بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 306

أن يصل إلى مستوى‌ الانعام بل اضل منها واتعس، لأن الأنعام إنّما تعيش الغفلة في حياتها بسبب انها خلقت كذلك وعدم وجود ملكة التنبه والتعقل في ذاتها، في حين إن الإنسان إذا عاش الغفلة في حياته مع وجود عوامل التنبه بأدوات التذكر والتعقل فسيكون أضل من الأنعام بالتأكيد.

إن مفهوم الآية أعلاه لا يعني أنّ اللَّه تعالى يجبر بعض الناس على سلوك طريق جهنم بل كما ورد التصريح في الآية نفسها أنّ أهل النار عندما صاروا من أهل النار بسبب اختيارهم لهذا الطريق والسلوك الشائن، لأن اللَّه تعالى قد أعطاهم العقل ولكنهم لم يستخدموا عقولهم، وأعطاهم السمع والبصر ولكنهم لم يصحوا إلى الحقائق الإلهية في آذانهم ولم يروا آيات اللَّه بأبصارهم، إذن فكلما يواجهونه من مشاكل دنيوية أو اخروية فهو بسبب اختيارهم ومن ناحيتهم، وغاية الأمر أنّ اللَّه تعالى قد قرر قانوناً وناموساً يحكم عالم الوجود في دائرة الإنسان، وهو أنّ كلّ من لم يستخدم المواهب الإلهية في مجالها الخاصّ ولم يتحرّك في سبيل استخدام قابلياته الذاتية في طريق التكامل المعنوي فسيكون مصيره إلى جهنم في الآخر، فحصول هذا الشرط في هذا القانون يرتبط بإرادة الإنسان ذاته.

«الآية الثانية»تتحدّث عن الكتاب في عرصات يوم القيامة، في ذلك الوقت الّذي يقترب فيه وعد اللَّه حيث تسري فيه الوحشة ويملك الخوف جميع وجودهم وتتحجر عيونهم من الرعب، وهناك يتعالى صراخهم وعويلهم وينادون بالويل والثبور على ما كانوا في غفلةٍ من هذا الحال «وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ»[1].

وعلى هذا فإنّ هذة الفئة من الناس يُقرون بأن‌«الغفلة»هي العامل الأساس في انحرافهم عن جادة الحقّ، الغفلة الّتي دعتهم إلى أن يتحركوا من موقع الظلم على أنفسهم وعلى الآخرين وتركهم لدعوة الأنبياء والكتب السماوية والقاءها وراء ظهورهم.

[1]. سورة الأنبياء، الآية 97.


صفحه 307

هؤلاء يتحدّثون بهذا الكلام عندما تصيب الزلزلة جميع عالم الوجود وتتجلّى يومئذٍ علامات القيامة وتزول حجب‌«الغفلة»،وهناك يعيش هؤلاء الندم حيث تكون أبواب التوبة والانابة إلى اللَّه مؤصدة أمامهم‌[1].

«شاخصة»من مادّة«شخوص»وهي في الأصل بمعنى الخروج من المنزل أو المدينة إلى مدينة اخرى، وبما أنّ الإنسان عندما يستولي عليه الرعب تشحب عيناه وتتوقفان عن الحركة حيث يظل ينظر إلى نقطة معينة في حالة من البهت بحيث تكاد تخرج حدقة العين من مكانها، فهذه الحالة يطلق عليها بالشخوص.

«الآية الثالثة»تخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من موقع الارشاد لمن يصح معاشرتهم والحياة معهم وتقول «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوا ةِ وَا لْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُعَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ا لْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَاتُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا»[2].

في هذه الآية نقرأ صفات الأشخاص الّذين يمتلكون اللياقة ليكونوا في صحبة النبي ورفقته من موقع اتصافهم بالايمان والعبادة وذكر اللَّه تعالى في الصباح والمساء، وتحذر الآية الشريفة أيضاً من اطاعة الغافلين عن ذكر اللَّه والّذين يتحركون من موقع الأهواء والشهوات إلى درجة الافراط، ومن خلال مضامين هذه الآية الكريمة نستوحي وجود علاقة بين اتباع الهوى وبين الغفلة، أجل فإنّ الغافلين عن ذكر اللَّه هم الّذين يتبعون أهوائهم ويعيشون حالة الافراط في سلوكياتهم، ولو لم يكن في ذمّ‌«الغفلة»الا هذا لكفى‌.

