9- التعصّب والعناد
تنويه:
لاشكّ أنّ أساس العبودية والطاعة للَّهتعالى يكمن في عنصر التسليم والتواضع والخضوع مقابل الحقّ، وعلى العكس من ذلك فإنّ كلّ اشكال (التعصب واللجاجة) تورث الإنسان البعد عن الحقّ والحرمان من السعادة.
(التعصب)بمعنى الإرتباط غير المنطقي بشيء معيّن إلى درجة أنّ الإنسان يضحي بالحقّ من أجل ذلك، أمّا(العناد)فيعني الإصرار على شيء معيّن بحيث يسحق تعليمات العقل والمنطق تحت قدمه من أجل ذلك، والثمرة لهاتين الشجرتين الخبيثتين هو(التقليد الأعمى)الّذي يُعد من أقوى الموانع والسدود أمام تكامل الإنسان وحركته في خطّ المعنويات والإيمان والكمال الأخلاقي.
عندما نراجع سيرة الأنبياء العظام وأسباب انحراف الأقوام السالفه عن سلوك طريق الحقّ والدعوة الإلهية يتضّح لنا جيداً أنّ هذه الامور الثلاثة (التعصب والعناد والتقليد الأعمى) لها دورٌ أساس في عملية الانحراف هذه، وفي القرآن الكريم اشارات كثيرة إلى هذه المسألة بالذات حيث ينبغي دراستها والتدبّر فيها:
ونبدأ من قوم نوح عليه السلام حيث يقول القرآن الكريم:
1- «وَإِنّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَارًا»[1].
2- «وَقَالُواْ لَاتَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا»[2].
ثمّ يورد القرآن الكريم قصة هود ويقول:
3- «قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَاكَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»[3].
ثمّ تصل النوبة إلى قصة إبراهيم عليه السلام حيث يقول القرآن الكريم:
4- «إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَآ عَابِدِينَ»[4].
5- «قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ* قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ»[5].
ثمّ تصل النوبة إلى قوم موسى وفرعون فيقول:
6- «قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِى الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ»[6].
ثمّ يصل إلى عصر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حيث نرى نفس الأعمال والسلوكيات تصدر من أعدائه حيث يقول عنهم القرآن الكريم:
7- «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآأَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآأَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَايَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ»[7].
[1]. سورة نوح، الآية 7.
[2]. سورة نوح، الآية 23.
[3]. سورة الأعراف، الآية 70.
[4]. سورة الأنبياء، الآية 52 و 53.
[5]. سورة الشعراء، الآية 72- 74.
[6]. سورة يونس، الآية 78.
[7]. سورة البقرة، الآية 170.
8- «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ا لْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ا لْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى ا لْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَآ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيًما»[1].
9- وكذلك يقول: «وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ»[2].
وأحياناً يذكر تعصب الأقوام السالفة بعضها ضد البعض الآخر ويقول:
10- «وَقَالَتِ ا لْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ ا لْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ا لْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ا لْقيَامَةِ فِيَما كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»[3].
وفي مكان آخر يستعرض مسألة التقليد الأعمى والتعصب واللجاجة بعنوانها برنامج عام لجميع الأقوام الذين يتحركون في خط الضلالة والباطل ويقول:
11- «وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ»[4].
12- «وَيَقُولُونَ أَئنَّا لَتَارِكُواْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُون»[5].
تفسير واستنتاج:
المنهج العام للأقوام المنحرفين
كما تقدم فإنّ هذه الرذائل الأخلاقية الثلاث، (أيْ التعصب والعناد والتقليد الأعمى) تُعد
[1]. سورة الفتح، الآية 26.
[2]. سورة الشعراء، الآية 198 و 199.
[3]. سورة البقرة، الآية 113.
[4]. سورة الزخرف، الآية 23.
[5]. سورة الصافات، الآية 36.
