ثلثي مكيال المعاشرة، ومفهومه هو أنّ الإنسان لا ينبغي أن يعيش الغفلة وعدم الاطلاع بالنسبة إلى مسائل الحياة والمعيشة بل يجب الانتباه واليقظة والتعامل مع الامور بدقّة متناهية ليحرز بذلك خيره وصلاحه، ولكن من جهة اخرى يجب عليه أن يعيش«التغافل»بالنسبة إلى الامور الّتي ينبغي عليه التغافل عنها وجعلها في زاوية النسيان والاهمال من قبيل التفكير في المسائل الجزئية للحياة والّتي ليست بذات قيمة، لأنّ التفكر في مثل هذه الامور والسفاسف بإمكانه أن يمنع الإنسان من التفكير في المسائل الأهم منها، وكذلك اخفاء عيوب الآخرين المستورة في الموارد الّتي تستوجب المصلحة ذلك فإنّ التغافل في مثل هذه الموارد يعتبر أمراً محموداً.
2- وقد ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله«مِنْ اشْرَفِ اعمالِ الْكَريمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ»[1].
3- وفي حديثٍ آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«مَنْ لَمْ يَتَغَافَلْ وَلَا يَغُضَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الاموُرِ تَنَغَّصَتْ عِيْشَتُهُ»[2].
وبديهي أنّ الحياة الدنيا لا تخلو من بعض الامور الّتي قد تحدث للإنسان من غير توقع أو لا تسير الحياة كما هو المطلوب وكما يريد لها الإنسان، فلو أنّ الشخص قد تحرّك في تعامله مع الحياة من موقع الفحص والدقّة في جزئيات الامور وعاش الفضول في حياة الآخرين وأخذ يحاسبهم ويعاتبهم على كلّ صغيرة وكبيرة فإنّ حياته ومعيشته سوف تتنغص ويتفرق الآخرون من حوله.
ونختم هذا البحث بالحديث الشريف الوارد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أيضاً حيث يقول«وَعَظِّموُا اقْدَارَكُمْ بِالتَّغَافُلِ عَنِ الدَّنِّيِ مِنَ الامُورِ ... وَلَا تَكوُنوا بَحَّاثِينَ عَمَّا غَابَ عَنْكُمْ، فَيَكْثُرُ عَائِبُكُمْ ... وَتَكَرَّموُا بِالتّعَامِي عَنِ الاسْتِقْصَاءِ»[3].
ومن هذا الحديث وكذلك بعض الأحاديث الاخرى يستفاد جيداً أنّ هذا المفهوم«التغافل»لا يرد إلّافي الموارد الجزئية والصغيرة من سفاسف الحياة والواقع الاجتماعي.
[1]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الرقم 222.
[2]. غرر الحكم، ح 9149.
[3]. بحار الأنوار، ج 75، ص 64.
وعلى هذا الأساس فإنّ«التغافل»لا يتقاطع مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتقاد البنّاء في حركة الحياة الاجتماعية لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعلقان بالواجبات والمحرمات الّتي هي خارجة عن دائرة«التغافل»،واما الانتقاد البنّاء فيتعلق بالامور المصيرية في حياة الفرد والمجتمع والّتي يترتب عليها نتائج مهمة، في حين أنّ التغافل لا يتعلق بالامور الجسيمة وذات الأهمية أو الامور الّتي تكون المصلحة في سترها والتغاضي عنها.
17- البخل والشحّ
تنويه:
إن النعم والمواهب الإلهية على الإنسان تكون في كثيرٍ من الموارد أكثر من حاجة الإنسان نفسه بحيث يمكنه أن يسهم الآخرين بها ويشاركهم في الاستفادة منها بدون أي ضرر يُلحق به، ولكنَّ بعض الناس وبسبب البخل والشح يمتنعون من ذلك ولا يجدون في أنفسهم رغبة في العطاء والجود بما لديهم من نِعم كثيرة، وأحياناً يتحركون من موقع التفرج والتفاخر بهذه النعم والثروات الدنيوية إلى درجة أنّهم يثيرون حفيظة المحرومين ويجرحون قلوبهم بذلك وكأن هؤلاء يجدون لذّة خاصّة في إثارة المحرومين هؤلاء.
