بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 228

5- معطيات الشجاعة في حياة الإنسان‌

والنقطة المقابلة لصفة الجبن الرذيلة، هي الشجاعة والشهامة والجرأة على الخوف في الأعمال المهمة كما تقدّمت الإشارة إليه ضمن حديثنا عن الجبن والخوف، فكلّ واحد من هاتين الصفتين المتقابلتين تتضح بدراسة ما يقابلها من الحالات الأخلاقية، فمعرفة مفهوم الجبن لا تتسنّى بدون معرفة مفهوم الشجاعة، وكذلك العكس فإنّ من العسير أن ندرك مفهوم الشجاعة بدون أن نُحيط علماً بمفهوم الجبن والخوف.

وبهذا نرى من اللازم ولغرض تكميل الأبحاث السابقة أن نتحدث أكثر عن صفة الشجاعة وآثارها الايجابية ومعطياتها في حركة الحياة وخاصة من وجهة نظر الأخبار والأحاديث الإسلامية:

1- ما ورد في عهد الامام على عليه السلام لمالك الأشتر (والّذي يُعدّ أشمل دستور إلهي وسياسي) في عملية إدارة الحكومة في موارد متعددة أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام أشار إلى هذه المسألة، فيحذّر في أحد الموارد مالك الأشتر من المشورة مع الأشخاص الجبناء والّذين يعيشون حالة الخوف والحرص والبخل. ويقول في مكان آخر بالنسبة إلى قادة الجيش (أو المعاونين والموظفين والمسؤولين):«ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوآتِ وَالْاحْسَابِ وَاهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمّ اهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخاء وَالسَمَاحَةِ، فَانَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ»[1].

وهنا نجد أنّ الإمام يرى أنّ صفة الشجاعة والشهامة تُعد من الاصول الأساسية والقيم الأخلاقية المهمة للإنسان المدير والمدبّر وخاصة على مستوى قادة الجيش أو المسؤولين الكبار في الحكومة.

2- ويقول هذا الإمام في حديث آخر:«الشَّجَاعَةُ زَيْنٌ، الْجُبْنُ شَيْنٌ»[2].

3- وورد عن هذا الإمام الهُمام قوله في حديث آخر:«السَّخَاءُ وَالشَّجَاعَةُ غَرَائِزٌ شَرِيفَةٌ

[1]. نهج البلاغة، الرسالة 53.

[2]. شرح غرر الحكم، ج 7 ص 171. (بالفارسية)


صفحه 229

يَضَعُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي مَنْ احَبَّهُ وَامْتَحِنْهُ»[1].

4- وورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في ذكره لفضائل أهل بيته أنّه ذكر سبع صفات وأحدها الشجاعة.

وفي حديث آخر ذكر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فضائله وفضائل أهل بيته في كلمتين، وأحد هاتين الفضيلتين هي الشجاعة.

5- ونقرأ في حديث ليلة المبيت (وهي الليلة الّتي بات فيها الإمام علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه و آله في ليلة الهجرة إلى المدينة) أنّه عندما حاصر المشركون بيت النبي صلى الله عليه و آله ليلًا، ثم هجموا في الصباح الباكر إلى داخل الدار رأوا علياً نائم في فراش النبي، فقال أبو جهل: أما ترون محمداً كيف أبات هذا و نجا بنفسه لتشتغلوا به وينجو محمد، لا تشتغلوا بعلي المخدوع لينجو بهلاكه محمد ....

فقال علي عليه السلام:«أَلِي تَقُولُ هذا يا أَبا جَهل؟ بَلِ اللَّهُ قَدْ أَعطانِي مِنَ العَقلِ ما لُو قُسِّمَ عَلى‌ جَميعِ حُمَقاء الدُّنيا وَمَجانِينِها لَصارُوا بِهِ عُقلاء، وَمِنَ القُوَّةِ ما لَو قُسِّمَ عَلى‌ جَمِيعِ ضُعَفاءِ الدُّنيا لَصارُوا بهِ أَقوياء، وَمِنَ الشَّجَاعَةِ مَا لَوْ قُسِّمَ عَلَى جَمِيعِ جُبَنَاءِ الدُّنْيَا لَصَارُوا بِهِ شَجْعَاناً»[2].