منهجاً عاماً في سلوك جميع الأقوام الّذين يتحركون في خطّ الإنحراف والضلال والزيغ، فهؤلاء وبسبب تعصبهم الشديد للأفكار الخرافية والتقاليد الزائفة، وعنادهم وإصرارهم على اعتناقها وعدم التخلي عنها، وبالتالي اتباعهم لآبائهم وأسلافهم إتباعاً أعمى، وبذلك انتقلت الخرافات والعقائد الزائفة جيلًا بعد جيل حيث ضاعت دعوة رجال الحقّ والأنبياء الإلهيين الّذين جاءوا لهدايتهم في زَحمة النعرات الجاهلية لهؤلاء الأقوام المنحرفين.
ونبدأ قبل كلّ شيء بقصة نوح مع قومه لنرى أنّ هؤلاء الّذين كانوا يعبدون الأوثان كانوا إلى درجة من التعصب والعناد في مقابل دعوة نبي عظيم من اولي العزم حتّى أنّهم كانوا يستوحشون من سماع صوته ودعوته إلى اللَّه كما تتحدّث«الآية الاولى»من الآيات مورد البحث على لسان نوح فتقول: «وَإِنّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَارًا»[1].
أجل فإنّ تعصّبهم وعنادهم كان من الشدّة والقوّة إلى درجة أنّهم لن يسمحوا لآذانهم أن تسمع صوت نوح الحامل للنداء الإلهي، وكذلك لم يسمحوا لعيونهم أن ترى وجهه وسيماءه، وبهذه الطريقة العجيبة كانوا يتهربون من الحقيقة، فما أخطر هذه الحالة الّتي يعيشها الإنسان الجاهل والمتعصب!!
وتأتي«الآية الثانية»لتكشف عن بُعدٍ آخر من هذه الرذائل الأخلاقية المتجذّرة في قوم نوح وتقول: «وَقَالُواْ لَاتَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا»[2].
أما لماذا لم يكونوا على استعداد لترك هذه الاصنام التي صنعوها بأيديهم، بل كانوا يرون أنّها حاكمة على مصيرهم ومصير العالم؟ لا دليل لذلك سوى التعصب والتقليد الأعمى للتقاليد الزائفة والعقائد البالية.
[1]. سورة نوح، الآية 7.
[2]. سورة نوح، الآية 23.
وفي«الآية الثالثة»يتحدّث القرآن الكريم عن قوم عاد وجدالهم مع نبيّهم هود ويقول:
«قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَاكَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»[1].
فهؤلاء كانوا إلى درجة من العناد والجهل والتعصّب بحيث أنّهم لم يطيقوا دعوة هذا النبي إلى التوحيد الخالص واعترضوا عليه في دعوته لترك ما كانوا يعبدونه من الأوثان حتّى أنّهم كانوا مستعدين لاستقبال امواج البلاء بدلًا من التنازل عن عقائدهم المنحرفة.
وعلى هذا الأساس وبسبب التعصب والاصرار والتقليد الأعمى فإنّ التوحيد الخالص الّذي هو روح عالم الوجود كان في نظرهم أمراً موحشاً وغريباً، وبالعكس فإنّ عبادة الأوثان الّتي لا عقل لها ولا شعور كان أمراً معتبراً ومعقولًا لديهم، بل حتّى أنّهم سلكوا على خلاف مقتضى قانون دفع الضرر المحتمل الّذي يحكم به العقل حيث لم يهتموا أدنى اهتمام باحتمال نزول العذاب الإلهي عليهم وكانوا يصرّون على نبيّهم أن يدعو ربه بتعجيل نزول العذاب عليهم، وهذه الحماقة من هؤلاء ليست سوى حصيلة للتعصب والعناد.
أجل فهؤلاء ولأجل الفرار من الحقّ والإستمرار على سلوكهم الجاهلي في تقليدهم الأعمى للآباء كانوا يسرعون نحو هلاكهم والعقاب الإلهي عليهم وبالتالي تحقّق ما كانوا يطلبونه من نبيّهم واحترقوا بأجمعهم في عذاب اللَّه، وهذه هي نتيجة العناد والتعصب الجاف والتقليد الخاطيء.