وأحياناً تقترن هذه الصفة مع حالة«الانانية»و«التكبر» و «الحرص»وأمثال ذلك من الصفات السلبية القبيحة.
إذا نظرنا إلى عالم الوجود من موقع التدبر والتأمل فسوف نشاهد آيات البذل والكرم والجود والانفاق في كلّ مكان، الشمس تحترق دائماً وتبدل بعض وجودها إلى نور وحرارة وتُرسله إلى جميع المنظومة الشمسية حيث تعيش المخلوقات والأحياء بهذا النور الساطع وتستدفي بهذه الحرارة الكافية.
الأرض بدورها تُخرج ما في باطنها من أنواع الكنوز والمعادن الثمينة والمواد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الغذائية والمياه الجوفية، كلّ ذلك تضعه تحت اختيار الإنسان مجاناً وتعينه بذلك على مصاعب الحياة، وهكذا الحال في سائر موجودات هذا العالم الفسيح فإنّ كلّ واحدة منها يعطي للإنسان ما لديه مظهراً بذلك كرمه وجوده.
ومضافاً إلى هذا العالم الكبير نرى في العالم الصغير، أي الإنسان أيضاً نفس هذه المسألة، فالقلب، والجهاز التنفسي، والمعدة، العين، الاذن، اليد والرجل كلّها لا تعمل من أجل ذاتها فقط بل تخدم في حركتها وحياتها جميع أجزاء البدن، فلا معنى للبخل في وجودها، بل كلّما هناك هو الكرم والجود يترشح من جميع أجزاء البدن وجميع خلاياه.
في هذا العالم الّذي تحكم فيه معالم الكرم والسخاء فهل هناك من مكان للإنسان البخيل؟ ألا يتقاطع وجود هذا الإنسان البخيل مع عالم الوجود وبالتالي فإنه محكوم بالموت والاندثار والزوال؟
على هذا الأساس نرى ذمّ«البخل»ومدح«السخاء والكرم»بشكل واسع في الآيات والروايات الإسلامية حيث نرى أنّ«الجود والسخاء»بعنوان أنّهما من الصفات والأسماء الإلهية البارزة في عالم الوجود وتمثل سمة من سمات الأئمّة المعصومين عليهم السلام أيضاً.
بهذه الإشارة نعود إلى آيات القرآن الكريم لنستوحي منها ما يضفي على مفهوم«البخل» و «السخاء»ضوءاً وجلاءاً أكثر:
1- «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَاتَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْأَخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ»[1].
2- «انّا بَلَوْنَاهُم كَما بَلَوْنا اصْحَابَ الْجَنَّةِ اذ اقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحينَ* وَلايَسْتَثْنُونَ* فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُم نَائِمُونَ* فَاصْبَحَتْ كَالصَّريمِ»[2].
[1]. سورة القصص، الآية 76- 77.
[2]. سورة القلم، الآية 17- 20.
3- «وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَاوَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ»[1].
4- «وَلَايَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَابَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَا ثُ السَّمَاوَا تِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»[2].
5- «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»[3].
6- «وَامَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى* فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرى»[4].
7- «هَا أَنتُمْ هَؤُلَا ءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ ا لْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ا لْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَايَكُونُواْ أَمْثَالَكُم»[5].
8- «.. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[6].
9- «وَالَّذِينَ اذَا انْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً»[7].
10- «قُلْ لَوْ انْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّي اذاً لَامْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الانْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُوراً»[8].
[1]. سورة التوبة، الآية 75- 77.
[2]. سورة آل عمران، الآية 180.
[3]. سورة النساء، الآية 37.
[4]. سورة الليل، الآية 8- 10.
[5]. سورة محمّد، الآية 38.
[6]. سورة التغابن، الآية 16 وسورة الحشر، الآية 9.
[7]. سورة الفرقان، الآية 67.
[8]. سورة الإسراء، الآية 100.
تفسير واستنتاج:
مصير البخلاء
«الآيات الاولى»من الآيات محل البحث تستعرض حادثة مهمة من الحوادث الّتي جرت على بني إسرائيل، فكانت عبرة لمن اعتبر ذلك أنّ أحد أثرياء بني إسرائيل وبسبب البخل والتكبّر والغرور، ابتلي بمصيرٍ عجيب وموحش.
