بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 343

الكبير، وقرروا أيضاً فيما بينهم أن ينهضوا في الصباح الباكر ومن دون اعلان أو سخط ليقطفوا ثمار هذا البستان مع مجموعة من العمال وقبل أن يستيقظ الفقراء والمساكين من نومهم ويصل إليهم الخبر فإنّهم يقومون بنقل هذا المحصول الكثير.

يقول البرسوئي في‌«روح البيان»:«إنّ هذه الحادثة وقعت بعد عصر عيسى‌ بقليل حيث كان لهم أب كريم جداً، فكان يأخذ من بستانه ما يكفيه لسنته ويوزع الباقي على الفقراء، ولكن ما أن توفي الأب حتّى قال الأولاد: إننا إذا سرنا بسيرة والدنا فإنّ حياتنا ستكون شاقة، لكثرة عيالنا وأطفالنا، فأقسموا أن يعجلوا في الصباح الباكر على قطف الثمار وحتّى أنّهم لم يقولوا: إن شاء اللَّه»[1].

وقد أنزل اللَّه تعالى عليهم عذاباً أليماً وعاقبهم بأشد العقاب كما تقول الآية «فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ»[2].

أجل، إن صاعقة محرقة ونار رهيبة نزلت على ذلك البستان وأحرقته من أوّله إلى آخره «فَاصْبَحَتْ كَالصَّريمِ»[3].

«الصريم»هو الشجرة غير المثمرة، أي أنّ الصاعقة اتلفت الثمار فقط دون الأشجار الّتي بقي منها الجذوع فقط، وفي الغد عندما نهض الاخوة وذهبوا في الصباح الباكر إلى بستانهم ترجموا خطتهم على أرض الواقع، فلما وصلوا إلى ذلك البستان ورأوا ذلك المنظر المهيب والمفجع قالوا: «فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا انَّا لَضَالُّونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ»[4].

جملة«انّا لضالّون»إشارة إلى أنّهم لم يكونوا يصدقون أنّ هذا البستان قد احترق بأكمله بعد ما كان قبل قليل زاهراً ومليئاً بالثمار ولكن عندما دققوا النظر أدركوا من خلال القرائن أنّ هذا البستان المحترق هو بستانهم الّذي اصبح بهذه الصورة لذلك قالوا «بَلْ نَحْنُ مَحرُومُونَ».

[1]. روح البيان، ج 10، ص 114، (لقد استفاد من كلمة «ولا يستثنون» أنّ المراد هو قول «إن شاء اللَّه»، ولكن المناسب مع مفهوم الآية هو أنّهم لم يتركوا شيئاً من ثمار البستان إلى الفقراء).

[2]. سورة القلم، الآية 19.

[3]. سورة القلم، الآية 20.

[4]. سورة القلم، الآية 26 و 27.


صفحه 344

وهناك احتمال آخر، وهو أنّ المراد بالضلالة هنا هي الانحراف عن طريق اللَّه والحقّ لأنهم كانوا يتصورون إن السعادة تكمن في عنصر«البخل»،والحال أنّ الطريق الصحيح لنيل السعادة الحقيقية هو الطريق الّذي سلكه أبوهم الكريم من قبل.

وجاء في الآيات التالية إن هذه المجموعة من البخلاء انتبهوا من نوم الغفلة بسرعة وأخذوا يلومون أنفسهم واعترفوا بذنبهم وعزموا على عدم تكراره في المستقبل بعد أن طلبوا من اللَّه تعالى بستاناً أفضل من السابق، وقد ورد في بعض الروايات أنّ اللَّه تعالى قبل توبتهم ووهبهم بستاناً أفضل وأحسن من بستانهم السابق.

وعلى أية حال فإنّ الآية أعلاه تبين العواقب المؤلمة لحالة«البخل»والشُّح بحيث إن هذه الرذيلة تضر الإنسان حتّى في أمر دنياه العاجلة.

