تدريجياً ويحل بدلها عنصر العقيدة ويعيش الإنسان حينئذٍ روح الطهارة والنقاء والانفتاح على اللَّه والمعنويات السامية.
وهذا المعنى نجده واضحاً بكلام أميرالمؤمنين عليه السلام«قَاوِمِ الشَّهْوَةَ بِالْقَمْعِ لَهَا تَظْفُرْ»[1].
شهوة الأكل والجنس:
لقد أورد الأعاظم من علماء الأخلاق كالفيض الكاشاني في«المحجّة البيضاء»والمحقّق النراقي في«معراج السعادة»والعلّامة السيّد شبّر في كتاب«الأخلاق»كلًا من شهوة البطن وشهوة الجنس بصورة مستقلة وبحثوهما كلًا على انفراد، وفي الحقيقة اتبعوا في ذلك ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في هذا المجال حيث ورد الاهتمام الكبير بهاتين الغريزتين.
الفيض الكاشاني يذكر في كتابه«المحجّة البيضاء»هاتان الشهوتان ويقول: «أما بعد، فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذلّ والافتقار، إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتّى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما، والبطن على التحقيق مصدر الشهوات ومنبت الأدواء والآفات. إذ يتبعها شهوة الفرج وشدّة الشبق إلى المنكوحات، ثمّ تتبع شهوة المطعم والمنكح شدّة الرغبة في المال والجاه اللذين هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات، ثمّ يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسبات، ثمّ يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثمّ يتداعى إلى ذلك الحسد والحقد والعداوة والبغضاء، ثمّ يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء.
وكلّ ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء، ولو ذلّل العبد نفسه بالجوع وضيّق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة اللَّه ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم
[1]. شرح غرر الحكم، ج 4، ص 514، ح 6803 (بالفارسية).
ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وايثار العاجلة على العقبي، ولم يتكالب كلّ هذا التكالب على الدنيا.
وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحدّ وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيراً منها، ووجب ايضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيباً فيها»[1].
والأخطر من ذلك أنّ الأشخاص من اتباع شهوة البطن والفرج يفقدون دينهم ويتركون إيمانهم في هذا السبيل حيث نقرأ في ذيل الآية القرآنية «وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ»[2].
إنّ اللَّه تعالى يذم اليهود الّذين كانوا يشترون بآيات اللَّه ويبيعونها بثمن بخس، فقد كانت هناك مجموعة من علماء اليهود وأحبارهم يقومون بتحريف آيات اللَّه من أجل اشباع نهم شهواتهم لغرض دعوتهم لمجالس البذخ وموائد الترف الّتي كان يقوم بها اليهود اتجاه علمائهم، وبهذا فهم باعوا عملياً آيات اللَّه بثمن بخس «ولهذا انكروا وجود ذكر النبي الّذي يظهر آخر الزمان والّذي كان ينتظره اليهود والمذكور عندهم بالتوراة».
وفي الروايات الإسلامية نجد بحوثاً واسعة عن اخبار هاتين الشهوتين حيث تشير إلى بعض هذه الموارد:
1- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله«ثَلاثٌ اخَافُهُنَّ بَعدي عَلَى امَّتي الضَّلالَةُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ وَمُضِلّاتُ أَلْفِتَنِ وَشَهْوَةُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ»[3].
المقصود من الضلالة بعد المعرفة هو أن يترك الإنسان الحقّ والطريق المستقيم بسبب وساوس المنحرفين وشبهات المخالفين ويسلك سبيل الانحراف والزيغ والضلالة، وهذا المعنى موجود دائماً وفي كلّ زمان وخاصة في زماننا هذا.
والمقصود من «مضلات الفتن» هو اشكال الامتحان الإلهي والاختبار الرباني لعباده
[1]. المحجّة البيضاء، ج 5، ص 145.
[2]. سورة البقرة، الآية 41.
[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 79.
حيث يقع الإنسان أحياناً بسبب اتباعه للشهوات والأهواء في الخطيئة ويسقط في الامتحان، والمراد من «شهوة البطن والفرج» هو الأفراط في الأكل وطلب اللّذة والأفراط في طلب اللّذة الجنسية.