وطبقاً لما بيّنته الآية أعلاه من أنّ اللَّه تعالى قد أغفل قلوب هؤلاء «أغفلنا قلبه عن‌

[1]. وقع اختلاف في مرجع الضمير «هي» وانه على من يعود؟ والأفضل عوده على الأبصار، فهناك نوع من التقديم والتأخير في كلمات الآية.

[2]. سورة الكهف، الآية 28.


صفحه 308

ذكرنا» يتضح جيداً أنّ ذلك كان نتيجة أعمالهم السيئة في الحياة الدنيا وعلى شكل عقوبة إلهية.

والمعروف أنّ الآية محل البحث نزلت في طائفة من الأثرياء والمتكبرين في عصر النزول حيث جاءوا إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وقالوا له: يا رسول اللَّه، إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنّا هؤلاء وأرياح جبابهم- يعنون بذلك سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف ولم يكن عليهم غيرها- جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية إلى قوله: إنا اعتدنا للظالمين ناراً ...[1].

إن اللَّه تعالى كان يعلم ما في نفوس هؤلاء الغافلين وأنّهم يعيشون الادعاءات الفارغة والشعارات الجوفاء وأنّهم ليسوا بقابلين للاعتماد والثقة لا في حالة الصلح ولا في زمن الحرب ولا يمكن الاستفادة من أفكارهم، ولهذا حذّر اللَّه تعالى نبيّه الكريم صلى الله عليه و آله من وساوسهم.

«الآية الرابعة»تتحرك في سياقها من خلال استعراض بعض أوصاف أهل النار وتقول:

«إِنَّ الَّذِينَ لَايَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَاتِنَا غَافِلُونَ* أوْلَئكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ»[2]

في هذه الآية الكريمة نقرأ أنّ السبب الأساس لانكار المعاد لدى بعض الناس ورضاهم بالحياة الدنيا ونسيان الآخرة هو«الغفلة»عن آيات اللَّه والّتي تمثل هذه الحالة المحور والمصدر الحقيقي لشقاء الإنسان وتورطه في المشاكل والمصائب، في حين أنّ السبب الحقيقي لسعادة المؤمنين وأصحاب النعيم في الآخرة يمتد في جذوره إلى حالة التنبأ والتذكر والانفتاح على اللَّه تعالى كما ورد ذلك في الآيات الّتي تلي هذه الآية.

[1]. ذكر شأن النزول هذا كلّ من الطبرسي في «مجمع البيان» والقرطبي في تفسير «الجامع لأحكام القرآن» والبرسوني في «روح البيان» وجماعة آخرون مع بعض الاختلاف في النقل (والجدير بالذكر أنّه بالرغم من أنّ سورة الكهف مكية ولكن المفسرين ذكروا أنّ الآية مورد البحث (28) نزلت في المدينة).

[2]. سورة يونس، الآية 7 و 8.


صفحه 309

ونقرأ في تفسير روح البيان في ذيل هذه الآية حديثاً قدسياً يقول: العجب ممّن يؤمن بالنار كيف يضحك؟ وممّن يتعلق بالدنيا وهو يعلم أنّه مفارقها، ومن الغافلين كيف يلهون في حين أنّهم يعلمون أنّه لا يُغفل عنهم.

