12- ضعف النفس والتوكل على اللَّه
تنويه:
وردت الإشارة في كثير من الآيات القرآنية الكريمة والروايات الإسلامية وكذلك سيرة الأنبياء والأولياء والصالحين وفي كتب علماء الأخلاق وأرباب السير والسلوك إلى مسألة «التوكل» بعنوان أنّها من الفضائل الأخلاقية المهمة الّتي لا يتسنّى للإنسان الوصول إلى مقام القرب الإلهي بدونها.
والمراد من التوكل هو: تفويض الامور إلى اللَّه والاعتماد على لطفه، لأن(التوكل)من مادّة(وكالة)بمعنى اختيار الوكيل والاعتماد عليه في تسيير الامور، وبديهي انه كلّما كان الوكيل يتمتع بقدرة أكبر واحاطة علمية أكثر فإنّ الشخص الموكل يشعر في قرارة نفسه بالهدوء والسكينة أكثر، وبما أنّ اللَّه تعالى وقدرته لا محدودة، فعندما يتوكل الإنسان عليه يشعر بالطمأنينة والسكينة تدغدغ قلبه وتنفذ إلى أعماق روحه، فتمنحه القدرة على التصدي للمشكلات والحوادث الصعبة، وأن لا يعيش الخوف من الأعداء والأخطار المختلفة، ولا يرى نفسه في مأزق في حركة الحياة، فيسير بالتالي بقلب مطمئن وبطريق مفتوح متجهاً صوب أهدافه ومقاصده.
الإنسان الّذي يعيش التوكل على اللَّه لا يشعر إطلاقاً بالحقارة والضعف بل يرى نفسه
وبالإعتماد على لطف اللَّه وعلمه وقدرته المطلقة منتصراً وناجحاً في حياته الفردية والاجتماعية، وحتّى أنّه لو اصيب بالفشل أحياناً فإنّ ذلك لا يفرض عليه اليأس والقنوط.
وعندما يتجلّى مفهوم التوكل بمعناه الصحيح في واقع الإنسان وعلى سلوكياته فإنّ ذلك من شأنه أن يثير الأمل في القلب ويبعث على تقوية الإرادة وتحكيم دعائم المقاومة والشجاعة.
إنّ مسألة التوكل لها دورٌ مهم في حياة الأنبياء الإلهيين، فعندما نستعرض الآيات القرآنية في هذا الباب نجدها تشير إلى أنّ هؤلاء الأنبياء واجهوا سلسلة الحوادث والمشكلات المدمّرة والعظيمة بسلاح التوكل على اللَّه، وكانت أحد الأسباب المهمة لانتصارهم وتغلّبهم على هذه المشكلات هو كونهم يتمتعون بهذه الفضيلة الأخلاقية.
وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته دروساً من سيرة الأنبياء الإلهيين في مسألة التوكل ودورها المهم في حياتهم العملية وذلك بالترتيب:
(نبدأ من نوح عليه السلام وننتهي إلى نبي الإسلام صلى الله عليه و آله).
1- «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَايَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ»[1].
2- «إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبّى وَرَبّكُم»[2].
3- «رَّبَّنَآ إِنّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الُمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مّنَ الَّثمَرَا تِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»[3].
4- «إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَااسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»[4].
[1]. سورة يونس، الآية 71.
[2]. سورة هود، الآية 56.
[3]. سورة إبراهيم، الآية 37.
[4]. سورة هود، الآية 88.
5- «وَقَالَ يَابَنِىَّ لَاتَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَا حِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَا بٍ مُّتَفَرّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ»[1].
6- «وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِنْ كُنتُم مُّسْلِمِينَ* فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَاتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»[2].
7- «وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى ا لْقَوْمِ ا لْكَافِرِينَ»[3].
8- «فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»[4].
9- «وَمَالَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ»[5].
10- «... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...»[6].
تفسير واستنتاج:
معطيات التوكل في حياة الأنبياء
عندما نطالع القرآن الكريم في اطار حديثه عن سيرة الأنبياء نلاحظ أنّ القرآن يستعرض من صفات الأنبياء الإلهيين صفة(التوكل)بعنوان ابرز ظاهرة وصفة تتجلّى في سيرة الأنبياء على طول التاريخ، حيث نجدهم يعيشون روح الاعتماد على اللَّه والتوكل عليه في مقابل المصاعب والمشاكل الجمّة الّتي يواجهونها في خطّ الرسالة والدعوة إلى اللَّه،
[1]. سورة يوسف، الآية 67.