إن سياق الحديث الشريف يوحي لنا بهذه الحقيقة، وهي أنّ الخطر المتوجه للناس والّذي يهدد وجودهم بسبب هذه الامور الثلاثة هو خطر عميق وجدي.
يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله في حديث آخر«اكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ امَّتي النَّارَ الْاجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ»[1].
3- ويقول الإمام الباقر عليه السلام«اذا شَبَعَ البَطْنُ طَغى»[2].
4- وأيضاً يقول هذا الإمام في حديث آخر«مَا مِنْ شَيءٍ ابْغَضُ الَى اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ مِنْ بَطْنٍ مَمْلُوءٍ»[3].
5- وورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«لا يُفْسِدُ التَّقوى الّا بِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ»[4].
6- وورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«لا تَجْتَمِعُ الحِكْمَةُ وَالشَّهْوَةُ»[5].
7- وقال هذا الإمام عليه السلام أيضاً في حديث آخر«مَا رَفَعَ امَرءاً كَهِمَّتِهِ وَلَا وَضَعَهُ كَشَهْوَتِهِ»[6].
[1]. المصدر السابق.
[2]. اصول الكافي، ج 6، ص 270، ح 10.
[3]. سفينة البحار، ج 1، ص 25، واژه اكل.
[4]. شرح غرر الحكم، ح 10606.
[5]. غرر الحكم، ح 10573.
[6]. غرر الحكم، ج 6، ص 114، ح 9707.
15- العفة من أكبر الفضائل الأخلاقية
تنويه:
تقع«العفة»في النقطة المقابلة ل«شهوة البطن والفرج»وتعتبر من أهم الفضائل الإنسانية والأخلاقية على السواء.
ويقول الراغب الاصفهاني في كتاب«المفردات»في معنى العفة أنّها حصول حالة للنفس تمتنع بها من غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي لذلك.
ويقول صاحب مقاييس اللغة في معنى العفة: «العفة في الأصل تأتي لمعنيين، الأول، الاجتناب عن القبائح، والآخر قلّة الشيء، ولذا يقال للبن المتبقي في الرضع- عُفّة- على وزن مدّة».
ويقول مؤلف كتاب«التحقيق»عن مفهوم العفة: «مادة عفّة في الأصل بمعنى حفظ النفس من الميول والشهوات النفسانية، كما أنّ التقوى بمعنى حفظ النفس من ارتكاب الذنوب، وعلى هذا فالعفة صفة باطنية، في حين أن التقوى ناظرة إلى الأعمال الخارجية».
وقد ذكر علماء الأخلاق في تعريف العفة انها الحدّ الوسط بين الشهوة والخمود.
وماذكرنا آنفاً من معنى العفة كان في مفهومهاالعام، لأن البعض قد أورد في تعريف العفة النقطة المقابلة لها، أي الوقاحة وتمزيق ستار الحياء، ولهذا السبب نجد أنّ أكثر موارد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
استعمال مفردة«العفة»تختص للمسائل الجنسية.
وعلى أي حال فإنّ المستفاد من آيات القرآن الكريم والروايات الإسلامية أنّ العفة (بكلا المعنيين) تعد من أعظم الفضائل الأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن لأيشخص أن يسير نحو الكمال الإلهي ويسلك مسلك الانفتاح على اللَّه من دون التحلي بهذه الخصلة الشريفة، ونجد في حياتنا الدنيوية أنّ كرامة الإنسان وشخصيته وسمعته رهينة بالتحلي بهذه الفضيلة الأخلاقية.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الكريمة هذا المفهوم السامي:
1- «لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَايَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ا لْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيَماهُمْ لَايَسْئلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ»[1].
2- «وَرَا وَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَا بَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ»[2].
3- «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَا لْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ا لْمخْلَصِينَ»[3].
4- «قَالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَا وَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئن لَّمْ يَفْعَلْ مَآءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّنَ الصَّاغِرِينَ* قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الْجَاهِلِينَ* فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»[4].
[1]. سورة البقرة، الآية 272.
[2]. سورة يوسف، الآية 23.
[3]. سورة يوسف، الآية 24.