ويتحدّث صاحب التفسير المذكور في ذيل هذا الحديث الشريف عن قصة«النعمان بن المنذر»الّذي كان أحد ملوك الحيرة في عصر الجاهلية، ويقول: في أحد الأيّام كان هذا الملك جالساً للهو واللعب تحت شجرة وارفة الظلال، فقال له «عدي» وكان أحد أقربائه:

أيّها الملك أنّ هذه الشجرة تغني فهل تعلم ما تقول؟ هذه الشجرة تقول:

رُبَّ رَكْبٍ قَدْ اناخُوا حَولَنا

يَمزَجُون الخَمْرَ بِالمَاءِ الزُّلالِ‌

ثُمَّ اضْحُوا اسَفَ الدَّهرُ بِهِم‌

وَكَذاك الدَّهرُ حالًا بَعد حالٍ‌[1]

«الآية الخامسة»تتحدّث عن الأشخاص الّذين يعيشون‌«الغفلة»عن أسرار وقضايا عالم الوجود ولا يرون إلّاظواهر الامور، ويقنعون بهذا الظاهر الجذّاب لهذه الحياة الدنيا عن حقيقتها مع الغفلة عن باطنها الّذي يشير إلى الحياة الاخرى وتقول «يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ».[2]

فلو أنّ الغفلة لم تلق عليهم بظلالها ولم تكبل عقولهم بقيودها لرأوا في كلّ شي‌ء وفي كلّ كائنٍ وموجود من هذا العالم آية من الآيات الّتي تدلّ على اللَّه تعالى والمعاد، فالقرآن الكريم يستعرض أسرار عالم الخلقة ويقرر أنّ هذا النظام المدهش للعديد من عالم المادّة والطبيعة إنّما هو آية وعلامة على وجود اللَّه تعالى وعلامة كذلك على المعاد والحياة بعد الموت من خلال الحوادث المشاهدة والملموسة في حركة الحياة والواقع، غاية الأمر انه لا يدرك مغزى‌ هذه الآيات والعلامات ولا يقرأ مضمونها الباطني سوى أصحاب البصيرة الّذين قرؤوا نغمة التوحيد والمعاد في باطن هذه الحوادث لا الأشخاص الّذين يتعاملون مع الحياة الدنيا من موقع الأهواء والنوازع المادية الرخيصة.

[1]. روح البيان، ج 4، ص 18.

[2]. سورة الروم، الآية 7.


صفحه 310

هذا وإن تكرار ضمير«هم»في الآية الشريفة يعد تأكيداً على هذا المطلب، وهو أنّ‌«الغفلة»هي السبب في أن يتحرّك الإنسان من موقع الظواهر فحسب ولا يرى‌ واقع الحال ويتوغل في باطن الامور.

والجدير بالذكر أنّ مفردة«الغفلة»وردت في موارد تكون فيها أسباب ومقدمات التذكر والتنبه متوفرة لدى‌ الإنسان، ولكنه وبسبب اتباعه للأهواء أو بسبب ضعف الإيمان أو لأسباب اخرى فإنه يتغافل عنها، والشاهد على ذلك الآيات الّتي وردت بعد هذه الآية من سورة الروم حيث يستعرض اللَّه تعالى فيها نماذج من آثار التوحيد والمعاد في عالم الخلقة وفي واقع الإنسان ويحذّر الغافلين عن التمادي في غفلتهم وينذرهم من عاقبة هذه الحالة الوخيمة.

«الآية السادسة»تتحدّث عن أخطر فئة من الكفّار، وهم الّذين يعيشون حالة التكبر والعناد مضافاً إلى كفرهم، وفي آخر الآية تقرر السبب الّذي ساقهم إلى الشقاء الدائم، وهو الغفلة عن آيات اللَّه وتقول: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ ا لْحَقّ وَإِنْ يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لَّايُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَايَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ ا لْغَىّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ»[1].

وقد وقعت هذه الجملة من الآية الكريمة«سَأَصْرِفْ عَن آيَاتِي»مورداً لبحث المفسّرين ومناقشاتهم، ولعلّه كان بسبب أنّ من المسلّم أنّ اللَّه تعالى يهدي الناس إلى طريق الحقّ، وأساساً فإنّ جميع الأنبياء والأوصياء كانوا يهتمون بارشاد الناس وهدايتهم إلى اللَّه تعالى، فكيف يجتمع هذا المعنى مع قوله تعالى «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ» وانه تعالى هو الّذي يحرم هؤلاء عن الهداية والتوفيق لرؤية هذه الآيات على نفسها، ولهذا نجد أنّ الكثير من المفسّرين قد تكلفوا تأويل هذه الآية بما لا يتناقض مع الاصول والمبادى‌ء المسلمة.

