بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 209

ا لْأَحْزَابَ قَالُواْ هذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَآ زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيًما»[1].

5- ونقرأ في مكان آخر قوله تعالى:

«قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ أَو بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبّصُونَ»[2].

6- وحول جماعة من انصار النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يقول تعالى:

«الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ ا لْوَكِيلُ* ... إِنَّمَا ذَا لِكُمُ الشَّيْطنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَآءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»[3].

7- «الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى‌ بِاللَّهِ حَسِيبًا»[4].

تفسير واستنتاج:

الأنبياء والشجاعة

تتحدّث‌«الطائفة الاولى‌»من الآيات محل البحث عن شجاعة النبي إبراهيم عليه السلام بطل التوحيد مقابل عبدة الأصنام من قومه الّذين كانوا يعيشون التعصّب واللجاجة والخشونة، وتشير الآيات إلى هذا النبي العظيم وكيف انه تصدّى لأقوى سلطة في تلك الفترة لوحده ومن دون أن يكون له ناصر من قومه، في مقابل كثرة الأعداء الغاضبين والذين كانوا يمثلون خطراً عليه حيث كانوا يتمتعون بدعم الحكومة والسلطة في ذلك الزمان.

[1]. سورة الأحزاب، الآيات 13 و 22.

[2]. سورة التوبة، الآية 52.

[3]. سورة آل عمران، الآية 173 و 175.

[4]. سورة الأحزاب، الآية 39.


صفحه 210

وقد عبّرت الآيات الكريمة عن ذلك بقولها: «وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَا هِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ»[1].

وفي الواقع فإنّ اللَّه تعالى قد وهب لإبراهيم مؤهّلات كثيرة تمنحه القدرة على تحمّل تلك المسؤولية العظيمة والاستفادة من هذه المواهب والقابليات في خطّ تقوية دعائم الإيمان والتوحيد والتصدّي للعامل الأساس في شقاء البشرية، أي عبادة الأصنام والأوثان، وكما سيأتي في سياق هذه الآيات الشريفة أنّ إبراهيم ابتدأ أوّلًا بدعوة عمّه آزر للإيمان بصراحة اللهجة وتمام القوّة وقال له: «مَا هذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ».

وعندما أجابه آزر بالقول: «قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَآ عَابِدِينَ».

فأجابه إبراهيم عليه السلام: «قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ».

إنّ آزر لم يكن يصدّق لحدّ الآن أنّ إبراهيم سوف يتصدى‌ بهذه الصراحة والجدّية لمقاومة هذه الأصنام الّتي يعبدها الجميع ولذلك سأله: «قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللّاعِبِينَ».

ولكن إبراهيم عليه السلام أجابه أنّه جادٌّ في كلامه هذا وقال: «قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَا تِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى‌ ذَلِكُم مّنَ الشَّاهِدِينَ».

ثمّ أضاف: «وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ»[2].

وهكذا ترجم إبراهيم عليه السلام قوله في ميدان العمل بعد أن استغلّ الفرصة المناسبة لذلك، فكسّر الأصنام جميعها إلّاالصنم الأكبر لعلّهم يثوبون إلى رُشدهم أو يرجعون الى الصنم الاكبر المسبب لهذه الحادثة ليسألوه كما تقول الآية: «فجعلهم جُذاذًا إلّاكبيرًا لَّهُمْ لَعلَّهُم إِلَيهِ يَرْجِعُونَ»[3].

وهناك اختلاف بين المفسّرين في مرجع الضمير في قوله‌(إليه)في ذيل الآية، وقد أورد

[1]. سورة الأنبياء، الآية 51.

[2]. سورة الأنبياء، الآية 57.

[3]. سورة الأنبياء، الآية 58.


صفحه 211

المفسّرون احتمالات عديدة، فذهب البعض إلى أنّه يعود إلى‌(كبيرهم)أيّ يرجعون إلى الصنم الكبير ويسألونه عن سبب تحطّم وانهدام هذه الأصنام والسبب في نجاته هو من بينهم، وطبيعي أنّ هذا الصنم سيعجز عن الجواب، ومن هنا يتضّح لهم خواء معتقدهم.

والاحتمال الآخر هو أنّ الضمير يعود إلى‌(إبراهيم)يعني أنّ الوثنيين يرجعون إلى إبراهيم ويسألونه عن الدافع الّذي حمله على هذا التصرّف، فيوضّح لهم الحقائق (وطبعاً في هذه الآية تكون جملة(إلّا كبيراً لهم)عديمة التأثير في مفهوم الآية بخلاف الاحتمال السابق).