6- ونقرأ في الخطبة المعروفة للإمام زين‌العابدين في الشام أنّ هذا الإمام ابتدأ خطبته التاريخية بقوله:«ايُّهَا النَّاسُ: اعْطِينَا سِتأً وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ اعْطِينَا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالسَّمَاحَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ»[3].

7- ونختم هذا البحث بحديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام (رغم وجود أحاديث كثيرة في هذا الباب) قال:«الْغِيرَةُ الشَّدِيدَةُ عَلَى حَرَمِكَ، وَالسَّخَاءُ، وَحُسْنُ الْخُلْقِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ وَالشَّجَاعَةُ».

[1]. غرر الحكم، ح 1820.

[2]. بحار الأنوار، ج 19، ص 83.

[3]. بحار الأنوار، ج 45، ص 138.


صفحه 230

ويتبين من الأحاديث المذكورة آنفاً وكذلك الآيات والروايات الكثيرة في هذا الباب أهمية هذه الفضيلة الأخلاقية وقيمتها من بين القيم الإنسانية الرفيعة الّتي يراها الإسلام في مجمل تعاليمه الأخلاقية والإنسانية.

وممّا يجدر ذكره هو أنّ‌(الشجاعة)لها معنىً واسع وتمتد لمساحات شاسعة من السلوكيات الإنسانية، والشجاعة في ميدان الحرب والقتال هو أحد فروعها ومصاديقها، ومنها الشجاعة في ميدان السياسة، وفي المسائل العلمية وإبداع النظريات الجديدة المنطقية والاختراعات العلمية، والشجاعة في مقام القضاء والحكم وأمثال ذلك، فكلّ واحدٍ منها يعد من فروع هذه الشجرة الأخلاقية والصفة الكريمة للإنسان، ولذلك نقرأ في بعض الروايات‌«الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ»[1].

وورد في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام قوله:«اشْجَعَ النَّاسِ اسْخَاهُمْ»[2].

ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام قوله:«لَوْ تَمَيَّزَتِ الْاشْيَاءُ لَكَانَ الصِّدْقُ مَعَ الشَّجَاعَةِ وَكَانَ الْجُبْنُ مَعَ الْكِذْبِ»[3].

فهذه الأحاديث الشريفة تقرر في كلّ واحد منهما فرعاً من فروع الشجاعة الّتي تندرج تحت المفهوم العام لهذه الكلمة.

[1]. نهج البلاغة، الحكمة 4.

[2]. غرر الحكم، ح 2899.

[3]. شرح غرر الحكم، ج 5، ص 118، ح 7597.


صفحه 231

12- ضعف النفس والتوكل على اللَّه‌

تنويه:

وردت الإشارة في كثير من الآيات القرآنية الكريمة والروايات الإسلامية وكذلك سيرة الأنبياء والأولياء والصالحين وفي كتب علماء الأخلاق وأرباب السير والسلوك إلى مسألة «التوكل» بعنوان أنّها من الفضائل الأخلاقية المهمة الّتي لا يتسنّى‌ للإنسان الوصول إلى مقام القرب الإلهي بدونها.

والمراد من التوكل هو: تفويض الامور إلى اللَّه والاعتماد على لطفه، لأن‌(التوكل)من مادّة(وكالة)بمعنى اختيار الوكيل والاعتماد عليه في تسيير الامور، وبديهي انه كلّما كان الوكيل يتمتع بقدرة أكبر واحاطة علمية أكثر فإنّ الشخص الموكل يشعر في قرارة نفسه بالهدوء والسكينة أكثر، وبما أنّ اللَّه تعالى وقدرته لا محدودة، فعندما يتوكل الإنسان عليه يشعر بالطمأنينة والسكينة تدغدغ قلبه وتنفذ إلى أعماق روحه، فتمنحه القدرة على التصدي للمشكلات والحوادث الصعبة، وأن لا يعيش الخوف من الأعداء والأخطار المختلفة، ولا يرى نفسه في مأزق في حركة الحياة، فيسير بالتالي بقلب مطمئن وبطريق مفتوح متجهاً صوب أهدافه ومقاصده.