ويتضح الجواب عن هذا السؤال من خلال استعراض الآيات القرآنية الاخرى في هذا

[1]. سورة الأعراف، الآية 146.


صفحه 311

المجال، حيث تمثل بعض اعمال الإنسان وحالاته النفسية من قبيل التكبر والعناد أمام الحقّ والتعصب الشديد حجباً مظلمة على قلب الإنسان تمنعه من مشاهدة جمال الحقّ، وفي الواقع أنّ هذه الأعمال والصفات القبيحة هي الّتي تسبب حجبهم عن الحقّ وتمنعهم من رؤية آيات اللَّه، وعندما تنسب الآية عملية الحجب هذه إلى اللَّه تعالى فإنما ذلك بسبب أنّ اللَّه تعالى قد جعل هذه النتيجة كعقوبة طبيعية واثر طبيعي مترتب على تلك الأعمال والصفات، أي أنّ الانصراف عن آيات اللَّه هو نتيجة طبيعية مقررة في قانون الخلقة لمن يمارس تلك الأعمال والصفات القبيحة.

والجدير بالذكر أنّ الآية الشريفة تقرر في ختامها وتؤكد على أنّ سبب انصرافهم عن آيات اللَّه هو تكذيبهم وغفلتهم عن هذ الآيات.

«الآية السابعة»تتحرك من خلال استعراض حالة العناد لدى الفراعنة في مقابل الآيات الإلهية والبلايا المتنوعة الّتي أنزلها اللَّه على هؤلاء القوم الفاسقين لينتهوا من غفلتهم ويؤوبوا إلى رشدهم ويتبعوا نبيّهم‌«موسى بن عمران»وتقول «فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِى ا لْيَمّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ»[1].

ومن خلال السياق القرآني في هذه الآية نستوحي أنّ مصدر شقاء قوم فرعون وهلاكهم هو تكذيب الآيات الإلهية والغفلة عنها، ويمكن أن تكون‌«الغفلة»سبباً للتكذيب، فإنّ الجذر الأصلي لشقائهم هو«الغفلة»عن آيات اللَّه، أو أنّهم قد تحركوا في مقابل الدعوة السماوية من موقع التكذيب أحياناً والغفلة أحياناً اخرى، وبهذا يكون كلّ من التكذيب والغفلة سبباً مستقلًا للشقاء والهلاك.

بعض المفسّرين يرى أنّ ضمير«عنها»يعود إلى النقمة الإلهية والعذاب الإلهي، ففي هذه الصورة يكون عنصر التكذيب بآيات اللَّه هو الموجب لشقائهم، ولكن هذا الاحتمال ضعيف جداً لأن هذا الضمير ورد إلى جانب الآيات، وحسب الظاهر انه يعود عليها، وقد أورد بعض‌

[1]. سورة الأعراف، الآية 136.


صفحه 312

المفسّرين سؤالًا هنا، ولعلّ هذا السؤال كان هو السبب في احتمال عودة الضمير إلى النقمة والعذاب، وهو أنّ‌«الغفلة»حالة غير اختيارية ولذلك لا يمكن أن تستوجب عذاب اللَّه للإنسان.

ولكن الجواب عن هذا السؤال واضح، لأن‌«الغفلة»في كثير من الموارد تكون اختيارية في جذورها ومقدماتها، فعندما يتحرك الإنسان باتجاه آيات اللَّه ولا يتدبر فيها ولا يصغي لكلمات الأنبياء، فمن الطبيعي أن تستولي عليه حالة الغفلة، ومن هذا المنطلق نجد الناس كثيراً ما يذمون المجرمين والمنحرفين بسبب غفلتهم.

