حَاصِبًا إِلَّا ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ»[1].
وهكذا تم اهلاك هؤلاء القوم الظالمين وإنقاذ آل لوط من هذا العذاب الإلهي المقيم وطبعاً باستثناء زوجته الخائنة الّتي شملها العذاب مع قوم لوط.
وبالطبع كما ذكر في هذه الآية كان يمثل قسماً من العذاب الإلهي على هؤلاء الأشرار، لأن القرآن الكريم يقول في آية اخرى: «فَلَمَّا جَاءَ امْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ...»[2].
أي أنّ الزلزلة الّتي أصابتهم لم تدع لهم بناءاً ولا أرضاً إلّاقلبته رأساً على عقب ثمّ يقول:
«وَامْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِن سِجّيلٍ مَنْضُودٍ»[3].
هذا المطر من الحجارة يمكن أن يكون قسماً من الشهب المتناثرة في الفضاء حيث نزلت هذه الشهب والنيازك بأمر من اللَّه على اطلال هذه المدينة وأجساد أهلها المتناثرة.
وهناك احتمال آخر في معنى هذه الجملة، وهو أنّ كلمة«حاصب»تعني العاصفة من الرمل حيث تنقل الرياح العاتية في الصحراء كثبان الرمل من منطقة إلى اخرى فتظهر في منطقة من الصحراء تلال من الرمل لم تكن موجودة قبل ذلك، بل تتكون فجأة من خلال مطر من الرمال والحجارة الّتي تحملها العاصفة الرملية بحيث تدفن معها قرى كاملة، وأحياناً تدفن تحتها قافلة من القوافل التجارية الّتي تجوب الصحراء.
والجدير بالذكر أنّ هذه العواصف الرملية أو أمطار الحجارة قد تحدث بين الفينة والاخرى في عالم الطبيعة، ولكن هذه المرة حدثت هذه العاصفة الرملية بأمر من اللَّه تعالى بوقتٍ مخصوص ومكان معين كما أخبر بذلك ملائكة اللَّه الّذين ارسلوا إلى نبي لوط عليه السلام.
ويوجد احتمال آخر في هذا الصدد، وهو انه من الممكن أن تكون الزلزلة الشديدة قد أصابت هذه المدن والقرى ودمرتها عن آخرها ثمّ نزل عليهم مطر الحجارة السماوية، ثمّ
[1]. سورة القمر، الآية 33 و 34.
[2]. سورة هود، الآية 82.
[3]. سورة هود، الآية 82.
حلت بهم العاصفة الرملية لتمحوا آثارهم وتفني ما تبقى من وجودهم، وهذا العذاب الإلهي بهذه المراحل الثلاثة الشديدة يبين غضب اللَّه تعالى على هؤلاء القوم الظالمين.
«الآية السادسة»والأخيرة في هذه الآيات وضمن الإشارة الموجزة إلى قصة قوم لوط من بدايتها إلى منتهاها تقول: «وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ا لْفَاحِشَةَ مَاسَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّنَ ا لْعَالَمِينَ»[1].
أجل، فإنكم تأتون الذكور لاشباع غريزتكم الجنسية دون النساء، ولذلك فأنتم منحرفون عن السبيل القويم لأنكم تركتم القوانين والمقررات الطبيعية والسنن الإلهية لاشباع الغريزة وسلكتم مسلك الإنحراف والزيغ الّذي من شأنه أن يؤدي إلى انقطاع النسل واشاعة أنواع المفاسد الاجتماعية والأمراض التناسلية، ورغم أن مرض«الايدز»الموحش يعتبر أحد الأمراض العصرية الّذي اكتشف مؤخراً، ولكن لا يبعد أن يكون هذا المرض موجوداً من ذلك الزمان أيضاً وقد اصيب به بعض هؤلاء الأشرار من قوم لوط، ولهذا السبب فإنّ اللَّه تعالى بحكمته ورحمته قد دفن أجسادهم تحت كثبان الرمل والحجارة ليكون ذلك عبرة للآخرين من جهة، ونعمة للناس من جهة اخرى لمنع انتشار وسراية هذا المرض إلى أنحاء اخرى من المعمورة.
وعلى أي حال فإنّ هؤلاء القوم المجرمين كانوا على درجة من الوقاحة وعدم الحياء بحيث أنّهم مضافاً إلى عدم اصغائهم لكلمات لوط عليه السلام، أرادوا إخراجه مع أهله من مدينتهم بتهمة الطهر والنقاء حيث تتحدّث الآية القرآنية في هذا السياق عن موقفهم المخزي هذا وتقول: «وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ»[2].