والملفت للنظر أنّ القرآن الكريم يقول في بداية هذه الآيات «إنا بَلَوناهم كما بلونا أصحاب الجنّة» ولعلّ هذا التعبير إشارة إلى حالة القحط الشديد الّذي أصاب مكّة المكرمة بسبب البخل وترك الانفاق من قبل أثرياء قريش.

«الآية الثالثة»تتحدّث عن مصير شخص بخيل في عصر رسول اللَّه، وطبقاً للكثير من التفاسير فإنّ هذا الشخص كان من الأنصار ويدعى‌«ثعلبة بن حاطب»والّذي كان في بداية أمره معسراً وفقيراً بشدة وكان يتمنّى‌ أن يكون يوماً من الأثرياء ولذلك طلب من النبي بإلحاح شديد أن يدعو له بذلك ليكون من الأثرياء.

فقال له النبي صلى الله عليه و آله: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، ولكنه أصرّ على ذلك وقال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يرزقني مالًا والّذي بعثك بالحق لئن رزقني اللَّه مالًا لاعطين كلّ ذي حقّ حقه وهو قوله «وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ»[1].

ثمّ إنّ النبي الأكرم دعا لهذا الرجل بعد إصراره الشديد ليكون عبرةً لغيره فلم تمض فترة

[1]. سورة التوبة، الآية 75.


صفحه 345

إلّا وانفتحت عليه أبواب الرزق والثراء ببركة دعاء النبي صلى الله عليه و آله وحصل على ثروة طائلة غير متوقعة، فملك قطعان كبيرة من الأغنام والإبل وأصبح من الموسرين جدّاً، ولكن عندما نزلت آية الزكاة وسمع بها وعلِمَ انه يجب عليه أن يدفع مقداراً قليلًا من هذه الأموال بعنوان الزكاة إلى الفقراء والمساكين، فما كان من هذا الرجل البخيل إلّاأن نقض عهده مع اللَّه تعالى ومع رسوله الكريم ونسي وعده بمساعدة الفقراء وامتنع من دفع الزكاة.

وهنا يتحدّث القرآن الكريم عن هذه الحالة بايجاز فيقول «فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ»[1].

الرغم من أنّ‌«ثعلبة»لم يكن سوى رجل واحد، ولكن عندما ازدادت أمواله وكثرت ثروته استخدم بعض الأشخاص لحفظها ورعايتها، ولذلك فمن المحتمل أن تكون صيغة الجمع الواردة في الآية إشارة إلى هذا المطلب.

وهناك احتمال آخر وذلك بأن مثل هذه الحالات لا تختّص بثعلبة وطلبه من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، بل إن هذه الحالة تكثر بين الناس في المجتمعات البشرية حيث يطلبون من اللَّه تعالى هذا الطلب ويعدون بشتّى‌ الوعود ولكنهم لا ينجحون في الامتحان الإلهي ويتحركون بعد ذلك من موقع نقض العهود هذه، والسلوك في خط الانانية والبخل وحب الدنيا وعلى أية حال فإنّ النتيجة الحتمية لنقض العهد والبخل هو أن تدب ريح النفاق في قلوب هؤلاء البخلاء وتستمر معهم إلى يوم القيامة كما تقول الآية «فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى‌ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَاوَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ»[2].

أجل، فإنّ الرجل كان في أحد الأيّام من العباد والزهّاد وكان يسمّى بحمامة المسجد وكانت جبهته متورمة كثفنات البعير من أثر السجود ولكن بسبب البخل والانانية والشح فإنه أصبح في مواجهة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بحيث إنه اعترض على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بسبب الأمر بالزكاة وقال بأن الزكاة تشبه الجزية الّتي تؤخذ من أهل الكتاب، وبهذا أصبح في عداد

[1]. سورة التوبة، الآية 76.

[2]. سورة التوبة، الآية 77.


صفحه 346

المنافقين وأخيراً تم طرده من المجتمع الإسلامي.

«الآية الرابعة»تبين في سياقها العقوبة الإلهية الشديدة للبخلاء، وما ورد في هذه الآية من المجازات والكنايات بالنسبة إلى البخل لم ترد في سائر آيات القرآن الكريم حيث تقول الآية «وَلَايَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ...»[1].