وتتعرض«الآية الرابعة»إلى إحدى الإفرازات المشؤومة لهذه الرذائل الأخلاقية على الإنسان، وتتحدّث عن(نمرود)وقومه وتقول عن النبي إبراهيم: «إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ»[2].
ولكنه لم يسمع جواباً منهم على كلامه إلّاأنّهم قالوا: «قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ»[3].
[1]. سورة الأعراف، الآية 70.
[2]. سورة الأنبياء، الآية 52.
[3]. المصدر السابق.
وعندما قال لهم إبراهيم بصراحة حاسمة: إنكم أنتم وآبائكم في ضلال مبين، لم يستيقظوا من غفلتهم، فلم يكن من إبراهيم إلّاأن بين لهم تفاهة هذه التماثيل والأصنام من موقع العمل والممارسة، فحطّم هذه الأصنام لكي يثوبوا إلى عقولهم، ولكنهم بدلًا من الانتباه من سكرتهم وجهالتهم وبدلًا من أن يمزّقوا حجب الجهل والتعصب واللجاجة فقد هدّدوا إبراهيم بالحرق بالنار، وألبسوا تهديدهم لباس الفعل وترجموه على أرض الواقع، وقذفوا بإبراهيم وسطأمواج النيران الملتهبة، وعندما رأوا أنّ هذه النار تحوّلت إلى نعيم وجنّة وكانت برداً وسلاماً على إبراهيم، وشاهدوا أكبر معجزة إلهية بامّ أعينهم استمروا مع ذلك في سلوكهم الأحمق بتأثير قيود الجهل والتعصب والاصرار، وادّعوا أنّ ذلك كان من قبيل السحر.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ هذه الرذائل الأخلاقية إلى أيّة درجة هي خطرة على الإنسان ومانعة من التحرّر في الفكر والوصول إلى الحقّ، وأنّ الأشخاص الّذين يقعون أسرى في براثن هذه الرذائل فإنّهم يعيشون الذلّة والحقارة إلى غايتها وبذلك يحطّمون عزّتهم الإنسانية ويهبطون من مقام الإنسانية الشامخ ويقبلون بكلّ ذلك بدلًا من التسليم والإذعان إلى الحقّ.
وتشير«الآية الخامسة»أيضاً إلى عبادة الأوثان لدى قوم(نمرود)عندما واجههم إبراهيم بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة على سخافة هذه العقيدة من خلال الحوار العقلي والمنطقي حيث تقول الآية: «قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ»[1].
ولكن هؤلاء لم يكن لديهم أيّ جواب منطقي في مقابل هذه التساؤلات الحاسمة إلّا أنّهم لاذوا بكهف التقليد الأعمى كما تقول الآية: «قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ»[2].
[1]. سورة الشعراء، الآية 72 و 73.
[2]. سورة الشعراء، الآية 74.
في حين أنّ الإنسان إذا أراد أن يسلك في خطّ التقليد فعلى الأقل يجب أن يقلد ويتبع العالم والخبير بالوقائع ليشير عليه ما ينفعه في هذا السبيل لا أن يقلد الجاهل والأحمق، ولكنّ حجاب التعصب واللجاجة كان سميكاً إلى درجة انه لن يسمح لأقل شعاع من نور شمس الهداية والمنطق والدليل العقلي في النفوذ إلى أعماقهم ووجدانهم ليضيء باطنهم بنور الحقّ.
«الآية السادسة»تتحدّث عن لجاجة الفراعنة وعنادهم في مقابل المعجزات الواضحة والآيات البيّنة لموسى، حيث فضّلوا البقاء على عقائدهم الوثنية الّتي ورثوها من أسلافهم بدافع من اللجاجة والإصرار والعناد حيث تقول الآية: «قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِى الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ»[1].