ولكن اللَّه تعالى يحكي لنا عاقبة قوم لوط هؤلاء ومصير نبيّهم الكريم حيث يقول:
«فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ا لْغَابِرِينَ* وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ
[1]. سورة الأعراف، الآية 80.
[2]. سورة الأعراف، الآية 82.
عَاقِبَةُ ا لُمجْرِمِينَ»[1].
أجل، إن هؤلاء كانوا قد غرقوا في وحول الخطيئة وتلوثوا بأدران الإثم إلى درجة أنّهم كانوا يعتبرون أنّ الطهر والنقاء من الإثم والذنب اثماً وخطيئة بحد ذاته، ولهذا كانوا يرون إنزال العقوبة على الأبرياء والطاهرين من الناس بتهمة الطهر وعدم التلوث بالمعاصي ويحكمون عليهم بالنفي إلى مناطق بعيدة ويخرجوهم من بيوتهم ولكن العذاب الإلهي كان لهم بالمرصاد، وقد حلّ بهم قبل أن يطبقوا أحكامهم المزرية على لوط وأهله.
إن القسم المهم من هذه الآيات وضمن بيان العاقبة المخزية لاتباع الأهواء والشهوات بالمعنى والمفهوم العام والخاصّ يشير إلى أنّ هذا العمل الشنيع يعد منبعاً للكثير من الذنوب والممارسات الخاطئة الّتي تورث الفرد والمجتمع الانحطاط والسقوط الأخلاقي والاجتماعي وتذُم وتُشنع على من يمارسون هذه الخطيئة.
اتباع الشهوات في الروايات الإسلامية:
لقد أولت الأحاديث والروايات الإسلامية هذه المسألة اهتماماً كبيراً حيث نجد أنّ الكثير من المصادر الروائية تشير إلى عواقب هذا الفعل الشنيع وتحذر الناس من افرازات مثل هذه الممارسات الخطرة على الصعيد الدنيوي والاخروي بحيث يجد القاريء نفسه متأثراً بشدة من عمق مدلول هذه الروايات الشريفة، فهي تقرر أنّ التلوث بالشهوات سواءً بمفهومها العام أو الخاص يعد من الموانع الأساسية الّتي تصد الإنسان عن سلوك طريق السعادة والكمال، وكذلك من الأسباب المهمة لاشاعة الفحشاء والمنكر في المجتمعات البشرية، وفيما يلي نستعرض بعض هذه الروايات والأحاديث الشريفة:
1- ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ مِن الَه يُعبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[1]. سورة الأعراف، الآية 83 و 84.
اعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوىً مُتَّبِع»[1].
وبهذا يتضح أنّ اتباع الشهوة وهوى النفس يُعَدُّ من أخطر العوامل الّتي تقود الإنسان نحو منزلقات الخطيئة والانحطاط الأخلاقي.
2- ويقول الإمام علي عليه السلام«الشَّهَوَاتُ سُمُومٌ قَاتِلاتٌ»[2](حيث تقتل وتدمر شخصية الإنسان وايمانه ومروته).
3- وجاء في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أنّه قال:«الشَّهَوَاتُ مَصائِدُ الشَّيْطانِ»[3](حيث يصطاد الشيطان أفراد البشر بهذه الوسيلة بكلّ زمان ومكان وفي جميع سنوات العمر).
4- وورد أيضاً عن هذا الإمام عليه السلام قوله«امْنَعْ نَفْسَكَ مِنَ الشَّهَواتِ تَسْلَمْ مِنَ الآفاتِ»[4].
5- وجاء في حديث آخر عن الإمام«تَرْكُ الشَّهَوَاتِ افْضَلُ عِبَادَةٍ وَاجْمَلُ عَادَةٍ»[5].
6- يقول الإمام الصادق عليه السلام«مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ اذا غَضِبَ وَاذا رَغِبَ وَاذَا رَهِبَ وَاذا اشْتَهى، حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ»[6].
7- يقول الإمام علي عليه السلام في حديث آخر«ضَادُّوا الشَّهْوَةَ مُضادَّةَ الضِّدِ ضِدَّهُ وَحَارِبُوهَا مُحَارِبَةَ الْعَدُوِّ العَدُّوَ»[7].
وهذا الكلام يقرر بمنتهى الصراحة هذه الحقيقة وهي أن اتباع الشهوة يقع في الطريق المقابل للسعادة والكمال الإنساني.
[1]. الدرّ المنثور، ج 6، ص 261 نقلًا من ميزان الحكمة، ج 4، ص 3478، رقم 21400.
[2]. غرر الحكم، ح 876.
[3]. غرر الحكم، ح 2121.
[4]. غرر الحكم، ح 2440.
[5]. غرر الحكم، ح 4527.
[6]. بحار الأنوار، ج 75، ص 243.
