في الآيات القرآنية المذكورة في صدر البحث، وبشكل عام يمكن القول: أنّ طول الأمل يترتب عليه آثار مخرّبة ونتائج مدمّرة كالتالي:
1- طول الأمل مصدر الكثير من الذنوب
إن أحد أسوأ الآثار السلبية لطول الأمل والتمنيات العريضة هي أنّها تدعو الإنسان للتورط بأنواع الذنوب لأن الحصول على متعلقات هذه الآمال والتمنيات لا تتسنّى عادة إلّا بطرق غير مشروعة، وعليه فإنّ من يعيش هذه الرذيلة الأخلاقية يجد نفسه مضطراً إلى الغض عن الكثير من مسائل الحلال والحرام في سبيل تحقيق أمنياته وأن لا يُراعي في ذلك حقوق الآخرين ولا ممنوعات الشريعة المقدسة، فيتحرك من موقع غصب حقوق الناس، أكل أموال اليتامى، التطفيف في الميزان، أكل الربا، الرشوة وأمثال ذلك.
ولهذا السبب فقد ورد في الحديث المعروف في (غرر الحكم)«مَنْ طَالَ امَلُهُ سَاءَ عَمَلُهُ»[1].
وورد أيضاً«اطْوَلَ النَّاسِ امَلًا اسْوَئُهُمْ عَمَلًا»[2].
[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 156.
[2]. غرر الحكم، ح 3054.
وجاء في النقطة المقابلة لذلك:«مَنْ قَصَّرَ امَلُهُ حَسُنَ عَمَلُهُ»[1].
وكلّ من هذه الأحاديث الثلاثة وردت عن مولانا أميرالمؤمنين الّذي نفديه بأنفسنا ونفدي كلامه النوراني البنّاء.
2- طول الأمل وقساوة القلب
وكما رأينا في الآيات القرآنية المذكورة في بداية البحث انها تتحدّث عن أحد الأقوام الماضية وتقول:«فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم».
والسبب في ذلك واضح، لأن طول الأمل يورث الإنسان الغفلة عن اللَّه تعالى ويقوي فيه عنصر الحرص ويُبعده عن الآخرة، وكلّ هذه من الأسباب المهمة لقساوة القلب.
ولهذا السبب ورد في الحديث الشريف أنّ اللَّه تعالى خاطب موسى وقال:«يَا مُوسَى لَا تُطَوِّلْ فِي الدُّنْيَا امَلَكَ فَيَقْسُوا قَلْبَكَ، وَالْقَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ»[2].
ونفس هذا المعنى ورد في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال:«مَنْ يَأْمُلُ انْ يَعِيشَ ابَداً يَقْسُو قَلْبُهُ وَيَرْغَبُ فِي الدُّنْيَا»[3].
3- طول الأمل ونسيان الأجل
وهذا الأثر السلبي لا يحتاج إلى مزيد شرح وبسط، ويمكن فهمه بوضوح على مستوى الأشخاص الّذين يعيشون هذه الرذيلة الأخلاقية حيث لا تجدهم يذكرون الموت أبداً ويفكرون بالآخرة بل يعيشون الغفلة التامّة عن هذه الامور المصيرية.
وقد جاء في الحديث المعروف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكذلك عن أميرالمؤمنين عليه السلام القول:«طُولُ الْامَلِ يُنْسِي الْاخِرَةِ»[4].
«اكْثَرُ النَّاسِ امَلًا اقَلُّهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً»[5].
[1]. المصدر السابق، ج 5، ص 295 (طبعة جامعة طهران).
[2]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 104، مادّة أمل.
[3]. المصدر السابق.
[4]. ورد في الأحاديث السابقة.
[5]. تصنيف الغرر، ص 312، ح 7215.
4- طول الأمل والعُسر في الحياة
ومن البديهي انه كلّما امتدت آمال الإنسان وقويت جذورها في واقع النفس فإنّها تتطلّب موارد ومقدّمات أكثر، وكذلك تدعو صاحبها للإقتصاد أكثر في الأموال والثروات لغرض التوصل إلى تحقيق تلك الآمال والتمنيات، ونتيجة هذين الأمرين هي أن يعيش الإنسان في ضنكٍ من العيش وتعب من زحمة العمل وصعوبة المشكلات الّتي يواجهها هو وعائلته حيث يجد نفسه مضطراً إلى العمل ليل نهار وبدون توقف. وفي ذلك وردت أحاديث عن أميرالمؤمنين تقول:«مَنْ كَثُرَ مُنَاهُ كَثُرَ عَنَائُهُ».
وقال أيضاً:«مَنِ اسْتَعَانَ بِالْامَانِيِّ افْلَسَ». (حتّى لو عاش حياة الأغنياء في كثرة المال والثروة).