ثمّ تضيف الآية «سَيُطَوَّقُونَ مَابَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ»[2]. فتكون الأموال الّتي جمعوها على شكل سلسلة ثقيلة تكبلهم وتمنعهم من أي حركة في عرصات المحشر، وفي ختام الآية يقول تعالى «وَلِلَّهِ مِيرَا ثُ السَّمَاوَا تِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»[3].

هذه الآية تشير إلى أنّ المحافظة على المال والسعي لاكتنازه والبخل به لا ينفع الإنسان شيئاً في حياته الدنيوية لأنّه سوف يضطر إلى ترك كلّ ما لديه ويرحل.

وبالرغم من أنّ بعض الروايات فسّرت الآية أعلاه بمسألة منع‌«الزكاة»ولكن حسب الظاهر فإن مفهوم الآية يستوعب في مضمونه جميع أشكال البخل وحتّى‌ مضافاً إلى البخل بالأموال يشمل البخل بالعلم والمعرفة وأمثال ذلك كما ذكر بعض المفسّرين.

أمّا تصوير الحالة الّتي تجعل هذه الأموال على شكل حلقة وطوق حول رقبة البخيل يوم القيامة، فينبغي القول طبقاً لما ورد في بعض الروايات أنّ تلك الأموال تأتي يوم القيامة على شكل طوق من نار كما ورد في تفسير العياشي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «ما من عبد منع زكاة ماله إلّاجعل اللَّه ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوقاً في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، وهو قول اللَّه: «سَيُطَوَّقُونَ مَابَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ» قال: ما بخلوا به من الزكاة»[4].

[1]. سورة آل عمران، الآية 180.

[2]. المصدر السابق.

[3]. سورة آل عمران، الآية 180.

[4]. تفسير البرهان، ج 1، ص 327، تفسير العياشي، ج 1، ص 207.


صفحه 347

ومن التعبير أعلاه يستفاد بوضوح أنّ التعبير بكلمة«الطوق»هو في الواقع من قبيل تجسم الأعمال التي يسلكها الإنسان ويعملها في الدنيا. لأن‌«الطوق»لا يبتعد ولا ينفصل عن الإنسان بأية حال، وعلى كلّ حال فإنّ التعبيرات المختلفة للآية كلّها تحكي عن قبح‌«البخل»وحسن‌«الانفاق»في سبيل اللَّه والسخاء في المال وسائر المواهب الإلهية على الإنسان.

والملفت للنظر أنّ أموال‌«البخلاء»لا تطوق الإنسان البخيل يوم القيامة فحسب، بل في الدنيا أيضاً تكون بمثابة القيود الّتي تثقل كاهل الشخص بسبب الاهتمام بحفظها وحسابها والخوف من نقصانها او تلفها وأمثال ذلك حيث يتلف الإنسان السنوات العزيزة من عمره من أجلها، ثمّ يضطر إلى تركها والتوجه للحياة الاخرى محملًا بالمسؤولية بسببها.

«الآية الخامسة»تتحدّث عن الأشخاص الّذين لا يعيشون البخل لوحدهم فقط وإنّما يدعون الناس إلى البخل أيضاً، وتبين حالهم من موقع الذمّ والتقبيح وأنّهم مصداق عنوان‌«مختالٍ فخور»،وقد صرَّح القرآن الكريم في عدّة مواضع أنّ اللَّه تعالى لايحب من كان مختالًا فخوراً، ويقول اللَّه تعالى أيضاً بالنسبة إلى هذه الطائفة من الناس «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»[1].

ومن البديهي أنّ اللَّه تعالى لا يحبّ الشخص الّذي يعيش التضاد المطلق مع صفاته الحسنى وأسماء الجلال والجمال للَّه‌تعالى، وبالتالي فإنّ مثل هذا الإنسان يخرج من دائرة سُبل عنايات اللَّه الخاصّة.