[2]. سورة يونس، الآية 84 و 85.
[3]. سورة البقرة، الآية 250.
[4]. سورة التوبة، الآية 129.
[5]. سورة إبراهيم، الآية 12.
[6]. سورة الطلاق، الآية 3.
وأنّهم كانوا لا يرتبطون بأيّ شيء برابطة الاعتماد والتعلق سوى بالقدرة المطلقة للذات المقدسة.
ونبدأ من النبي نوح عليه السلام:
«الآية الاولى»من الآيات محل البحث تستعرض حياة نوح مع قومه المتعصّبين والمعاندين حيث واجههم بكلّ شجاعة ودعاهم بالكلام الهادئ والمتّزن والمنطقي من موقع الاعتماد على اللَّه والتوكل عليه، فتقول الآية الشريفة مخاطبة نبي الإسلام: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَايَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ»[1].
فما هو العامل الّذي دفع بنوح مع قلّة المؤمنين من حوله إلى التصدي لكلّ قوى الانحراف والأعداء المعاندين من قومه بهذه الشهامة والشجاعة والسخرية من قوّتهم وعدم الاهتمام بقدراتهم وبمخططاتهم وبأوثانهم؟
وبالتالي فقد وجّه إليهم ضربة قاصمة على المستوى الروحي والنفسي.
أجل لم يكن هذا العامل سوى الإيمان باللَّه والتوكل عليه، والعجيب أنّ نوح لم يكتف فقط بمواجهتهم من موقع اللامبالاة وعدم الاهتمام بقدراتهم ومعبوداتهم بل دعاهم إلى مبارزته وشجّعهم على مواجهته، أجل فمثل هذا الإظهار للقوّة واستعراض العضلات لا يتسنّى في الحقيقة إلّامن المتوكلين.
ونظراً إلى أنّ سورة يونس الّتي تستبطن هذه الآية محل البحث، مكيّة، فإنّ اللَّه تعالى أراد من المسلمين في مكّة أن يلتفوا حول نبي الإسلام صلى الله عليه و آله كالفراش الّذي يدور حول المصباح ويُظهروا من أنفسهم القوّة والقدرة أمام الأعداء الشرسين وأن لا يعيشوا الخوف والرعب من هذه القدرات الموهومة مقابل قدرة اللَّه ومشيئته.
وعبارة(شركائكم)يمكن أن تكون إشارة إلى الأصنام الّتي جعلوها شريكة للَّهتعالى،
[1]. سورة يونس، الآية 71.
وقد ورد هذا التعبير أيضاً في موارد اخرى كثيرة من القرآن الكريم.
أو يكون المراد منه هو أتباعكم وأصدقائكم وأعوانكم، أي اجمعوا جميع قواكم وقدراتكم لتتحركوا بها في التصدي لي ولمواجهتي.
وتأتي«الآية الثانية»للتحدث على لسان النبي هود الّذي عاش بعد عصر نوح عليه السلام وقد هدّده قومه الوثنيّون بالموت، ولكنه انطلق من موقع القوّة والتوكل على اللَّه وقال لهم بصراحة كما تقول الآية: «... قَالَ إِنّى أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنّى بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ* مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَاتُنظِرُونِ* انِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ»[1].
واللطيف أنّ هود لم يكتف بعدم الاهتمام والاعتناء بقوى مخالفيه من عبّاد الأوثان وقدراتهم ومؤامراتهم بل انه سعى لتحريكهم وإثارتهم للتصدي له ومواجهته لكي يثبت لهم أنّ قلبه وروحه يرتبطان بقوة أخرى، وانه بالتوكل على اللَّه تعالى لا يعيش في نفسه أيّ شعور بالخوف من مؤامراتهم مهما عظمت قوتهم واشتدت قدرتهم، وهذا يدلّ على أنّ التوكل على اللَّه يقود الإنسان إلى حيث المواقف الشجاعة والبطولية والسير في خطّ الاستقامة والحقّ.
