بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 204

قبيل قوله تعالى‌: «... انَّا وَجَدْنَا آبَائَنَا عَلَى امَّةٍ وَانَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ»[1].

وهذا لا يرتبط بمسألة التعصّب المذموم الّذي هو الدافع للإنسان إلى سلوك طريق اللجاجة والتقليد الأعمى‌.

5- طرق العلاج‌

إن الطريق لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية هو كسائر علاج الرذائل الأخلاقية الاخرى‌ فإنه يتطلب في المرتبة الاولى‌ الإلتفات إلى الدوافع والجذور والسعي لإزالتها من واقع الإنسان وباطنه، ومع العلم بأنّ جذور التعصّب هو ما تقدّم من الانانية والافراط في حبّ الذات، انخفاض المستوى‌ الثقافي، ضعف الشخصية، العزلة الاجتماعية والفكرية، وأمثال ذلك.

ولابدّ لإزالة هذه الصفة الرذيلة وتطهير النفس منها من الصعود بالمستوى‌ العلمي والثقافي للأفراد والسعي للتعرف على الأقوام والشعوب الاخرى والاطلاع على أفكارهم وعقائدهم، وكذلك تعديل حبّ الذات في شخصية الإنسان وقلع الميول والاتجاهات المضرة في نفسه والّتي تورثه التعصّب واللجاجة والتقليد الأعمى‌.

وكذلك يجب الالتفات إلى الآثار السلبية لهذه الحالات الذميمة من أجل إصلاح النفس وتهذيبها وتطهير القلب من هذه الشوائب والأدران المحيطة بها.

وعندما يدرك الإنسان أنّ التعصّب واللجاجة تسدل على فكره وعقله حجاباً وستاراً مضمراً يمنعه من إدراك الحقائق وفهم الواقعيات وكذلك من شأنه أن يمزق العلائق الإجتماعية بين أفراد المجتمع ويبذر بذور النفاق والاختلاف والفرقة بينهم، ويُفضي إلى الشقاء والتعاسة ويورث الإنسان التعب والدرك وحتّى انه قد يؤدي به إلى الإنزلاق في دوّامة من المشاكل لم يكن يتوقعها أبداً. فمطالعة هذه الامور من شأنها أن تقلّل من شدّة العصبية والعناد وتساعد الإنسان في النزول عن مركب الغرور والتعصّب والتقليد الأعمى‌

[1]. سورة الزخرف، الآية 23.


صفحه 205

وأن يسلك بالتالي في خطّ السعادة والإنصاف ويسلك المنهج العقلاني في التفكير والمعتقد.

وأحد الامور الاخرى في طريق علاج هذه الرذائل الأخلاقية هو تغيير شكلها ومحتواها، بمعنى‌ أنّ الإنسان يقوم بعملية استبدال الدوافع السلبية بدوافع اخرى ايجابية.

مثلًا: الشخص الّذي يعيش التعصّب الشديد بالنسبة إلى الامور غير المنطقية أو الخرافية، فبدلًا من أن يسعى‌ إلى قتل الدافع لهذا التعصب في نفسه يقوم بتحويله إلى الجهة الإيجابية فيتعصب للُامور الحقّة.

وهذا هو ما قرأناه في الخطبة القاصعة للإمام أميرالمؤمنين عليه السلام حيث يقول:«فإنّ كان لابدّ من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الامور»[1].

وإذا كان المفروض على الإنسان أن يتعصب لشي‌ء في علاقاته وتفاعله مع الآخرين فالأفضل أن يكون تعصبه للقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية.

6- التسليم مقابل الحقّ‌

النقطة المقابلة للتعصّب واللجاجة والتقليد الأعمى‌ هو التسليم مقابل الحقّ الّذي يُعد من الفضائل المهمة الأخلاقية، أيّ أنّ الإنسان يقبل بالحقّ من أيّ شخص كان حتّى لو رآه أبعد الناس وأصغرهم فيسلّم له.