[7]. شرح غرر الحكم، ح 5934.
عواقب اتباع الشهوة في كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام:
اما بالنسبة إلى عواقب اتباع الشهوات والأهواء الشيطانية فقد وردت تعبيرات عميقة للأحاديث الإسلامية ونحن نكتفي في هذا المجال ببعض ما ورد عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام:
1- يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام«اهْجُرُوا الشَّهَوَاتِ فَانَّهَا تَقودُكُمْ الى رُكُوبِ الذُّنُوبِ وَالْتَهَجُّمِ عَلَى السَّيئاتِ»[1].
2- وفي حديث آخر نجد أنّ هذه المسألة تشتد لعاقبة اتباع الشهوات أنّ الإنسان يخرج من الدين والايمان كلياً فتقول الرواية«طَاعَةُ الشَّهْوَةِ تُفْسِدُ الدِّينَ»[2].
3- ويقول عليه السلام أيضاً:«طَاعَةُ الْهَوى تُفْسِدُ الْعَقلَ»[3].
4-«الْجَاهِلُ عَبْدُ شَهْوَتِهِ»[4]يعني إن الإنسان الجاهل يكون كالعبد الذليل المطيع لشهواته ونوازعه الرخيصة فلا اختيار له ولا حرية في مقابلها.
5- وفي حديث آخر«عَبْدُ الشَّهْوَةِ اسيرٌ لَايَنْفَكُّ اسْرُهُ»[5]
6- ويُقرر الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام عاقبة اتباع الشهوة وانها تمثل الفضيحة والعار على صاحبها«حَلاوَةُ الشَّهْوَةِ يُنَغِّصُهَا عارُ الْفَضيحَةِ»[6].
7- وفي حديث آخر يقرر الإمام عليه السلام أنّ الشهوة هي مفتاح جميع الشرور«سَبَبُ الشَّرِّ غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ»[7].
ونظراً إلى أنّ كلمة«الشر»وردت بالألف واللام للجنس وذكرت بشكل مطلق فانها تدلّ
[1]. غرر الحكم، ح 2505.
[2]. شرح غرر الحكم، ح 5985.
[3]. شرح غرر الحكم، ح 5983.
[4]. غرر الحكم، ح 449.
[5]. غرر الحكم، ح 6300.
[6]. غرر الحكم، ح 4885.
[7]. شرح غرر الحكم، ح 5533.
على العموم وأنّ اتباع الشهوة يمثل منبعاً لجميع الشرور وأنواع الشقاء.
8- ويشير الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام في حديث آخر إلى هذه الحقيقة وهي أنّ غلبة الأهواء والشهوات على الإنسان تفضي إلى إيصاد سبيل السعادة والهدى أمام الإنسان ويقول«كَيْفَ يَسْتَطيعُ الهُدى مَنْ يَغلِبُه الهَوى»[1].
9- يقول هذا الإمام في حديث آخر مشيراً إلى أنّ غلبة الشهوات يؤدي إلى ضعف شخصية الإنسان فيقول«مَنْ زَادَت شَهْوَتُهُ قَلَّتْ مُرُوّتُهُ»[2].
10- وفي حديث آخر يبين الإمام عليه السلام هذه الحقيقة وهي أن طريق الجنّة يقع في الجهة المقابلة لاتباع الشهوة فيقول«مَن اشْتَاقَ الَى الْجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهَوَاتِ»[3].
11- وفي رواية اخرى يُقرر الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام هذه الحقيقة، وهي أنّ الحكمة تتقاطع دائماً مع الشهوة في قلب الإنسان ويقول«لا تَسْكُن الْحِكْمَةَ قَلْباً مَعَ شَهْوَةٍ»[4].
النتائج الوخيمة لاتباع الشهوة:
ومن خلال الأبحاث السابقة اتضح بأن«الشهوة»لها مفهوم عام وواسع بحيث يشمل كلّ رغبة وميل نفساني يتيح للإنسان اللّذة، وبهذا لا تختص بالشهوة الجنسية رغم انها أحياناً وردت بمعنى الشهوه الجنسية بالخصوص.
وقد ورد هذا المفهوم في القرآن الكريم في أحد عشر مورداً بالمفهوم العام، ولكن يستفاد المفهوم الخاص في موردين، وأما في الروايات الإسلامية وكلمات علماء الأخلاق فقد وردت هذه الكلمة في الأغلب بمفهومها العام، وفي مقابل مفردة«العفة»الّتي تعني الجام النفس وغض الطرف عن اللذائذ والذنوب.
[1]. شرح غرر الحكم، ح 7001، ص 566.
[2]. غرر الحكم، ح 8022.
[3]. غرر الحكم، ح 8591.