فما أعجب أن يقف رجل واحد بمفرده أو مع القليل من أصحابه مقابل هذه الكثرة الكاثرة من قوى الانحراف والأعداء الأشداء مثل هذا الموقف البطولي ويتحرك في مواجهته لهم من موقع الاستهزاء بتهديداتهم والسخرية بمؤامراتهم!! أجل فإنّ هذه من معطيات الإيمان والتوكل على اللَّه في حياة الإنسان.
وقد ذكر أحد المفسّرين القدماء وهو(الزجاج)أنّ هذه الآية تعد من أهم الآيات الّتي تتحدّث عن الأنبياء العظام والّتي استعرضت فيها قصة نبي من الأنبياء يقف هذا الموقف البطولي في مقابل جماعات كثيرة من مخالفيه ويتحدّث معهم مثل هذا الحديث الشجاع، ومثل هذا التعبير ورد في قصة نوح عليه السلام وكذلك في الحديث عن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً.
[1]. سورة هود، الآية 54- 56.
والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم وبعد هذه الآية يتحدّث عن أنّ هود عليه السلام خاطب قومه المعاندين بخطاب من موقع العقل والاستدلال وقال: «مَا مِنْ دَابَّةٍ الّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا»[1].
ثمّ أضاف: إن قدرة اللَّه تعالى ليست بالقدرة الّتي توحي لصاحبها بالغرور والإنحراف عن خطّ الحقّ بل«انَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وعليه فأنا أعتمد على من قدرته مطلقة وافعاله عين الصواب والعدالة.
وتأتي«الآية الثالثة»لتشير إلى جانب من سيرة النبي إبراهيم عليه السلام وتوكّله على اللَّه في أحلك الظروف وأصعب الحالات الّتي يواجهها الإنسان وتقول: «رَّبَّنَآ إِنّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الُمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلوا ةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مّنَ الَّثمَرَا تِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»[2].
فلو لم يكن ايمان إبراهيم كالجبل الشاهق، ولم يكن له قلب كالبحر المتلاطم، ولم يكن يعيش التوحيد والتوكل في أعلى مراتبه، فهل يمكنه كإنسان طبيعي أن يسكن زوجته وابنه الحبيب في صحراء قاحلة ومحرقة بلا ماءٍ ولا كلاء ليس لشيء إلّاامتثالًا لأمر اللَّه تعالى ثمّ يعود من هناك إلى وطنه الأصلي؟
هذه الحادثة العجيبة تذكرنا بحادثة اخرى في سيرة إبراهيم عليه السلام العظيم، وهي عندما وضعه مخالفوه وأعداؤه المعاندون في قفص الإتهام بسبب تحطيمه أصنامهم، فكان إبراهيم على وشك أن يُقتل ولكنه مع ذلك لم يترك السخرية من أصنامهم وعقائدهم الزائفة وكان ينطلق في حواره معهم من موقع المنطق والدلائل القوية في عملية إبطال منطقهم الخرافي وإثبات زيف مدّعياتهم الواهية.
«الآية الرابعة»تشير إلى قصة شعيب عليه السلام الّذي جاء بعد فترة من النبي هود عليه السلام وقُبيل
[1]. سورة هود، الآية 56.
[2]. سورة إبراهيم، الآية 37.
موسى عليه السلام، حيث وقف مقابل المشركين من قومه وتصدّى لعقائدهم وتهديداتهم ومؤامراتهم من موقع الاستهزاء والسخرية، وكان يقول لهم في حكايته عن دعوته ورسالته السماوية: «... إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَااسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»[1].
أجل فأنا لا أخاف من شيء لاعتمادي على إيماني باللَّه والتوكل على ذاته المقدسة وسأستمر في خطّ الرسالة والدعوة إلى اللَّه والإصلاح ما أمكنني ذلك وبالاتكال على اللَّه.