وقال أيضاً:«الرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ»[1].
5- طول الأمل والذلّة في الحياة
إنّ الأشخاص الّذين يعيشون الآمال الطويلة مضافاً إلى كدحهم وتعبهم الدائم فإنّهم يعيشون في شخصيّتهم الإنسانية الشعور بالذلّة والحقارة حيث يضطرون إلى سحق حيثيّتهم لغرض التوصل إلى هدفهم الموهوم والخيالي ويذعنون ويخضعون أمام كلّ أحد ويمدّوا أيديهم لأيّ شخص كما ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام:«ذُلُّ الرِّجَالِ فِي خَيْبَةِ الْامَالِ»[2].
6- الحرمان من النعم والمواهب
وكما تقدّمت الإشارة إليه في الأشخاص المتورطون في دوّامة الأمل ومستنقع التمنيات فإنّهم يجدون أنفسهم مضطرون إلى الاقتصاد والتقتير على أنفسهم في الحياة وعدم الإستفادة من المواهب الكثيرة والنعم الوفيرة الّتي لديهم كلّ ذلك من أجل تحقيق تلك الآمال البعيدة، ولهذا السبب فإنّهم يقترون ويقتصدون في كلّ شيء حتّى على أنفسهم
[1]. تصنيف الغرر، ص 314.
[2]. غرر الحكم، ج 2، ص 405.
وعائلتهم، وهذا هو البخل أو الشح الّذي يحرم الإنسان من النعم والمواهب الإلهية في عين تملكه للإمكانات والثروات الوفيرة فيعيش عيشة الفقراء وهو غني.
وقد نرى في زماننا هذا بعض الأشخاص الّذين يبتلون بطول الأمل ويتحركون في سبيل تأمين حياتهم وأبناءهم تحت عنوان(التأمين على الحياة)ويُحرموا بذلك أنفسهم وأبناءهم من المواهب والنعم الإلهية الكثيرة!!
7- طول الأمل وعدم إدراك الحقائق
إنّ الآمال والتمنيات البعيدة حالها حال السراب الّذي يخدع الضمآن في الصحراء المحرقة ويجرّه إليه ليعيش الضمأ والعطش أكثر دون أن يصل إلى مقصوده، فهذه الآمال والتمنيات تُظهر الامور الواقعية بأقنعة مزيّفة ولذلك لا يُدرك الإنسان أين يذهب وإلى أين يتجّه؟ وما هي وظيفته في قِبال الامور المصيرية؟
ومن ذلك ورد في الحديث الشريف الّذي سبقت الإشارة إليه، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله«الْامَانِيُّ تُعْمِي عُيُونَ الْبَصَائِرِ»[1].
وخلاصة الكلام انّ الشخص الّذي يمكنه إدراك وجه الحقيقة الجميل كما هو عليه هو الشخص الّذي لا يغطي عقله بحجاب الآمال والتمنيات ولا يعيش وسط السُحُب المظلمة والمظلّلة لطول الأمل.
8- طول الأمل وكفران النعمة
ومن البديهي أنّ طول الأمل يقود الإنسان لأن يتعلق قلبه بما لا يحصل عليه أبداً ولهذا فإنه يرى نعمة اللَّه عليه قليلة ومواهبه حقيرة فلا يتعامل مع ما لديه من هذه المواهب العظيمة من موقع الإهتمام والعناية وهذا هو عين كفران النعمة ممّا يترتب عليه عواقب سيّئة في الدنيا والآخرة.
وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«تَجَنَّبُوا الْمُنَى فَانَّهَا تُذْهِبُ بِبَهْجَةِ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكُمْ، وَتُلْزِمُ اسْتِصْغَارَهَا لَدَيْكُمْ، وَعَلَى قِلَّةِ الشُّكْرِ مِنْكُمْ»[2].
[1]. غرر الحكم، ح 1375.
[2]. تصنيف الغرر، ص 314.
دوافع طول الأمل وأسبابه:
إن العمدة في دوافع طول الأمل هو الجهل وعدم الإطلاع على حال الدنيا وما فيها من التغيرات والإبتلاءات وعناصر التضاد في حركة الحياة، وكذلك الجهل بقدرة اللَّه ولطفه وثوابه العظيم في الآخرة، فمجموع هذه الجهالات تدفع الإنسان إلى منزلقات طول الأمل والتمنيات العريضة.
