بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 346

المنافقين وأخيراً تم طرده من المجتمع الإسلامي.

«الآية الرابعة»تبين في سياقها العقوبة الإلهية الشديدة للبخلاء، وما ورد في هذه الآية من المجازات والكنايات بالنسبة إلى البخل لم ترد في سائر آيات القرآن الكريم حيث تقول الآية «وَلَايَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ...»[1].

ثمّ تضيف الآية «سَيُطَوَّقُونَ مَابَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ»[2]. فتكون الأموال الّتي جمعوها على شكل سلسلة ثقيلة تكبلهم وتمنعهم من أي حركة في عرصات المحشر، وفي ختام الآية يقول تعالى «وَلِلَّهِ مِيرَا ثُ السَّمَاوَا تِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»[3].

هذه الآية تشير إلى أنّ المحافظة على المال والسعي لاكتنازه والبخل به لا ينفع الإنسان شيئاً في حياته الدنيوية لأنّه سوف يضطر إلى ترك كلّ ما لديه ويرحل.

وبالرغم من أنّ بعض الروايات فسّرت الآية أعلاه بمسألة منع‌«الزكاة»ولكن حسب الظاهر فإن مفهوم الآية يستوعب في مضمونه جميع أشكال البخل وحتّى‌ مضافاً إلى البخل بالأموال يشمل البخل بالعلم والمعرفة وأمثال ذلك كما ذكر بعض المفسّرين.

أمّا تصوير الحالة الّتي تجعل هذه الأموال على شكل حلقة وطوق حول رقبة البخيل يوم القيامة، فينبغي القول طبقاً لما ورد في بعض الروايات أنّ تلك الأموال تأتي يوم القيامة على شكل طوق من نار كما ورد في تفسير العياشي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «ما من عبد منع زكاة ماله إلّاجعل اللَّه ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوقاً في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، وهو قول اللَّه: «سَيُطَوَّقُونَ مَابَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ» قال: ما بخلوا به من الزكاة»[4].

[1]. سورة آل عمران، الآية 180.

[2]. المصدر السابق.

[3]. سورة آل عمران، الآية 180.

[4]. تفسير البرهان، ج 1، ص 327، تفسير العياشي، ج 1، ص 207.


صفحه 347

ومن التعبير أعلاه يستفاد بوضوح أنّ التعبير بكلمة«الطوق»هو في الواقع من قبيل تجسم الأعمال التي يسلكها الإنسان ويعملها في الدنيا. لأن‌«الطوق»لا يبتعد ولا ينفصل عن الإنسان بأية حال، وعلى كلّ حال فإنّ التعبيرات المختلفة للآية كلّها تحكي عن قبح‌«البخل»وحسن‌«الانفاق»في سبيل اللَّه والسخاء في المال وسائر المواهب الإلهية على الإنسان.

والملفت للنظر أنّ أموال‌«البخلاء»لا تطوق الإنسان البخيل يوم القيامة فحسب، بل في الدنيا أيضاً تكون بمثابة القيود الّتي تثقل كاهل الشخص بسبب الاهتمام بحفظها وحسابها والخوف من نقصانها او تلفها وأمثال ذلك حيث يتلف الإنسان السنوات العزيزة من عمره من أجلها، ثمّ يضطر إلى تركها والتوجه للحياة الاخرى محملًا بالمسؤولية بسببها.

«الآية الخامسة»تتحدّث عن الأشخاص الّذين لا يعيشون البخل لوحدهم فقط وإنّما يدعون الناس إلى البخل أيضاً، وتبين حالهم من موقع الذمّ والتقبيح وأنّهم مصداق عنوان‌«مختالٍ فخور»،وقد صرَّح القرآن الكريم في عدّة مواضع أنّ اللَّه تعالى لايحب من كان مختالًا فخوراً، ويقول اللَّه تعالى أيضاً بالنسبة إلى هذه الطائفة من الناس «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»[1].