والجدير بالذكر أنّ شعيب ولغرض تنفيذ عملية الإصلاحات الواسعة الّتي كان يتحرّك باتجهاهها في مجتمعه الفاسد كان يعتمد على ثلاث دعائم:
الاولى: تهيئة المقدّمات للعمل من قبل اللَّه تعالى حيث تشير إلى ذلك كلمة«توفيقي»،ثمّ بالإنطلاق من عزم راسخ وارادة قوية بالشروع بالعمل والإصلاح، وذلك بقوله«عليه توكلت»،ثمّ أن تكون للإنسان المصلح دوافع سليمة وبنّاءة للقيام بعملية الإصلاح، وهو ما أشار إليه بقوله(إليه انيب).
وتتحرّك«الآية الخامسة»لتستعرض لنا كلام يعقوب لأولاده، ويعقوب هو الجدّ الأعلى لبني إسرائيل والّذي كان يعيش في مضيقة شديدة في ذلك الزمان، فمن جهة فقد ابنه العزيز يوسف، ومن جهة اخرى كان يعيش القحط الشديد في كنعان الّذي أصاب الناس في تلك المناطق، فكانوا يواجهون التحديات والظروف الصعبة بسبب ذلك، وبالتالي وجد نفسه مجبراً على أن يودع ابنه الآخر (بنيامين) بيد ابنائه الآخرين الّذين كانوا يعيشون الجفاف الروحي والعاطفي، وذلك لغرض تحصيل القوت والطعام من أرض مصر ويحصلوا على المساعدة من عزيز مصر، وهنا أوصى يعقوب ابناءه المتجهون إلى مصر بقوله: «وَقَالَ يَابَنِىَّ لَاتَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَا حِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَا بٍ مُّتَفَرّقَةٍ ...»[2].
ثمّ أضاف: انني بهذه التوصية لا أستطيع أن أصُدّ عنكم البلاء أو أمنع عنكم ما قدّر اللَّه
[1]. سورة هود، الآية 88.
[2]. سورة يوسف، الآية 67.
لكم، «... وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ»[1].
وعلى هذا الأساس فإنّ يعقوب أوصى أولاده بوصايا خاصة لمقابلة الحوادث المتوقعة، ولكنه أكد عليهم أنّه بهذه التوصية لا يستطيع أن يقف مقابل الحوادث أو يضع تدبيراً حاسماً لجميع المشكلات والمصاعب الّتي سيواجهونها في سفرهم هذا، بل انّ عليه أن يضع ما يمكنه من الحلول والتوصيات، وأمّا الباقي فيجب أن يتوكلوا على اللَّه تعالى.
وبهذا فإنّ يعقوب في الحقيقة قد أوصاهم بالتوكل على اللَّه، وقد ذكر الدليل والسبب في تأكيده على هذا المعنى، وهو انّ جميع الامور بيد اللَّه تعالى:«إنِ الحُكْمُ الّا للَّه».
إذن فينبغي على الإنسان أن يعيش التوكل والاعتماد على هذه القدرة المطلقة والّتي لا توجد أية قدرة اخرى في مقابلها في عالم الوجود.
ومن الواضح أنّ المراد بكلمة(الحكم)هنا هو(الحكم التكويني)للَّهتعالى في عالم الخلقة والّتي تعود جميع الأسباب لديه وليست ناظرة إلى الحكم التشريعي. (فتأمل).
وتتعرض«الآية السادسة»إلى ما جرى بين موسى عليه السلام وقومه بني إسرائيل، وذلك عندما أظهر موسى دعوته الإلهية وأبرز معجزاته العظيمة ولكن مع ذلك لم يؤمن به جميع بني إسرائيل بل آمن به واتبعه جماعة منهم، في حين انّ بني إسرائيل كانوا مستضعفين بأجمعهم من قبل الفراعنة وكانوا يعيشون الخوف وشدّة العذاب من قبل فرعون وقومه، فعندما نرى أنّ زوجة فرعون وبسبب اعلانها الإيمان بموسى عليه السلام قد وضعت تحت طائلة العذاب الشديد من قبل زوجها فرعون، فمن الواضح ما كان تعامل فرعون مع سائر بني إسرائيل، ولهذا السبب فإنّ موسى بن عمران ولغرض ايجاد حالة من الطمأنينة والهدوء النفسي في قومه وإزالة عنصر الخوف والرعب المسلّط عليهم أمرهم بالتوكل على اللَّه، «وَقَالَ مُوسَى
[1]. سورة يوسف، الآية 67.