«الآية الثامنة»وبالرغم من انها لم تذكر كلمة«الغفلة»في سياقها، إلّاأنّ محتواها العام يتضمّن مفهوم الغفلة، فهذه الآية تتحدّث عن المشركين في عصر النزول الّذين كانوا يتحركون من موقع الغفلة الشديدة وأحياناً ينتبهون من غفلتهم ويتجهون نحو التوحيد في حالات خاصّة، وأحياناً اخرى يغرقون في مستنقع الشرك والضلالة تماماً، فتقول الآية «فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ»[1].

أجل، فإنّ اعصار الحوادث والأخبار من شأنه أن يزيح حُجب‌«الغفلة»عن أبصار هؤلاء ويتجلّى‌ لهم حقيقة الأمر وواقع الحياة الدنيا، فطائفة منهم تستثمر هذا التنبيه وهذه اليقظة في حركتها التكاملية والمعنوية ويتحركون لاصلاح أخطائهم وجبران ما فاتهم من العمر، ولكن هناك طائفة اخرى وهم الأكثرية يتنبهون في هذه اللحظات فحسب وبعد انتهاء الحادثة يعودون ادارجهم نحو ما كانوا يعيشونه من الغفلة واتباع الهوى‌ في خط الباطل والإنحراف.

بعض المفسّرين يذكر في ذيل هذه الآية أنّ المشركين كانوا يصطحبون معهم أصنامهم في أسفارهم البحرية ليحفظونهم من الغرق ولكنهم عندما يواجهون الخطر ويرون أمواج البحر الرهيبة الّتي تتقاذفهم من كلّ جانب كالريشة في مهب الريح فإنّهم يلقون بأصنامهم‌

[1]. سورة العنكبوت، الآية 65.


صفحه 313

في البحر ويتجهون نحو اللَّه بكلّ اخلاص ويتعالى صراخهم‌«يااللَّه يا اللَّه»[1].

«الآية التاسعة»تقرر حكماً عاماً وكلياً بالنسبة إلى جميع أفراد البشر وتقول «وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»[2].

أجل، فإنّ التوجه إلى اللَّه تعالى يتسبب أن يكون الذاكر جليس الملائكة بمقتضى قوله تعالى «انّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائِكة ...».

والحال أنّ التغافل عن ذكر اللَّه يفضي بالإنسان أن يكون قرين الشياطين الّذين يسوقونه إلى حيث يريدون كما تقول الآية الشريفة «نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» وفي الواقع أنّ عمله هذا أي‌«الغفلة»عن آيات اللَّه يورثه البعد عن رحمة اللَّه وبالتالي يكون قرين الشياطين البعيدة عن رحمة اللَّه، وبعبارة اخرى: أنّ هذه الحالة هي جزاءه الدنيوي على حالة الغفلة هذه.

وبالنظر إلى أنّ كلمة«يعش»من مادّة«عشو»على وزن‌«نَشَر»،بمعنى ضعيف النور في بصره فلا يرى‌ شيئاً بوضوح وكأنما يغطي عينه حجاب فلا يرى الحقيقة بوضوح، ومفهومها ليس هو سوى الغفلة والاعراض عن اللَّه تعالى، ويقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌«إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرّاً قيِّضَ لَهُ شَيطاناً قَبْلَ مَوتِهِ بِسَنَةٍ، فَلا يرى‌ حَسَناً الّا قَبَّحَهُ عِنْدَهُ حَتَّى‌ لا يَعْمَلُ بِهِ، وَلا يَرى‌ قَبِيحاً الّا حَسَّنَهُ حَتّى يَعْمَلُ بِهِ»[3].

وفي‌«الآية العاشرة»يتحدّث القرآن الكريم عن المتقين والّذين يقابلون امواج الوساوس الشيطانية ويعالجون حالات الغفلة مهما كانت قليلة بذكر اللَّه تعالى، فتكون النتيجة أنّ حجب الغفلة وتراكمات الوساوس تنقشع عن القلب وتنفتح البصيرة فتقول الآية

[1]. روح البيان، ج 6، ص 493.

[2]. سورة الزخرف، الآية 36.

[3]. روح البيان، ج 8، ص 369.