ومن البديهي أنّ اللَّه تعالى لا يحبّ الشخص الّذي يعيش التضاد المطلق مع صفاته الحسنى وأسماء الجلال والجمال للَّه‌تعالى، وبالتالي فإنّ مثل هذا الإنسان يخرج من دائرة سُبل عنايات اللَّه الخاصّة.

والملفت للنظر هو أنّ الآيات الّتي سبقت هذه الآية تشير إلى ما يصيب الإنسان من المصائب والبلايا وأن لا يتعلق الإنسان بهذه الحياة ولا يغتر بما لديه من امكانات مادية وقابليات دنيوية، وليعلم أنّ‌«البخل»لا يجديه شيئاً في عملية الثراء والغنى‌ بل إنّ الحياة

[1]. سورة النساء، الآية 37.


صفحه 348

الدنيا تتقلب من شكلٍ إلى آخر، وبذلك قد يكون أثرى‌ الناس وأكثرهم مالًا في يوم آخر من أفقر الناس، ويتبدل حال الفقير كذلك بين عشية وضحاها ليكون من أغنى‌ الناس، إذاً فلا داعي إلى الفخر والمباهات والغرور بهذه الثروات المتنقلة لانها لا تحل مشكلة حقيقية للإنسان في واقعه النفسي.

والملاحظة المهمة الاخرى هي دعوة هؤلاء البخلاء الآخرين لسلوك طريق البخل أيضاً ليصبح الناس كلّهم مثلهم، فلا يفتضح أمرهم ولا يعيب عليهم الناس حالة الشح والبخل فيهم، مضافاً إلى أنّ مثل هؤلاء الأشخاص قد سحقوا العواطف الإنسانية تحت أقدامهم فهم يعيشون قساوة القلب وعدم الاحساس بالرحمة والعطف تجاه الآخرين، لذلك فإنّهم يتألمون عندما يرون سخاء الآخرين وترحمهم وعطفهم على الفقراء والمحتاجين ويودون أنّهم لو كانوا مثلهم في البخل.

وفي هذا الصدد يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن أميرالمؤمنين عليه السلام بعث إلى رجل بخمسة أوساق من تمر المعيقة، وكان الرجل ممن يرجو نوافله ويؤمل نائله ورفده وكان لا يسأل علياً عليه السلام ولا غيره، فقال رجل لأميرالمؤمنين عليه السلام: واللَّه ما سألك فلان ولقد كان يجزيه من الخمسة أوساق وسق واحد، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام: لاكثّر اللَّه في المؤمنين ضربك اعطي أنا وتبخل أنت، للَّه‌أنت، إذا أنا لم اعط الّذي يرجوني إلّابعد المسألة ثمّ أعطيته بعد المسألة فلم أعطه إلّاثمن ما أخذت منه، وذلك لأني عرضته أن يبذل لي وجهه الّذي يعفّره في التراب لربي وربّه ...»[1].

«الآية السادسة»وضمن الإشارة إلى العقوبة الشديدة والعذاب الاليم الّذي ينتظر البخلاء تقول «وَامَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى‌* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى‌* فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرى‌* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ اذْا تَرَدّى‌»[2].

[1]. وسائل الشيعة، ج 6، ص 318.

[2]. سورة الليل، الآية 8- 10.


صفحه 349

ويتضح جيداً من سياق هذه الآيات ما يلي:

1- إن البخل لا يتسبب في رفع حالة الاحتياج والفاقة في النفس بل إنّ سلوك هذا الطريق سوف يزيد من مشاكل الإنسان الدنيوية والاخروية (والملفت للنظر أنّ كلمة«العسرى»في الآية مطلقة تشمل جميع اشكال العسر في الدنيا والآخرة).