هؤلاء لم يسألوا من أنفسهم عن دين موسى هل هو حقّ أم باطل، وماذا يمتاز على دين الأسلاف؟ بل كان كلامهم يدور فقط في اننا يجب أن نحفظ دين الآباء والأجداد سواءاً كان حقّاً أم باطلًا، فالقيمة الواقعية لنا تكمن في هذا المنهج فقط، ثمّ قالوا مع كثير من سوء الظن أنّ ما جاء به موسى من الدين الإلهي هو في الواقع مقدّمة لتحصيل مقاصده السياسية وبسط سيطرته وحكومته على الناس، فلا إله في البين ولا الوحي الإلهي، وهكذا كانوا يتحركون من موقع سوء الظن هذا وبسبب ذلك التعصب والعناد في طريق الابتعاد عن الحقّ والإعتذار بتبريرات واهية في سبيل تحكيم موقعيّتهم مقابل دعوة موسى.
ولعلّهم كانوا يخافون من أنّه إذا تجلّى نور الهداية الإلهية لشعب مصر عن طريق شريعة موسى فإنّهم سيفقدون بذلك دينهم الخرافي الّذي ورثوه من الآباء وكذلك يفقدون حكومتهم المبنية على هذا الأساس، ولهذا فإنّهم تصدّوا لموسى ودعوته بكلّ ما اوتوا من قوة وتحركوا من موقع تشجيع الناس وتعميق حالة التعصب والعناد فيهم، وبما أنّ الملأ من الفراعنة كانوا يريدون كلّ شيء في سبيل تعزيز حكومتهم وسيطرتهم على الناس فتصوّروا
[1]. سورة يونس، الآية 78.
أنّ موسى وهارون كذلك يريدون الدين كوسيلة واداة للتوصل إلى الحكومة والسيطرة.
وهذا المرض الأخلاقي يستمر مع البشر على طول التاريخ إلى أن نصل إلى زمن الإسلام وعصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
وفي«الآية السابعة»نرى أيضاً أنّ العامل الأساس في انحراف المشركين العرب هو التقليد الأعمى والتعصب لتراث الآباء والأجداد والّذي يوصد أبواب المعرفة من كلّ جانب على أصحاب هذه الصفة الرذيلة فتقول الآية: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآأَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآأَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ...»[1].
ولكن القرآن الكريم يجيبهم على هذا التصور الباطل بجواب حاسم وقاطع ويقول: «...
أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَايَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ»[2].
ويتضح من سياق هذه الآية أنّ هؤلاء المشركين لم يُنكروا على النبي صلى الله عليه و آله دعوته السماوية وأنّه يتحدّث من قِبل اللَّه تعالى(مَآأَنزَلَ اللَّهُ)، ولكنهم كانوا غارقين في مستنقع التعصب والعناد والجهل إلى درجة أنّهم يفضلون دينهم الّذي ورثوه عن الآباء والأجداد على دين اللَّه وهم يعلمون بأن أسلافهم كانوا يعيشون الجهل والضلالة.
وبهذا نجد أنّ الجهل والتعصب يتسبب في أنّ الإنسان يترك بسهولة(مَآأَنزَلَ اللَّهُ)ويدير له ظهره ويتجه نحو الباطل رغم انه يميز بين الحقّ والباطل من موقع الوضوح في الرؤية.
وتستعرض«الآية الثامنة»قصة الحُديبية حيث يذكر اللَّه تعالى المسلمين بما جرى من حوادث مهمة وأنّ الكفّار رغم رؤيتهم لعلائم حقانيّة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلّاأنّهم وبسبب التعصّبات الجاهلية لم يتحرّكوا في خطّ الإيمان، وكانت هذه الرذيلة الأخلاقية قد منعتهم من سلوك طريق السعادة العظمى فتقول الآية: «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ا لْحَمِيَّةَ
[1]. سورة البقرة، الآية 170.
[2]. سورة البقرة، الآية 170.