والملفت للنظر هو أنّ الآيات الّتي سبقت هذه الآية تشير إلى ما يصيب الإنسان من المصائب والبلايا وأن لا يتعلق الإنسان بهذه الحياة ولا يغتر بما لديه من امكانات مادية وقابليات دنيوية، وليعلم أنّ‌«البخل»لا يجديه شيئاً في عملية الثراء والغنى‌ بل إنّ الحياة

[1]. سورة النساء، الآية 37.


صفحه 348

الدنيا تتقلب من شكلٍ إلى آخر، وبذلك قد يكون أثرى‌ الناس وأكثرهم مالًا في يوم آخر من أفقر الناس، ويتبدل حال الفقير كذلك بين عشية وضحاها ليكون من أغنى‌ الناس، إذاً فلا داعي إلى الفخر والمباهات والغرور بهذه الثروات المتنقلة لانها لا تحل مشكلة حقيقية للإنسان في واقعه النفسي.

والملاحظة المهمة الاخرى هي دعوة هؤلاء البخلاء الآخرين لسلوك طريق البخل أيضاً ليصبح الناس كلّهم مثلهم، فلا يفتضح أمرهم ولا يعيب عليهم الناس حالة الشح والبخل فيهم، مضافاً إلى أنّ مثل هؤلاء الأشخاص قد سحقوا العواطف الإنسانية تحت أقدامهم فهم يعيشون قساوة القلب وعدم الاحساس بالرحمة والعطف تجاه الآخرين، لذلك فإنّهم يتألمون عندما يرون سخاء الآخرين وترحمهم وعطفهم على الفقراء والمحتاجين ويودون أنّهم لو كانوا مثلهم في البخل.

وفي هذا الصدد يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن أميرالمؤمنين عليه السلام بعث إلى رجل بخمسة أوساق من تمر المعيقة، وكان الرجل ممن يرجو نوافله ويؤمل نائله ورفده وكان لا يسأل علياً عليه السلام ولا غيره، فقال رجل لأميرالمؤمنين عليه السلام: واللَّه ما سألك فلان ولقد كان يجزيه من الخمسة أوساق وسق واحد، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام: لاكثّر اللَّه في المؤمنين ضربك اعطي أنا وتبخل أنت، للَّه‌أنت، إذا أنا لم اعط الّذي يرجوني إلّابعد المسألة ثمّ أعطيته بعد المسألة فلم أعطه إلّاثمن ما أخذت منه، وذلك لأني عرضته أن يبذل لي وجهه الّذي يعفّره في التراب لربي وربّه ...»[1].

«الآية السادسة»وضمن الإشارة إلى العقوبة الشديدة والعذاب الاليم الّذي ينتظر البخلاء تقول «وَامَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى‌* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى‌* فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرى‌* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ اذْا تَرَدّى‌»[2].

[1]. وسائل الشيعة، ج 6، ص 318.

[2]. سورة الليل، الآية 8- 10.


صفحه 349

ويتضح جيداً من سياق هذه الآيات ما يلي:

1- إن البخل لا يتسبب في رفع حالة الاحتياج والفاقة في النفس بل إنّ سلوك هذا الطريق سوف يزيد من مشاكل الإنسان الدنيوية والاخروية (والملفت للنظر أنّ كلمة«العسرى»في الآية مطلقة تشمل جميع اشكال العسر في الدنيا والآخرة).

2- على فرض أنّ هذا الإنسان استطاع الحصول على ثروة طائلة من هذا السبيل واستطاع نقلها إلى الآخرة، ولكن ماذا ينفع ذلك عندما يهوي إلى جهنم في ذلك اليوم؟