2- على فرض أنّ هذا الإنسان استطاع الحصول على ثروة طائلة من هذا السبيل واستطاع نقلها إلى الآخرة، ولكن ماذا ينفع ذلك عندما يهوي إلى جهنم في ذلك اليوم؟

وقد ذكر المفسّرون في تفسير كلمة«يسر»وهي النقطة المقابلة للعسر، احتمالات كثيرة تأتي كلّها أيضاً في النقطة المقابلة لها، أي مفهوم‌«العسر»،الاحتمال الأوّل: أنّ المقصود من ذلك تهيئة أسباب التوفيق للتحرّك في خطّ الطاعة والإيمان والانفتاح على اللَّه تعالى، وعلى العكس من ذلك كلمة«العسر»و الّتي تعني سلب التوفيق للطاعة والايمان، وذهب بعض آخر إلى أن معنى هذه الكلمة هو سهولة الحياة في الدنيا وعدم مواجهة الإنسان صعوبات ومشاكل مهمة في امور المعيشة، ويرى‌ البعض الآخر آنها تعني تيسير طريق الجنّة والثواب الإلهي العظيم يوم القيامة، والبعض الآخر فسّرها بالامدادات الإلهية الغيبية للإنسان وأمثال ذلك ولكن كما تقدّمت الإشارة إليه فإنّ مفهوم‌«العسر»وكذلك‌«اليسر»مفهوم واسع يستوعب جميع هذه الامور المتعلقة بحياة الإنسان الدنيوية والاخروية.

وفي‌«الآية السابعة»نجد خطاباً إلهياً لأصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله من موقع الذم والتقريع حيث تقول الآية «هَا أَنتُمْ هَؤُلَا ءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ»[1].

ومن أجل أن لا يتصور بعض الجهّال أنّ اللَّه تعالى يحتاج لمثل هذه الأموال والانفاق تقول الآية في سياقها أيضاً «وَاللَّهُ ا لْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ا لْفُقَرَآءُ»[2]وعلى هذا الأساس فإنّ ما ينفقه‌

[1]. سورة محمّد، الآية 38.

[2]. نفس المصدر.


صفحه 350

الإنسان من الأموال هو في الواقع أداء للأمانة الإلهية الّتي أودعت عنده لغرض اختباره وامتحانه وتربيته، وبذلك فإنّ اللَّه تعالى أمر عباده بإيصال بعض هذه الأمانة إلى الفقراء والمساكين أو إنفاقها في طريق الجهاد في سبيل اللَّه.

وفي ختام الآية يتحرّك القرآن الكريم من موقع التهديد للأشخاص الّذين يعيشون البخل والشُّح ويقول: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَايَكُونُواْ أَمْثَالَكُم»[1].

وعلى هذا الأساس تنطلق الآية من موقع التهديد للبخلاء بالفناء والاندثار، وهذا من أشد اشكال التهديد الوارد للبخلاء.

وبالرغم من أنّ مصداق الانفاق في سبيل اللَّه ومع ملاحظة سياق الآية والقرائن الموجودة هو الأنفاق في طريق الجهاد، ولكن المفهوم واسع ويشمل كلّ عملٍ خير يتحرّك فيه المؤمن من موقع البذل والعطاء للآخرين.

والكثير من المفسّرين من الشيعة وأهل السنّة ذكروا في ذيل هذه الآية انه بعد نزولها سأل بعض الصحابة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عن مراد القرآن الكريم من هؤلاء القوم الّذين يأتون بعد البخلاء ويحلون محلهم ولا يكونوا أمثالهم من هم؟

فوضع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يده على رجل سلمان الّذي كان جالساً إلى جنبه وقال‌«هَذَا وَقَومُهُ وَالّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الإيمانُ مَنُوطاً بِالثُرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِنْ فَارْسٍ»[2].

«الآية الثامنة»بعد أن تأمر بالانفاق وتؤكد على أنّ الانفاق يورث الإنسان كلّ خير وبركة تقول: «.. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[3].

يقول الراغب الاصفهاني في كتابه‌«مفردات القرآن»الشُّح، (على وزن مخ) بخلٌ مع‌

[1]. سورة محمّد، الآية 38.

[2]. ذكر هذا الحديث «القرطبي» في تفسير «الأحكام»، والبرسوئي في «روح البيان» والفخر الرازي في «التفسير الكبير»، والطبري في «مجمع البيان»، وأبو الفتوح الرازي في تفسيره، والسيوطي في «الدرّ المنثور»، وجماعة آخرون أيضاً ذيل تفسيرهم لهذه الآية.