الاحتمال الثالث: أن يعود الضمير إلى اللَّه تعالى، أي أنّ مشاهدة ضعف هذه الأصنام وذلتها في مقابل إنسان واحد سيؤدي إلى أن يثوب الوثنيون إلى رشدهم ويتركوا عبادة الأصنام ويتجهوا إلى اللَّه تعالى ويسلكوا خطّ العبادة والتوحيد.

(وهذا التفسير أيضاً يرد عليه الإشكال السابق).

ولكن الأنسب من الجميع لسياق الآيات هو التفسير الأوّل.

وعلى أيّة حال فإنّ هذه الآيات تشير إلى أنّ أحد الفضائل الأخلاقية للأنبياء اولي العزم هو شجاعتهم المنقطعة النظير، وأنّهم لم يكونوا يشعرون بالخوف إلّافي دائرة الإيمان باللَّه تعالى وفي مقابل الذات المقدسة، وفي هذا الطريق لم يكونوا يعيشون التردّد والخوف والضعف بأي شكل من الأشكال، وبالتالي فهم منزّهون ومطهَّرون عن حالة الجُبن والخوف الّذي يُعد رذيلة أخلاقية كبيرة، ولهذا نجد إبراهيم عليه السلام وهو يتصدّى‌ لجماعات الوثنيين وقوى‌ الانحراف والأعداء الشرسين لوحده وينتصر عليهم أخيراً، ولاشكّ أنّ الأنبياء العظام لو كانوا يعيشون حالة الخوف والجُبن في حركة الحياة فإنّهم لم يكونوا قادرين على أداء مهمّتهم الرسالية والإنتصار على الأعداء.

وتتحرك‌«الآية الثانية»من موقع توجيه الخطاب للنبي موسى بن عمران، وذلك لمّا نزل عليه الوحي لأول مرّة وقد صدر له الأمر بأن يُلقي عصاه الّتي تحوّلت بإعجاز إلهي إلى‌


صفحه 212

ثعبان عظيم، فخاف موسى‌ من هذه الظاهرة العجيبة وقرّر الفرار، إلّاأنّ الخطاب الإلهي جاءه ليعلّمه أوّل درس أخلاقي تجاه الحوادث وقال: «يَامُوسَى‌ لَاتَخَفْ إِنّى لَايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ»[1].

ونظراً إلى أنّ جميع أنحاء العالم هي في محضر اللَّه تعالى وإن كلّ زاوية من زوايا الكون هي محلّ حضور ذاته المقدسة وعلمه وقدرته، ولذلك على المؤمنين أن لا يخافوا بأيّة حال وفي كلّ الظروف بل عليهم أن يعيشوا حالة التوكل على اللَّه تعالى ويواجهوا تحديات الواقع بشجاعة وشهامة، ويسيروا بهذه الروح المعنوية في خطّ الرسالة وتحقيق الأهداف المقدسة.

وطبقاً لما ورد في سورة القصص في الآية (31) أنّه قيل لموسى‌: «يَا مُوسَى اقْبِلْ وَلَا تَخَفْ انَّكَ مِنَ الْآمِنِين».

فشعر موسى بهذا الخطاب الإلهي بالطمأنينة والسكينة تدغدغ أعماق قلبه واستعاد قوته ورباطة جأشه، وهنا جاءه النداء الإلهي يحمل دستوراً أكبر وأهم، وهو أنّ لا يكتفي بعدم الخوف من هذا الثعبان العظيم بل يجب أن يتجه إليه ويأخذه بيده حتّى يعود إلى حالته الاولى! «قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْاولَى»[2].

ومن المعلوم أنّ هذا العمل كان يمثل لموسى‌ الصعوبة البالغة، ولكنه نجح أخيراً في الإمتثال والإذعان لهذا الأمر الإلهي.

أجل فإنّ على موسى أن يستوعب التجربة الكبيرة في محضر الذات المقدّسة ليقف أمام ثعبان أكبر وأخطر من هذا، أي فرعون والملأ من قومه وحكومته الجبارة الّتي يجب أن يأخذها موسى منهم كما يأخذ عصاه.

الكثير من المفسّرين ذهبوا في تفسير كلمة(جان)في الآية أعلاه تعني صغار الحيّات الّتي تهجم على الشخص بسرعة، في حين أنّه في مكان آخر تتحدّث الآيات عن عصى‌

[1]. سورة النمل، الآية 10.

[2]. سورة طه، الآية 21.