الإنسان الّذي يعيش التوكل على اللَّه لا يشعر إطلاقاً بالحقارة والضعف بل يرى نفسه‌


صفحه 232

وبالإعتماد على لطف اللَّه وعلمه وقدرته المطلقة منتصراً وناجحاً في حياته الفردية والاجتماعية، وحتّى أنّه لو اصيب بالفشل أحياناً فإنّ ذلك لا يفرض عليه اليأس والقنوط.

وعندما يتجلّى مفهوم التوكل بمعناه الصحيح في واقع الإنسان وعلى سلوكياته فإنّ ذلك من شأنه أن يثير الأمل في القلب ويبعث على تقوية الإرادة وتحكيم دعائم المقاومة والشجاعة.

إنّ مسألة التوكل لها دورٌ مهم في حياة الأنبياء الإلهيين، فعندما نستعرض الآيات القرآنية في هذا الباب نجدها تشير إلى أنّ هؤلاء الأنبياء واجهوا سلسلة الحوادث والمشكلات المدمّرة والعظيمة بسلاح التوكل على اللَّه، وكانت أحد الأسباب المهمة لانتصارهم وتغلّبهم على هذه المشكلات هو كونهم يتمتعون بهذه الفضيلة الأخلاقية.

وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته دروساً من سيرة الأنبياء الإلهيين في مسألة التوكل ودورها المهم في حياتهم العملية وذلك بالترتيب:

(نبدأ من نوح عليه السلام وننتهي إلى نبي الإسلام صلى الله عليه و آله).

1- «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَايَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ»[1].

2- «إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبّى وَرَبّكُم»[2].

3- «رَّبَّنَآ إِنّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الُمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مّنَ الَّثمَرَا تِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»[3].

4- «إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَااسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»[4].

[1]. سورة يونس، الآية 71.

[2]. سورة هود، الآية 56.

[3]. سورة إبراهيم، الآية 37.

[4]. سورة هود، الآية 88.


صفحه 233

5- «وَقَالَ يَابَنِىَّ لَاتَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَا حِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَا بٍ مُّتَفَرّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مّنَ اللَّهِ مِن شَىْ‌ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ»[1].

6- «وَقَالَ مُوسَى‌ يَاقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِنْ كُنتُم مُّسْلِمِينَ* فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَاتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»[2].

7- «وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى ا لْقَوْمِ ا لْكَافِرِينَ»[3].

8- «فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»[4].

9- «وَمَالَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى‌ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ»[5].

10- «... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...»[6].

تفسير واستنتاج:

معطيات التوكل في حياة الأنبياء

عندما نطالع القرآن الكريم في اطار حديثه عن سيرة الأنبياء نلاحظ أنّ القرآن يستعرض من صفات الأنبياء الإلهيين صفة(التوكل)بعنوان ابرز ظاهرة وصفة تتجلّى في سيرة الأنبياء على طول التاريخ، حيث نجدهم يعيشون روح الاعتماد على اللَّه والتوكل عليه في مقابل المصاعب والمشاكل الجمّة الّتي يواجهونها في خطّ الرسالة والدعوة إلى اللَّه،

[1]. سورة يوسف، الآية 67.

[2]. سورة يونس، الآية 84 و 85.

[3]. سورة البقرة، الآية 250.

[4]. سورة التوبة، الآية 129.

[5]. سورة إبراهيم، الآية 12.

[6]. سورة الطلاق، الآية 3.


صفحه 234

وأنّهم كانوا لا يرتبطون بأيّ شي‌ء برابطة الاعتماد والتعلق سوى‌ بالقدرة المطلقة للذات المقدسة.

ونبدأ من النبي نوح عليه السلام:

«الآية الاولى‌»من الآيات محل البحث تستعرض حياة نوح مع قومه المتعصّبين والمعاندين حيث واجههم بكلّ شجاعة ودعاهم بالكلام الهادئ والمتّزن والمنطقي من موقع الاعتماد على اللَّه والتوكل عليه، فتقول الآية الشريفة مخاطبة نبي الإسلام: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَايَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ»[1].