[3]. سورة التغابن، الآية 16 وسورة الحشر، الآية 9.


صفحه 351

حرص وذلك فيما كان عادة.

«الفلاح»بمعنى الشق والقطع، ويستخدم لكلّ اشكال السعادة والنجاح والنصر والوصول إلى المقاصد والأهداف في حركة الحياة، وينقسم أيضاً إلى الفلاح المادي والمعنوي.

وقد ورد في الآيات السابقة لهذه الآية انذار وتحذير للمسلمين بالنسبة إلى الفتنة من الأموال والأولاد، والظاهر انه مع هذا البيان تريد الآية أن تبيّن موانع الانفاق لانه أحياناً يواجه الشخص الوساوس من قبل الأبناء لكيلا يؤدي بهم انفاق الأب إلى الفقر والحاجة أو يعيشوا بدون ميراث، وأحياناً اخرى‌ يعيش الإنسان الوساوس النفسية من مستقبل ابنائه وأنّهم سوف يعيشون حالة الفقر بعده، فيمنعه ذلك من الانفاق، ومن المعلوم أنّ جميع هذه الوساوس تعد من أحابيل الشيطان ومن موانع‌«الفلاح»والنجاح في معراج الكمال المعنوي، وتورث الإنسان الحرص والبخل الشديد.

وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام انه كان يطوف بالبيت من الليل إلى الصباح ويقول‌«اللّهُمَّ قِني شُحَّ نَفْسي»يقول الراوي فسألته: بأبي أنت وامّي لم اسمع منك هذه الليلة غير هذا الدعاء، فقال‌«وَايُّ شَي‌ءٍ اشَدُّ مِنْ شُحِ النَّفْسِ انَّ اللَّهَ يَقُولُ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاولئكَ هُمُ المُفلِحُون»[1].

وعلى هذا فصفة«البخل»تعد من الموانع المهمة للفلاح إلى درجة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يدعو اللَّه تعالى في طوافه بالبيت من الليل إلى الصباح بهذا الدعاء ويعتبر أنّ هذه الحاجة هي من أهم حاجاته في خطّ الإيمان والطاعة والتربية النفسية.

وتعبير«خيراً لأنفسكم»بعد الأمر بالانفاق هو إشارة إلى هذه النكتة اللطيفة، وهي أنّ السخاء والانفاق في سبيل اللَّه تعود معطياته الايجابية على الإنسان نفسه حيث تربّي فيه الروح الإنسانية ويتخلص قلبه من ظلمات الحرص وقيود«البخل»،ويترتب على ذلك الكثير من البركات المادية والمعنوية في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.

[1]. نور الثقلين، ج 5، ص 346.


صفحه 352

ونختم هذا البحث بذكر حديث شريف في تفسير معنى‌«الشُّح»عن الإمام الصادق عليه السلام حيث سأل‌«الفضيل بن عياض»:هل تعلم معنى‌«الشحيح»فقال: البخيل، فقال له الإمام‌«الشُّحُ اشَدُّ مِنَ الْبُخلِ انَّ الْبَخيلَ يَبْخَلُ بِمَا فِي يَدِهِ وَالشّحيحُ يَشُحُّ عَلَى‌ مَا فِي ايْدِي النّاسِ وَعَلَى‌ مَا فِي يَدِهِ حَتَّى لا يَرى‌ فِي ايْدِي النّاسِ شَيْئاً الّا تَمَنّى‌ انْ يَكُونَ لَهُ بِالْحِلِّ وَالْحَرَامِ، لا يَشْبَعُ وَلا يَقْنَعُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ عَزّوَجَلّ»[1].

«الآية التاسعة»وضمن استعراضها لمسألة«البخل»تحت عنوان التقتير تقول في ذكر صفات عباد الرحمان: «وَالَّذِينَ اذَا انْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً»[2].

«يقتروا»من مادّة«قتر»على وزن‌«صبر»ويقع هذا المفهوم في النقطة المقابلة للاسراف، وأحياناً يذكر الاسراف والاقتار كلٌّ منهما في مقابل الآخر، فالأوّل هو البذل أكثر من الحدّ اللازم، والآخر هو البذل أقل من المقدار اللازم.