صفحه 213

موسى الّتي ألقاها أمام الفراعنة بكلمة(ثعبان)بمعنى‌ الحيّة العظيمة، ولهذا السبب فقد احتمل البعض أنّ العصى‌ في بداية أمرها تبدّلت إلى‌ حيّة صغيرة وتدريجياً تحوّلت إلى ثعبان عظيم.

وذهب آخرون إلى أنّ‌(العصا)تبدلت إلى حيّة عظيمة، ولكنها من جهة سرعة الحركة فهي كالحية الصغيرة السريعة.

والملفت للنظر أنّ جملة(لا تخف)وردت في القرآن الكريم تسع مرّات، وفي خمسة موارد كان المخاطب فيها موسى بن عمران، ولعلّ ذلك بسبب أنّ موسى كان يعيش بين أعداء كثرة وشديدى الخطورة كفرعون وهامان والملأ، ويجب أن يعد العدّة بمثل هذا الخطاب الإلهي لمواجهة هؤلاء الأعداء.

وتستعرض‌«الطائفة الثالثة»من الآيات الكريمة قصة(طالوت)وقومه من بني إسرائيل والّذي انتخبه نبيّهم في ذلك الوقت‌(إشموئيل)بعنوان قائد جيش بني إسرائيل لمواجهة(جالوت)وجيشه الظالم.

وعندما أراد طالوت مواجهة جالوت وقتاله قام بعملية اختبارية لجيشه ليطهره من الشوائب وضعفاء النفوس والجبناء، الّذين قد يُفضي وجودهم في جيشه إلى سريان الجبن والضعف في سائر مفاصل جيش بني إسرائيل.

أجل فعندما كان جيش طالوت يشعر بالعطش الشديد وصلوا إلى نهر، فأراد طالوت أن يختبر جنوده العطاشى‌ هناك وقال: كلّ من يشرب من هذا الماء فليس منّا، وامّا من قاوم العطش ولم يشرب إلّارشفات فهو منّا، ولكن أغلب أفراد الجيش الّذين كانوا من الجبناء وضعفاء النفوس لم ينجحوا في هذا الامتحان والاختبار وشربوا من الماء إلّاعدة قليلة بقوا أوفياء لطالوت، فهؤلاء كانوا يعيشون روح الشجاعة والقوّة والبسالة حيث قالوا في دعائهم: «... رَبَّنَا افْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ اقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِريِنَ»[1].

[1]. سورة البقرة، الآية 250.


صفحه 214

وهكذا أنزل اللَّه تعالى نصره وعنايته ورحمته على هذه الفئة القليلة من المؤمنين ونصرهم على جيش جالوت العظيم ببركة شجاعتهم وثباتهم في مواجهة التحدّيات والاختبارات الصعبة.

ونقرأ في‌«الآيات التالية»أنّ القرآن الكريم يتحدّث عن جبن طائفة من المنافقين وضعفاء الإيمان في عصر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وفي حرب الأحزاب، ويتحدّث كذلك عن شجاعة بعض المؤمنين الحقيقيين وثبات قدمهم في مواجهة الأعداء الشرسين حيث تقول الآية: «وَإِذْ قَالَت طَّآئفَةٌ مّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَأذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا»[1].

وطبعاً فإنّ ميدان القتال في معركة الأحزاب كان يغص بجيوش الأعداء وكثرة عددهم وعُدتهم بحيث يستوحش من هذا المنظر الرهيب كلّ الأشخاص الّذين يعيشون الاهتزاز في شخصيتهم والخوف والرعب في واقعهم.

ولكن كما تقول الآية (22) من هذه السورة أنّ المؤمنين الحقيقيين الذين كانوا يعيشون الطمأنينة والثقة بوعد اللَّه إزدادوا إيماناً: «وَلَمَّا رَأَى ا لْمُؤْمِنُونَ ا لْأَحْزَابَ قَالُواْ هذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَآ زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيًما»[2].

واللطيف انه يُستفاد من بعض الروايات أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أجاز للمنافقين وضعفاء الإيمان والجبناء بأن يعودوا إلى المدينة، لأن بقائهم في تلك الظروف العصيبة مع جيش الإسلام لا ينفع شيئاً سوى بث الرعب والضعف والتخاذل في قلوب الآخرين.

ولهذا السبب نقرأ في الآية (47) من سورة التوبة في حديثها عن جماعة من هذه الطائفة: «لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا».

ومعلوم أنّ كلمة(خَبَل)و(خبال)تعني الإضطراب والترديد الناشي‌ء من ضعف العقل‌

[1]. سورة الأحزاب، الآية 13.