[4]. غرر الحكم، ح 10915.
وقد ورد هذا المفهوم في النصوص الدينية في الأغلب بمعناه السلبي، ولكن أحياناً ورد بمعناه الإيجابي من قبيل قوله تعالى مخاطباً لأهل الجنّة «... وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ...»[1]أو يقول في مكان آخر «... وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ا لْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ا لْأَعْيُنُ ...»[2].
وعلى أي حال فإنّ هذه المفردة وردت في الأغلب بمعناه السلبي والّذي يدلّ على الافراط في اتباع الأهواء والنوازع النفسانية وغلبة الميول المخربة والمفضية إلى الوقوع في الخطيئة والمعصية.
وهكذا نجد أنّ هذه المفردة ومشتقاتها قد وردت في ثلاثة عشر مورداً في القرآن الكريم، ستة موارد منها تحمل المفهوم الإيجابي عن هذه المفردة، وسبعة اخرى تحمل في مضمونها المعنى السلبي.
وعلى أي حال فإنّ«الشهوة»بأي معنىً كانت إذا قصد منها المفهوم الخاصّ فإنّها تستبطن الأفراط في اشباع الشهوة وبالتالي يترتب عليها الآثار المخربة والنتائج الوخيمة المترتبة على هذا السلوك المفرط في طلب اللّذة، وقد مرّت الإشارة إلى هذه العواقب الوخيمة في الروايات والأحاديث المذكورة آنفاً، ولابدّ من الاذعان إلى أنّ مسيرة التاريخ مملوءة من هذه النتائج والعواقب الوخيمة للأفراط في اشباع الشهوات ويمكننا الإشارة إلى هذه العواقب بشكل مختصر في ما يلي:
1- التلوث بالذنب
إن طلب اللّذة وعبادة الشهوة يسوق الإنسان باتجاه منزلقات الإثم وارتكاب أنواع الذنوب، وفي الحقيقة انه يعد المصدر الأساس للذنب ومعصية اللَّه تعالى لأن الشهوات إذا تغلبت على الإنسان فبإمكانها أن تعمي وتصم الإنسان عن رؤية المخاطر ويكون مصداقاً للحديث النبوي الشريفحبُّك للشَّيء يُعمي ويُصم»[3]وبذلك تنقلب المفاهيم والحقائق
[1]. سورة فصلت، الآية 31.
[2]. سورة الزخرف، الآية 71.
[3]. بحار الأنوار، ج 74، ص 165.
لدى العقل فيصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
ولهذا السبب بالذات رأينا في الروايات السابقة الواردة عن أميرالمؤمنين عليه السلام (الرواية الثامنة) أنّ الإمام عليه السلام يصرح متسائلًا«كَيْفَ يَسْتَطيعُ الهُدى مَنْ يَغلِبُه الهَوى»[1].
ويشير الإمام عليه السلام في الحديث العاشر أيضاً إلى هذه الحقيقة وهي أنّ اتباع الشهوة يفسد شخصية الإنسان ويضعف مروئته، وكذلك قرأنا قوله في الحديث التاسع أنّ اتباع الشهوات بمثابة عبادة الوثن وبإمكانه أن يحطم إيمان الفرد ويتلف دينه، هذا وقد اورد المفسّرون وأرباب الحديث في ذيل الآيات 16 و 17 من سورة الحشر قصة العابد من بني إسرائيل والذي يدعى«برصيصا»الّذي يُعَدُ شاهداً حيّاً على هذا المدعى ولا بأس من استعراض هذه القصة النافعة رغم انها قد وردت في الكثير من الكتب المعروفة حيث نقل بعض المفسّرين أنّ رجلًا من بني إسرائيل يدعى «برصيصا» قد عبد اللَّه زماناً من الدهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرؤون على يديه، وانه أُتي بامرأة قد جُنّت وكان لها أخوة فأتوه بها فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت، فلما استبان حملها قتلها ودفنها، فلما فعل ذهب الشيطان حتّى لقى أحد اخوتها فأخبره بالّذي فعل الراهب وانه دفنها في مكان كذا، ثمّ أتى بقية أخوتها، وهكذا انتشر الخبر فساروا إليه فاستنزلوه فأقرّ لهم بالّذي فعل، فأمر به فصلب، فلمّا رفع على خشبة تمثل له الشيطان فقال: أنا الّذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الّذي أوقعتك في هذا، فأطعني فيما أقول أخلصك ممّا أنت فيه،
قال: نعم.
قال: اسجد لي سجدة واحدة.
فقال: كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة،
فقال: اكتفي منك بالإيماء، فأومى له بالسجود فكفر باللَّه وقتل. فهو قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ...».
[1]. شرح غرر الحكم، ح 7001، ص 566.