وهذه الفضيلة الأخلاقية هي السبب في التقدّم العلمي والتطور الحضاري للبشرية وتورث الإنسان الحصانة من الوقوع في الضلالة وسلوك طريق الباطل.

ولايتحلّى بهذه الصفة الأخلاقية الحميدة إلّاأهل الإيمان والصالحون من الناس والّذين يبتعدون عن الافراط في حبّ الذات والتعلقات القومية الذميمة ويجتنبون الميول الذاتية في دائرة الفضيلة والمعتقد.

إن التسليم مقابل الحقّ هو من علامات الإيمان، وسلامة الفكر والروح، وارتفاع‌

[1]. نهج البلاغة، الخطبة 192.


صفحه 206

المستوى الثقافي لدى‌ الإنسان، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الخصلة الحميدة مخاطباً النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:

«فَلَا وَرَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَايَجِدُوا فِي انْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»[1].

ويقول في مكان آخر: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ اذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ امْراً انْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ امْرِهِمْ»[2].

وطبعاً فإنّ التسليم (بعنوان فضيلة أخلاقية) يُستعمل على معنيين:

أحدهما: التسليم مقابل الحقّ والّذي يقع في النقطة المقابلة للتعصّب واللجاجة والتقليد الأعمى‌.

والآخر: هو التسليم مقابل القضاء والقدر الإلهيين فيعيش الإنسان في حالة الشكر والرضا بما قسم اللَّه ولا يعيش السخط والكفران.

وموضع البحث في هذا الفصل هو ما يتعلق بالمعنى الأوّل، امّا المعنى الثاني فسوف يأتي الكلام عنه في بحث‌(الرضا والتسليم).

[1]. سورة النساء، الآية 65.

[2]. سورة الأحزاب، الآية 36.


صفحه 207

10 و 11- الجُبن والشجاعة

تنويه:

ومن الرذائل الأخلاقية الاخرى في منظومة القيم هي صفة(الجُبن)والخوف غير المنطقي والّذي يورث الإنسان الذلّة والمهانة والسقوط ويحطّ من قدر صاحبه ويتلف طاقاته ما كان منها بالفعل أو بالقوة ويفضي به إلى أن يتسلط عدوه عليه.

والنقطة المقابلة لهذه الصفة الذميمة هي‌(الشجاعة)والشهامة والجرأة والّتي تُعد مفتاحاً للنصر والفلاح في حركة الإنسان الإجتماعية وعنصر العزّة والعظمة للمجتمع البشري سواءاً في ميدان الحرب والجهاد أو في ميدان السياسة والاجتماع وحتّى في الميادين العلمية فإنّ الشجاعة تُعتبر مفتاحاً للورود إلى هذه الميادين، ومن هذا المنطلق نجد أنّ علماء الأخلاق أطنبوا في ذكر هاتين الصفتين‌(الجبن والشجاعة)وبيّنوا أسبابها ونتائجها وآثارها على حياة الفرد والمجتمع.

وورد في كتب القدماء من علماء الأخلاق أنّ الشجاعة هي أحد الأركان للفضائل الأربعة، وبالمقابل ذكروا الجبن باعتباره أحد الرذائل الأربع أيضاً.

وورد في سيرة الأنبياء العظام واتباعهم الحقيقيين ما يجسد هذه الصفة وأنّ هؤلاء العظماء كانوا مظهراً من مظاهر الشجاعة واسطورة للمقاومة والتصدي للباطل وقوى‌


صفحه 208

الانحراف وخير قدوة لجميع الناس في هذا الطريق.

وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي دروساً في هذه الفضيلة الأخلاقية وما يترتب من الآثار السلبية على صفة الجبن أيضاً.