[2]. سورة الأحزاب، الآية 22.


صفحه 215

وعدم القدرة على اتخاذ الموقف والعزم على شي‌ء، وكلّ ذلك ناشي‌ء من الخوف والجُبن الّذي يقود الإنسان إلى ارتباك الفكر وعدم التوازن في اتخاذ الموقف.

وفي‌«الآية الخامسة»نواجه منظراً جديداً من شجاعة أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، الشجاعة الّتي تنطلق من موقع الإيمان باللَّه تعالى، حيث أنّ هؤلاء المؤمنين يرون أنفسهم في ميدان الحرب على مفترق طريقين وكليهما يؤدّيان بهما إلى الجنّة ورضا اللَّه تعالى:

طريق يؤدي إلى الشهادة وبالتالي السعادة العظمى‌ في الحياة الآخرة، والآخر يقودهم إلى النصر على العدو، وهو أيضاً مبعث الفخر والاعتزاز لهم في الدنيا والآخرة، في حين أنّ العدو محكوم بالهزيمة والخسران بأيّة حال، فإما الموت الذليل والمهين في هذه الدنيا، أو عذاب اللَّه في الآخرة.

وبديهي أنّ الشخص الّذي يعيش هذه الرؤية فإنه سوف لا يدع أيّ خوف وضعف يتسرّب إلى قلبه، وبذلك يتخلّص الإنسان من هذه الرذيلة الأخلاقية الكبيرة، وفي ذلك تقول الآية: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ أَو بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبّصُونَ»[1].

وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ العامل الأساس لانتصار المسلمين في حروبهم الحاسمة في ذلك العصر هو الشجاعة المنطلقة من الإيمان باللَّه والمنطق الرصين: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ».

وتأتي‌«الآية السادسة»لتستعرض وجهاً آخر من شجاعة هؤلاء المؤمنين في معركة احد، ونعلم أنّ المسلمين في معركة احد قد أصابتهم الهزيمة النكراء بسبب غفلة طائفة من المسلمين الطامعين بحطام الدنيا الّذين تركوا مواقعهم الحسّاسة واشتغلوا بجمع الغنائم، وهكذا اصيب المسلمون في هذه المعركة بخسائر كبيرة، وطبقاً لما ورد في التواريخ أنّ‌

[1]. سورة التوبة، الآية 52.


صفحه 216

الأعداء المنتصرين في أثناء عودتهم من ميدان القتال إلى مكّة ندموا على رجوعهم هذا واتفقوا مرّة اخرى أن يعودوا إلى المدينة ليستفيدوا من هذه الفرصة الثمينة ويُجهزوا على الإسلام والمسلمين ويتخلّصوا منهم إلى الأبد.

فعندما سمع نبي الإسلام بذلك اتخذ موقفاً مهماً جداً، حيث أمر جيش الإسلام بالخروج لمواجهة جيوش الأعداء ولم يستثن أحداً من المسلمين حتّى من به جراحة بسبب المعركة الدامية الّتي جرت قبل قليل.

هذا الأمر النبوي اثّر أثره بشكل كبير وأحلّ الرعب والخوف والاضطراب في صفوف الأعداء بحيث إنهم رجّحوا الاكتفاء بالانتصار النسبي والعودة إلى مكّة على الهجوم الثاني على المسلمين، وهكذا تخلّص المسلمون من شرّهم.

والآية محل البحث تشير إلى هذا المعنى وتثني على شجاعة المسلمين وتقول: «الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ا لْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ»[1].

ثمّ تتحدث عن إيمانهم وشجاعتهم واصفة حالتهم المتماسكة في مقابل الارهاب الاعلامي للأعداء الّذي يتحرك من موقع التهويل والتخويف وتقول: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ ا لْوَكِيلُ»[2].

وهذه هي الحادثة الاولى من نوعها في تاريخ الحروب البشرية حيث لم يشاهد في تاريخ البشرية أنّ المجروحين يعودون فوراً إلى ميادين القتال ليساهموا في دفع خطر الأعداء، أجل إن هذه الشجاعة والشهامة الفريدة هي التي اجهضت مؤامرة العدو، وهذا الحضور القوي والسريع إلى الميدان هو الّذي زرع اليأس في قلبه.

وعلى أية حال فإنّ واقعة«حمراء الأسد»كانت ظاهرة عجيبة بدّلت حلاوة النصر لدى‌

[1]. سورة آل عمران، الآية 172.

[2]. سورة آل عمران، الآية 173.