فما هو العامل الّذي دفع بنوح مع قلّة المؤمنين من حوله إلى التصدي لكلّ قوى الانحراف والأعداء المعاندين من قومه بهذه الشهامة والشجاعة والسخرية من قوّتهم وعدم الاهتمام بقدراتهم وبمخططاتهم وبأوثانهم؟

وبالتالي فقد وجّه إليهم ضربة قاصمة على المستوى‌ الروحي والنفسي.

أجل لم يكن هذا العامل سوى‌ الإيمان باللَّه والتوكل عليه، والعجيب أنّ نوح لم يكتف فقط بمواجهتهم من موقع اللامبالاة وعدم الاهتمام بقدراتهم ومعبوداتهم بل دعاهم إلى مبارزته وشجّعهم على مواجهته، أجل فمثل هذا الإظهار للقوّة واستعراض العضلات لا يتسنّى في الحقيقة إلّامن المتوكلين.

ونظراً إلى أنّ سورة يونس الّتي تستبطن هذه الآية محل البحث، مكيّة، فإنّ اللَّه تعالى أراد من المسلمين في مكّة أن يلتفوا حول نبي الإسلام صلى الله عليه و آله كالفراش الّذي يدور حول المصباح ويُظهروا من أنفسهم القوّة والقدرة أمام الأعداء الشرسين وأن لا يعيشوا الخوف والرعب من هذه القدرات الموهومة مقابل قدرة اللَّه ومشيئته.

وعبارة(شركائكم)يمكن أن تكون إشارة إلى الأصنام الّتي جعلوها شريكة للَّه‌تعالى،

[1]. سورة يونس، الآية 71.


صفحه 235

وقد ورد هذا التعبير أيضاً في موارد اخرى كثيرة من القرآن الكريم.

أو يكون المراد منه هو أتباعكم وأصدقائكم وأعوانكم، أي اجمعوا جميع قواكم وقدراتكم لتتحركوا بها في التصدي لي ولمواجهتي.

وتأتي‌«الآية الثانية»للتحدث على لسان النبي هود الّذي عاش بعد عصر نوح عليه السلام وقد هدّده قومه الوثنيّون بالموت، ولكنه انطلق من موقع القوّة والتوكل على اللَّه وقال لهم بصراحة كما تقول الآية: «... قَالَ إِنّى أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنّى بَرِى‌ءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ* مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَاتُنظِرُونِ* انِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ»[1].

واللطيف أنّ هود لم يكتف بعدم الاهتمام والاعتناء بقوى‌ مخالفيه من عبّاد الأوثان وقدراتهم ومؤامراتهم بل انه سعى‌ لتحريكهم وإثارتهم للتصدي له ومواجهته لكي يثبت لهم أنّ قلبه وروحه يرتبطان بقوة أخرى‌، وانه بالتوكل على اللَّه تعالى لا يعيش في نفسه أيّ شعور بالخوف من مؤامراتهم مهما عظمت قوتهم واشتدت قدرتهم، وهذا يدلّ على أنّ التوكل على اللَّه يقود الإنسان إلى حيث المواقف الشجاعة والبطولية والسير في خطّ الاستقامة والحقّ.

فما أعجب أن يقف رجل واحد بمفرده أو مع القليل من أصحابه مقابل هذه الكثرة الكاثرة من قوى‌ الانحراف والأعداء الأشداء مثل هذا الموقف البطولي ويتحرك في مواجهته لهم من موقع الاستهزاء بتهديداتهم والسخرية بمؤامراتهم!! أجل فإنّ هذه من معطيات الإيمان والتوكل على اللَّه في حياة الإنسان.

وقد ذكر أحد المفسّرين القدماء وهو(الزجاج)أنّ هذه الآية تعد من أهم الآيات الّتي تتحدّث عن الأنبياء العظام والّتي استعرضت فيها قصة نبي من الأنبياء يقف هذا الموقف البطولي في مقابل جماعات كثيرة من مخالفيه ويتحدّث معهم مثل هذا الحديث الشجاع، ومثل هذا التعبير ورد في قصة نوح عليه السلام وكذلك في الحديث عن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً.

[1]. سورة هود، الآية 54- 56.