لقد كان«قارون»من أقرباء النبي موسى عليه السلام ومن الوجوه والشخصيات الثرية المعروفة لبني إسرائيل، وحسب الظاهر كان من أوّل المؤمنين بموسى عليه السلام أيضاً وكان مطلعاً وعارفاً بالتوراة، ولكنه كان كمثل الكثير من الأثرياء انانياً ومحبّاً للدنيا وبعيداً عن اللَّه، وكان يحبّ بشكل عجيب اظهار مالديه من الثروة أمام فقراء بني إسرائيل، وكان في كلّ مرّة يظهر عليهم بزينته وثروته الهائلة يخفق قلوب أصحاب الدنيا وأهل الطمع من بني إسرائيل حتّى وصل بهم الأمر إلى أن يكون أملهم الوحيد أن يكونوا مثل قارون من حيث الثراء وكثرة المال.
يقول القرآن المجيد في هذه الآيات «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ»[1].
لقد كان ظلمه وبغيه على قومه بسبب«البخل»الشديد حيث لم يكن راغباً في بذل شيءٍ منها، وفي نفس الوقت كان يخرج على الناس والفقراء بزينته وثراءه الفاحش ويجد بذلك لذّة في نفسه، والأمر الآخر أيضاً الّذي زاد من بغيه هو مخالفته الشديدة للنبي موسى عليه السلام وتعامله مع الفراعنة وخاصّةً عندما طلب منه موسى عليه السلام اداء الزكاة.
وأساساً أنّ الأثرياء وأصحاب الدنيا لديهم علاقة شديدة في تقوية نفوذهم وقدرتهم في المجتمع، وهذه العلاقة تارةً تكون بدافع من حبّ التكاثر، واخرى بسبب الخوف من القدرات السياسية والاجتماعية الاخرى لكي لا يلحق بثروتهم الضرر من قبل هذه القدرات وقوى السيطرة والسلطة، ولهذا السبب كانوا يقفون من الأنبياء ودعوتهم السماوية الّتي كانت تستوعب الناس وتظلهم تحت خيمة الحكومة الإلهية، كانوا يقفون منها موقف العناد والرفض.
[1]. سورة القصص، الآية 76.
القرآن الكريم في إدامة حديثه عن قارون وثروته يقول في هذه الآية «وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ»[1].
لقد كان قارون فرحاً جدّاً من وضعه الاجتماعي وكان يعيش دائماً حالة اللهو واللّذة ولا يشعر بما يجري على البؤساء والفقراء ولا يعيش محنتهم وحرمانهم وحتّى عندما قال له العقلاء من قومه «إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَاتَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْأَخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ»[2].
هذه التعاليم الخمسة والنصائح المشفقة ليس لم تؤثر إطلاقاً في قلب قارون الأسود، بل زادته طغياناً وضلالًا إلى درجة انه انكر بصراحة التوحيد الأفعالي للَّهتعالى وقال:«إنما اوتيته على علم».
ويتحدّث القرآن الكريم في آياتٍ اخرى من هذه السورة عن إحدى الرذائل الأخلاقية لقارون الّتي تتمثل تقريباً بدرجة من الجنون الّذي يبتلي به جميع الأثرياء المغرورين والّذين يتحركون في خطّ الإنحراف وطلب المزيد من الثروة والمال بعيداً عن اللَّه تعالى فتقول الآية: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»[3].
وأخذ يتبرج بهذه الثروة الطائلة من موقع الغرور والتفاخر حيث استعرض معه الجياد الغالية المزينة بالذهب وحمل معه الجواري الجميلات الغارقات بأنواع الزينة والمجوهرات وكذلك سائر أنواع الأموال والثروة وزخارف الدنيا وبريقها الخداع حتّى أنّ طائفة من المؤمنين نصحوه بترك هذه السلوكيات الذميمة، إلّاأنّه بدلًا من أن يستمع إليهم ويسلك مع الفقراء والمعدمين مسلك اللطف والكرم والمواساة فانه انطلق من موقع العناد
[1]. سورة القصص، الآية 76.
[2]. سورة القصص، الآية 76- 77.
[3]. سورة القصص، الآية 79.