1- نقرأ في قصة إبراهيم عليه السلام قوله تعالى:

«وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَا هِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَآ عَابِدِينَ* قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ* قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللّاعِبِينَ* قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَا تِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى‌ ذَلِكُم مّنَ الشَّاهِدِينَ* وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ* فجعلهم جُذاذًا إلّاكبيرًا لَّهُمْ لَعلَّهُم إِلَيهِ يَرْجِعُونَ»[1].

2- وبالنسبة إلى موسى بن عمران عليه السلام نقرأ قوله تعالى:

«يَامُوسَى‌ لَاتَخَفْ إِنّى لَايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ»[2].

3- ونقرأ عن طالوت وجنوده الشجعان:

«... فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لَاطَاقَةَ لَنَا ا لْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُواْ اللَّهِ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى ا لْقَوْمِ ا لْكَافِرِينَ»[3].

4- وبالنسبة إلى أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله والفئة الشجاعة من المؤمنين معه وكذلك من يدّعي الايمان نقرأ قوله تعالى:

«وَإِذْ قَالَت طَّآئفَةٌ مّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَأذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا* ... وَلَمَّا رَأَى ا لْمُؤْمِنُونَ‌

[1]. سورة الأنبياء، الآية 51- 58.

[2]. سورة النمل، الآية 10.

[3]. سورة البقرة، الآية 249 و 250.


صفحه 209

ا لْأَحْزَابَ قَالُواْ هذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَآ زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيًما»[1].

5- ونقرأ في مكان آخر قوله تعالى:

«قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ أَو بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبّصُونَ»[2].

6- وحول جماعة من انصار النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يقول تعالى:

«الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ ا لْوَكِيلُ* ... إِنَّمَا ذَا لِكُمُ الشَّيْطنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَآءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»[3].

7- «الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى‌ بِاللَّهِ حَسِيبًا»[4].

تفسير واستنتاج:

الأنبياء والشجاعة

تتحدّث‌«الطائفة الاولى‌»من الآيات محل البحث عن شجاعة النبي إبراهيم عليه السلام بطل التوحيد مقابل عبدة الأصنام من قومه الّذين كانوا يعيشون التعصّب واللجاجة والخشونة، وتشير الآيات إلى هذا النبي العظيم وكيف انه تصدّى لأقوى سلطة في تلك الفترة لوحده ومن دون أن يكون له ناصر من قومه، في مقابل كثرة الأعداء الغاضبين والذين كانوا يمثلون خطراً عليه حيث كانوا يتمتعون بدعم الحكومة والسلطة في ذلك الزمان.

[1]. سورة الأحزاب، الآيات 13 و 22.

[2]. سورة التوبة، الآية 52.

[3]. سورة آل عمران، الآية 173 و 175.

[4]. سورة الأحزاب، الآية 39.


صفحه 210

وقد عبّرت الآيات الكريمة عن ذلك بقولها: «وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَا هِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ»[1].

وفي الواقع فإنّ اللَّه تعالى قد وهب لإبراهيم مؤهّلات كثيرة تمنحه القدرة على تحمّل تلك المسؤولية العظيمة والاستفادة من هذه المواهب والقابليات في خطّ تقوية دعائم الإيمان والتوحيد والتصدّي للعامل الأساس في شقاء البشرية، أي عبادة الأصنام والأوثان، وكما سيأتي في سياق هذه الآيات الشريفة أنّ إبراهيم ابتدأ أوّلًا بدعوة عمّه آزر للإيمان بصراحة اللهجة وتمام القوّة وقال له: «مَا هذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ».

وعندما أجابه آزر بالقول: «قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَآ عَابِدِينَ».

فأجابه إبراهيم عليه السلام: «قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ».

إنّ آزر لم يكن يصدّق لحدّ الآن أنّ إبراهيم سوف يتصدى‌ بهذه الصراحة والجدّية لمقاومة هذه الأصنام الّتي يعبدها الجميع ولذلك سأله: «قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللّاعِبِينَ».