وقد ذكر المفسّرون في تفسير كلمة«يسر»وهي النقطة المقابلة للعسر، احتمالات كثيرة تأتي كلّها أيضاً في النقطة المقابلة لها، أي مفهوم‌«العسر»،الاحتمال الأوّل: أنّ المقصود من ذلك تهيئة أسباب التوفيق للتحرّك في خطّ الطاعة والإيمان والانفتاح على اللَّه تعالى، وعلى العكس من ذلك كلمة«العسر»و الّتي تعني سلب التوفيق للطاعة والايمان، وذهب بعض آخر إلى أن معنى هذه الكلمة هو سهولة الحياة في الدنيا وعدم مواجهة الإنسان صعوبات ومشاكل مهمة في امور المعيشة، ويرى‌ البعض الآخر آنها تعني تيسير طريق الجنّة والثواب الإلهي العظيم يوم القيامة، والبعض الآخر فسّرها بالامدادات الإلهية الغيبية للإنسان وأمثال ذلك ولكن كما تقدّمت الإشارة إليه فإنّ مفهوم‌«العسر»وكذلك‌«اليسر»مفهوم واسع يستوعب جميع هذه الامور المتعلقة بحياة الإنسان الدنيوية والاخروية.

وفي‌«الآية السابعة»نجد خطاباً إلهياً لأصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من موقع الذم والتقريع حيث تقول الآية «هَا أَنتُمْ هَؤُلَا ءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ»[1].

ومن أجل أن لا يتصور بعض الجهّال أنّ اللَّه تعالى يحتاج لمثل هذه الأموال والانفاق تقول الآية في سياقها أيضاً «وَاللَّهُ ا لْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ا لْفُقَرَآءُ»[2]وعلى هذا الأساس فإنّ ما ينفقه‌

[1]. سورة محمّد، الآية 38.

[2]. نفس المصدر.


صفحه 350

الإنسان من الأموال هو في الواقع أداء للأمانة الإلهية الّتي أودعت عنده لغرض اختباره وامتحانه وتربيته، وبذلك فإنّ اللَّه تعالى أمر عباده بإيصال بعض هذه الأمانة إلى الفقراء والمساكين أو إنفاقها في طريق الجهاد في سبيل اللَّه.

وفي ختام الآية يتحرّك القرآن الكريم من موقع التهديد للأشخاص الّذين يعيشون البخل والشُّح ويقول: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَايَكُونُواْ أَمْثَالَكُم»[1].

وعلى هذا الأساس تنطلق الآية من موقع التهديد للبخلاء بالفناء والاندثار، وهذا من أشد اشكال التهديد الوارد للبخلاء.

وبالرغم من أنّ مصداق الانفاق في سبيل اللَّه ومع ملاحظة سياق الآية والقرائن الموجودة هو الأنفاق في طريق الجهاد، ولكن المفهوم واسع ويشمل كلّ عملٍ خير يتحرّك فيه المؤمن من موقع البذل والعطاء للآخرين.

والكثير من المفسّرين من الشيعة وأهل السنّة ذكروا في ذيل هذه الآية انه بعد نزولها سأل بعض الصحابة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عن مراد القرآن الكريم من هؤلاء القوم الّذين يأتون بعد البخلاء ويحلون محلهم ولا يكونوا أمثالهم من هم؟

فوضع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يده على رجل سلمان الّذي كان جالساً إلى جنبه وقال‌«هَذَا وَقَومُهُ وَالّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الإيمانُ مَنُوطاً بِالثُرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِنْ فَارْسٍ»[2].

«الآية الثامنة»بعد أن تأمر بالانفاق وتؤكد على أنّ الانفاق يورث الإنسان كلّ خير وبركة تقول: «.. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[3].

يقول الراغب الاصفهاني في كتابه‌«مفردات القرآن»الشُّح، (على وزن مخ) بخلٌ مع‌

[1]. سورة محمّد، الآية 38.

[2]. ذكر هذا الحديث «القرطبي» في تفسير «الأحكام»، والبرسوئي في «روح البيان» والفخر الرازي في «التفسير الكبير»، والطبري في «مجمع البيان»، وأبو الفتوح الرازي في تفسيره، والسيوطي في «الدرّ المنثور»، وجماعة آخرون أيضاً ذيل تفسيرهم لهذه الآية.

[3]. سورة التغابن، الآية 16 وسورة الحشر، الآية 9.