وفي الواقع فإنّ‌«قتر»و«اقتار»تعد من المراحل الضعيفة للبخل، لأن الاقتار هو الحدّ الأدنى‌ للانفاق في حين أنّ المراحل الأشد من البخل تفتقد إلى أي شكل من أشكال الانفاق والعطاء، ومع هذا الحال فإنّ اللَّه تعالى ينزه عباده المخلصين من هذه الصفة أيضاً رغم أنّها أفضل من البخل.

الكثير من المفسّرين أوردوا في معنى‌«الاقتار»مفهوم البخل أو الشُّح وأمثال ذلك، وقد وردت رواية في تفسير«علي بن إبراهيم»عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا المعنى حيث ذكرت الرواية أنّ‌«لم يقتروا»بمعنى‌«لَمْ يَبْخَلُوا فِي حَقِّ اللَّهِ عَزّوَجَلّ»[3].

وجاء في بعض التفاسير أنّ بعض الخلفاء أراد تزويج ابنته من أحد الامراء، فعندما سأل هذا الخاطب لابنته عن مقدار ما ينفقه للزواج من ابنته أجاب بجواب جميل وقال‌«الحَسَنَةُ

[1]. نور الثقلين، ج 5، ص 291.

[2]. سورة الفرقان، الآية 67.

[3]. تفسير علي بن سورة إبراهيم، الآية ج 2، ص 117.


صفحه 353

بَيْنَ السَّيِئَتَينِ»ثمّ تلى هذه الآية الشريفة[1].

وفي‌«الآية العاشرة»والأخيرة من الآيات محل البحث نجد خطاباً من اللَّه تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه و آله «قُلْ لَوْ انْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّي اذاً لَامْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الانْفَاقِ»[2].

وفي ختام هذه الآية يقول: «وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُوراً»[3]وهنا وردت كلمة«إنسان»للاشارة إلى الإنسان المنقطع عن اللَّه والّذي لم يتحرّك في طريق التربية النفسية والتهذيب الأخلاقي بل كان يسير في خطّ البخل والامساك والتقتير، وإلّا فإنّ الإنسان إذا تحرّك تحت تعليم‌«أولياء اللَّه»وتربيتهم فإنّ ذلك من شأنه أن يحفظ له فطرته السليمة، فلا يكون بخيلًا أو ممسكاً أو قتوراً، ويستفاد من تعبير الآية أعلاه أن‌«البخل»لا يكون دائماً متزامناً مع حاجات الإنسان الشخصية أو الجماعية بل إنّ هذه الرذيلة الأخلاقية قد تترسخ في وجود الإنسان بحيث لو انه اعطي خزائن اللَّه تعالى لبخل في العطاء أيضاً رغم انه لا يجد في واقعه العملي حاجة إلى كلّ تلك الكنوز والخزائن.

وتعبير «كانَ الإنسانُ قَتُورا» ورد بشكل مطلق كما هو الحال في موارد اخرى من القرآن الكريم في قوله تعالى «انَّ الإنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودَ»[4]و «انَّ الإنسانَ لَكَفُورٌ»[5]و «انَّ الإنسانَ لَكَفُورُ مُبين»[6]و «انَّ الإنسانَ لَظَلوُمٌ كَفَّارٌ»[7].

وأمثال هذه التعبيرات وكلّها تشير إلى أن الإنسان المتصف بمثل هذه الصفات هو من فقد فطرته الأولية السليمة وابتعد عن تعاليم الأنبياء والأولياء في خطّ التربية، وإلّا فإنّ كلّ‌

[1]. تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج 7، ص 4789.

[2]. سورة الإسراء، الآية 100.

[3]. المصدر السابق.

[4]. سورة العاديات، الآية 6.

[5]. سورة الحجّ، الآية 66.

[6]. سورة الزخرف، الآية 15.

[7]. سورة إبراهيم، الآية 34.