وتوضيح ذلك:إن الإنسان وبسبب جهله بنفسه وعدم الإلتفات إلى هذه الحقيقة وهي أنّه قد يحين أجله في كلّ لحظة ويرحل عن هذه الدنيا، فقد تعترض جلطة من الدم في شرايين قلبه أو دماغه فيُصاب بالسكتة القلبية أو الدماغية أو يُصاب بزلزلة أو حريق أو حادثة سيارة وأمثال ذلك ممّا يُنهي حياته الدنيوية، نعم وبسبب جهله بهذه الامور فإنه يتورط في شراك الآمال والتمنيات البعيدة ويحسب أنّ عمره طويلٌ جداً ثمّ يحيط نفسه بطائفه من التصورات الواهية والآمال البعيدة الّتي لا تسمح له أن يفكر بالواقع وبالحقائق المحيطة حوله في واقع الحياة.
وهكذا بالنسبة إلى جهله بحال الدنيا وعدم وفائها لا بالصغير ولا بالكبير، ولا بالشاب ولا بالشيخ، فنرى أحياناً أنّ مئات الصبيان يموتون قبل أن يموت شيخ واحد، واخرى قبل أن يموت المريض بالسرطان يموت عشرات الأشخاص السالمين. وأحياناً تجر السلاطين إلى أن يعيشوا الذلّة والمهانة ويستبدلوا عروشهم وقصورهم بزنزانات السجن، وقد يصبح الثري الغارق في النعمة بين عشية وضحاها فقيراً معدِماً لا يجد عشاء يومه، أجل فالجهل بهذه الامور من شأنه أن يوقع الإنسان في دوامة طول الأمل.
وهنا يقول سلمان الفارسي التلميذ الكبير لمدرسة الوحي:«ثَلَاثٌ اعْجَبَتْنِي حَتَّى اضْحَكَتْنِي: مُؤَمِّلُ الدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلِبُهُ، وَغَافِلٌ لَيْسَ بَمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَضَاحِكٌ بمل فِيهِ لَا يَدْرِي اسَاخِطٌ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ امْ رَاضٍ عَنْهُ»[1].
وفي الروايات الإسلامية اشارات واضحة على هذا المعنى حيث يقول
[1]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 246.
أميرالمؤمنين عليه السلام:«مَنْ ايْقَنَ انَّهُ يُفَارِقُ الْاحْبَابَ وَيَسْكُنُ التُّرَابَ وَيُوَاجِهُ الْحِسَابَ وَيَسْتَغْنِي عَمَّا خَلَّفَ، ويَفْتَقِرُ الَى مَا قَدَّمَ كَانَ حَرِيّاً بِقَصْرِ الْامَلِ وَطُولِ الْعَمَلِ»[1].
وجاء في حديث آخر عن هذا الإمام أيضاً:«اتَّقُوا خِدَاعَ الْآمَالِ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلِ يَوْمٍ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَبَانِي بَنَاءٍ لَمْ يَسْكُنْهُ، وَجَامِعِ مَالٍ لَمْ يَأْكُلْهُ»[2].
وأحياناً يكون الجهل بالآخرة والثواب العظيم الخالد الّذي أعدّه اللَّه للمؤمنين سبباً في أن يتصور الإنسان الخلود لهذه الحياة الدنيا ويغرق في الأوهام والتمنيات والآمال الدنيوية وأحياناً يتسبب جهله بالسعادة الكامنة في الزهد والتحرر من أسر الشهوات والنوازع الدنيوية إلى أن يُحرق نفسه بنار طول الأمل.
وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:«اسْتَجْلِبْ حَلَاوَةَ الزَّهَادَةِ بِقَصْرِ الْامَلِ»[3].
وأحياناً يغفل الإنسان عن قدرة اللَّه تعالى وينسى هذه الحقيقة الحاسمة في واقع الحياة أو يكون جاهلًا بها ولا يعلم أنّ اللَّه تعالى ومنذ انعقاد نطفته في رحم امّه فإنه بعين اللَّه ومحطُّ عنايته ورعايته في كلّ اموره في حين انه كان يعيش الضعف بمنتهاه ولا تصل إليه يد أحد من الناس لتُعينه وتوصل إليه رزقه في ظلمات الرحم، وتستمر عناية اللَّه به إلى آخر حياته، وكذلك حال أولاده إذا كانوا يسيرون في خط الإيمان والصلاح فإنّ اللَّه تعالى لا يتركهم لوحدهم، وإن كانوا من أعداء اللَّه فلا مسوّغ لأن يتعب الإنسان نفسه في سبيلهم وخدمتهم.
أجل فإنّ الجهل بهذه الامور يؤدي بالإنسان إلى أن يُسجّل اسمه في دائرة (التأمين على الحياة له ولأبناءه) وهكذا يتورط بمصيدة طول الأمل.
إن جميع حالات الجهل هذه (جهل الإنسان بنفسه، جهله بالدنيا، جهله بقدرة اللَّه
[1]. بحار الأنوار، ج 70، ص 167.
[2]. تصنيف غرر الحكم، ص 313.
[3]. تحف العقول، ص 207.