ولكن إبراهيم عليه السلام أجابه أنّه جادٌّ في كلامه هذا وقال: «قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَا تِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى‌ ذَلِكُم مّنَ الشَّاهِدِينَ».

ثمّ أضاف: «وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ»[2].

وهكذا ترجم إبراهيم عليه السلام قوله في ميدان العمل بعد أن استغلّ الفرصة المناسبة لذلك، فكسّر الأصنام جميعها إلّاالصنم الأكبر لعلّهم يثوبون إلى رُشدهم أو يرجعون الى الصنم الاكبر المسبب لهذه الحادثة ليسألوه كما تقول الآية: «فجعلهم جُذاذًا إلّاكبيرًا لَّهُمْ لَعلَّهُم إِلَيهِ يَرْجِعُونَ»[3].

وهناك اختلاف بين المفسّرين في مرجع الضمير في قوله‌(إليه)في ذيل الآية، وقد أورد

[1]. سورة الأنبياء، الآية 51.

[2]. سورة الأنبياء، الآية 57.

[3]. سورة الأنبياء، الآية 58.


صفحه 211

المفسّرون احتمالات عديدة، فذهب البعض إلى أنّه يعود إلى‌(كبيرهم)أيّ يرجعون إلى الصنم الكبير ويسألونه عن سبب تحطّم وانهدام هذه الأصنام والسبب في نجاته هو من بينهم، وطبيعي أنّ هذا الصنم سيعجز عن الجواب، ومن هنا يتضّح لهم خواء معتقدهم.

والاحتمال الآخر هو أنّ الضمير يعود إلى‌(إبراهيم)يعني أنّ الوثنيين يرجعون إلى إبراهيم ويسألونه عن الدافع الّذي حمله على هذا التصرّف، فيوضّح لهم الحقائق (وطبعاً في هذه الآية تكون جملة(إلّا كبيراً لهم)عديمة التأثير في مفهوم الآية بخلاف الاحتمال السابق).

الاحتمال الثالث: أن يعود الضمير إلى اللَّه تعالى، أي أنّ مشاهدة ضعف هذه الأصنام وذلتها في مقابل إنسان واحد سيؤدي إلى أن يثوب الوثنيون إلى رشدهم ويتركوا عبادة الأصنام ويتجهوا إلى اللَّه تعالى ويسلكوا خطّ العبادة والتوحيد.

(وهذا التفسير أيضاً يرد عليه الإشكال السابق).

ولكن الأنسب من الجميع لسياق الآيات هو التفسير الأوّل.

وعلى أيّة حال فإنّ هذه الآيات تشير إلى أنّ أحد الفضائل الأخلاقية للأنبياء اولي العزم هو شجاعتهم المنقطعة النظير، وأنّهم لم يكونوا يشعرون بالخوف إلّافي دائرة الإيمان باللَّه تعالى وفي مقابل الذات المقدسة، وفي هذا الطريق لم يكونوا يعيشون التردّد والخوف والضعف بأي شكل من الأشكال، وبالتالي فهم منزّهون ومطهَّرون عن حالة الجُبن والخوف الّذي يُعد رذيلة أخلاقية كبيرة، ولهذا نجد إبراهيم عليه السلام وهو يتصدّى‌ لجماعات الوثنيين وقوى‌ الانحراف والأعداء الشرسين لوحده وينتصر عليهم أخيراً، ولاشكّ أنّ الأنبياء العظام لو كانوا يعيشون حالة الخوف والجُبن في حركة الحياة فإنّهم لم يكونوا قادرين على أداء مهمّتهم الرسالية والإنتصار على الأعداء.

وتتحرك‌«الآية الثانية»من موقع توجيه الخطاب للنبي موسى بن عمران، وذلك لمّا نزل عليه الوحي لأول مرّة وقد صدر له الأمر بأن يُلقي عصاه الّتي تحوّلت بإعجاز إلهي إلى‌