[4]. سورة يوسف، الآية 32- 34.
5- «وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَا جِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأوْلَئكَ هُمُ الْعَادُونَ»[1].
6- «... وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَا لْحَافِظَاتِ ...»[2].
التفسير:
الفقير المتعطش
في«الآية الاولى»يتحدّث القرآن الكريم عن أفضل موارد الانفاق ويقول مخاطباً المؤمنين بأن انفاقكم يجب أن يختص بالفقراء الّذين هاجروا من بيوتهم واوطانهم ولم يستطيعوا تأمين نفقاتهم واحتياجاتهم عن طريق الجهاد في سبيل اللَّه أو السفر للكسب والتجارة «لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَايَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ»[3].
ثمّ يشير إلى خصوصية مهمة اخرى من خصوصيات هؤلاء الفقراء، وهي أنّهم لشدة تعففهم وضبطهم لأنفسهم يحسبهم الناس أغنياء «يَحْسَبُهُمُ ا لْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيَماهُمْ ...)[4].
أجل فإنّ هؤلاء يعيشون الضبط الأخلاقي لنوازع النفس ولا يرسلون السنتهم بالشكوى رغم احتياجهم الشديد، ويسلكون مسلك الأغنياء بين الناس ولكن المطلع على أحوالهم يعرف حاجتهم ومسكنتهم من سيماهم.
ويبين القرآن الكريم سمة اخرى من سماتهم ويقول «لَايَسْئلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ...»[5].
فهؤلاء لا يطلبون قضاء حاجتهم من الآخرين مهما أمكنهم ذلك، ولو اشتد بهم الحال واضطروا إلى المسألة، فإنّهم يفضلون اقتراض ما يحتاجونه من المال على السؤال من دون
[1]. سورة المؤمنون، الآية 5- 7.
[2]. سورة الأحزاب، الآية 35.
[3]. سورة البقرة، الآية 273.
[4]. المصدر السابق.
[5]. سورة البقرة، الآية 273.
أن يكون لديهم اصرار على الآخرين.
وفي ختام الآية يقول تعالى «وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ»[1].
أجل، فإنّ الأنفاق عملٍ إنساني وفضيلة أخلاقية وخاصة على من يتمتع بعزّة النفس وعلو الطبع وعفة الروح.
وبديهي أنّ المراد من«العفة»في هذه الآية هي العفة في المسائل المالية لا الامور الجنسية، وقد ذكر بعض المفسّرين في شأن نزولها انها نزلت في«أصحاب الصفة»هؤلاء كانوا جماعة يبلغ عددهم أربعمائة نفر تقريباً من المسلمين المهاجرين من مكّة وضواحي المدينة الّذين لم يكن لديهم دارٌ في المدينة ولا معارف وأقرباء فيها ولا عملٍ يتكسبون فيه، ولكنهم في نفس الوقت يعيشون في غاية التعفف في مكانٍ خاص إلى جوار مسجد النبي صلى الله عليه و آله، وكان هؤلاء يتحركون نحو الجهاد في سبيل اللَّه متى ما أمرهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وكانوا يتمتعون بعزّة النفس والتعفف الشديد بالرغم من حاجتهم الشديدة وما يشعرون به من جوع.
وعلى أي حال فالقرآن الكريم ذكر هؤلاء في الآية محل البحث بتعبيرات مختلفة من المدح والثناء وجعلهم اسوة لجميع المسلمين.
في«الآية الثانية والثالثة»يتحدّث القرآن الكريم عن عفّة يوسف وطهارة ذيله في أحلك الظروف الّتي توفرت فيها جميع أسباب التورط في الإثم والمعصية ولكنَّ يوسف حفظ نفسه أمام تحديات الواقع وضغوط الحالة واستعاذ باللَّه تعالى، فنجح في هذا الامتحان الإلهي الكبير وخرج منه مرفوع الرأس، وكما يذكر القرآن الكريم واصفاً هذه الحالة والحادثة الّتي حدثت ليوسف وامرأة العزيز فيقول: «وَرَا وَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَا بَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ»[2].
[1]. سورة البقرة، الآية 272.
[2]. سورة يوسف، الآية 23.