تعالى، جهله بالآخرة ونعيمها الخالد) يتسبب في أن يعيش الإنسان الحيرة والضياع في صحراء الحياة المحرقة أسير الآمال والتمنيات العريضة.
علاج طول الأمل:
لابدّ في علاج الأمراض من التوجّه إلى الجذور وقلعها من الأساس ليتسنّى للإنسان التخلص من المرض بشكل حاسم، كما لم يقطع جذور المرض فإنّ العلاج السطحي والظاهري سوف لا ينفعه على المدى الطويل، وبعبارة اخرى: انه حالة من حالات التسكين للمرض لا علاجه.
وبالنظر إلى هذا الأصل الأساس ومع الإلتفات إلى جذور الآمال والتمنيات في واقع الإنسان يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّه لابدّ من التفكّر والتأمل بجدّية في جذور هذا المرض الأخلاقي.
فمن جهة يجب على الإنسان أن يعلم بأنه كائن مُعرّض للتلف والموت وأنّ الفاصلة بينه وبين الموت قليلة جدّاً، فهذا اليوم يعيش السلامة والصحّة والنشاط ولكن قد نجده غداً وهو متورط بأنواع الأمراض الصعبة أو المصائب المحزنة، واليوم هو قوي وغني ومتمكن، وغداً يمكن أن يبدو ضعيفاً ومن أفقر الناس، والنماذج على ذلك كثيرة في صفحات تاريخ البشرية.
ومن جهة اخرى يجب أن يتفكر في إهتزاز الدنيا وتغيّرها الدائم وعدم اعتبارها.
أجل فإنّها لا تثبت لأحدٍ من الناس إطلاقاً.
ومن جهة ثالثة عليه أن يتدبّر ويتأمل بهذه الحقيقة، وهي اننا نعتقد بالمعاد واليوم الآخر والحساب الإلهي في عرصات المحشر والثواب والعقاب على الأعمال والأفعال في الدنيا وأنّ هذا العالم ما هو إلّاقنطرة وجسر يعبر عليه الإنسان إلى تلك الحياة الخالدة فعليه أن يتزوّد من هذه الحياة ولا يتصور أنّها حياة خالدة وانها هي الأصل والهدف من الخلقة.
وكذلك يتفكّر في أنّ الحرص على جمع الأموال والثروات واكتنازها لغرض تحقيق تلك
الآمال والتمنيات الواسعة في الحياة الدنيا لا يجلب له السعادة أبداً، بل سيزيده شقاءاً ومحنةً أيضاً، ويتفكّر أيضاً في أنّ أهم حالات الهدوء والطمأنينة هي هدوء الروح وسعادة الوجدان الّتي لم يحصل عليها الإنسان، إلّاإذا سار في خطّ التقوى والتوكل على اللَّه من موقع الإيمان به ومعرفة حال الدنيا لا من موقع الحرص والولع في تحصيل نعيمها الفاني وإمكاناتها المادية.
وأنّ أفضل الطرق للوصول لهذا الهدف هو ما ورد في الحديث النبوي المعروف:«خُذْ مِنْ دُنْيَاكَ لِاخِرَتِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ لِسُقْمِكَ، فَانّكَ لَاتَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً»[1].
أي ماذا يحصل لك في الغد وهل أنت من الأموات أم الأحياء، من المرضى أم الأصحّاء؟
والعامل الآخر الّذي يُربّي الآمال والتمنيات ويقوي جذورها في نفس الإنسان هو الأهواء النفسية والعشق للدنيا والتعلق بها، فكلّما سعى المرء في التقليل من تعلّقاته الدنيوية فإنّ أمله في الحياة سيكون أقصر، وعلى العكس من ذلك كلّما تعلّق الإنسان بالدنيا أكثر كلّما ازدادت آماله وكثرت تمنياته.
ولغرض تحصيل هذا الهدف أي تقصير الأمل في الدنيا فإنّ من أقوى العوامل المؤثرة في ذلك هو ذكر الموت الّذي يُزيل عن بصيرة الإنسان حجُب الغفلة فيرى حقائق الامور كما هي ويُشاهد الواقعيات الكامنة خلف المظاهر البراقة والظواهر الزائفة.
ولهذا ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة 99 في نهج البلاغة قوله:«الَا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ، وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الْامْنِيَّاتِ».
ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله ضمن خطبة له:«عُدَّ نَفْسَكَ فِي اصْحَابِ الْقُبُورِ»[2]. وذلك لكي لا تبتلي بطول الأمل.
ونقرأ في النقطة المقابلة لذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين أنّه قال:«اكْثَرُ النَّاسِ امَلًا اقَلُّهُمْ
[1]. بحارالأنوار، ج 74، ص 122.
[2]. بحارالأنوار، ج 74، ص 122.