بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 350

الإنسان من الأموال هو في الواقع أداء للأمانة الإلهية الّتي أودعت عنده لغرض اختباره وامتحانه وتربيته، وبذلك فإنّ اللَّه تعالى أمر عباده بإيصال بعض هذه الأمانة إلى الفقراء والمساكين أو إنفاقها في طريق الجهاد في سبيل اللَّه.

وفي ختام الآية يتحرّك القرآن الكريم من موقع التهديد للأشخاص الّذين يعيشون البخل والشُّح ويقول: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَايَكُونُواْ أَمْثَالَكُم»[1].

وعلى هذا الأساس تنطلق الآية من موقع التهديد للبخلاء بالفناء والاندثار، وهذا من أشد اشكال التهديد الوارد للبخلاء.

وبالرغم من أنّ مصداق الانفاق في سبيل اللَّه ومع ملاحظة سياق الآية والقرائن الموجودة هو الأنفاق في طريق الجهاد، ولكن المفهوم واسع ويشمل كلّ عملٍ خير يتحرّك فيه المؤمن من موقع البذل والعطاء للآخرين.

والكثير من المفسّرين من الشيعة وأهل السنّة ذكروا في ذيل هذه الآية انه بعد نزولها سأل بعض الصحابة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عن مراد القرآن الكريم من هؤلاء القوم الّذين يأتون بعد البخلاء ويحلون محلهم ولا يكونوا أمثالهم من هم؟

فوضع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يده على رجل سلمان الّذي كان جالساً إلى جنبه وقال‌«هَذَا وَقَومُهُ وَالّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الإيمانُ مَنُوطاً بِالثُرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِنْ فَارْسٍ»[2].

«الآية الثامنة»بعد أن تأمر بالانفاق وتؤكد على أنّ الانفاق يورث الإنسان كلّ خير وبركة تقول: «.. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[3].

يقول الراغب الاصفهاني في كتابه‌«مفردات القرآن»الشُّح، (على وزن مخ) بخلٌ مع‌

[1]. سورة محمّد، الآية 38.

[2]. ذكر هذا الحديث «القرطبي» في تفسير «الأحكام»، والبرسوئي في «روح البيان» والفخر الرازي في «التفسير الكبير»، والطبري في «مجمع البيان»، وأبو الفتوح الرازي في تفسيره، والسيوطي في «الدرّ المنثور»، وجماعة آخرون أيضاً ذيل تفسيرهم لهذه الآية.

[3]. سورة التغابن، الآية 16 وسورة الحشر، الآية 9.


صفحه 351

حرص وذلك فيما كان عادة.

«الفلاح»بمعنى الشق والقطع، ويستخدم لكلّ اشكال السعادة والنجاح والنصر والوصول إلى المقاصد والأهداف في حركة الحياة، وينقسم أيضاً إلى الفلاح المادي والمعنوي.

وقد ورد في الآيات السابقة لهذه الآية انذار وتحذير للمسلمين بالنسبة إلى الفتنة من الأموال والأولاد، والظاهر انه مع هذا البيان تريد الآية أن تبيّن موانع الانفاق لانه أحياناً يواجه الشخص الوساوس من قبل الأبناء لكيلا يؤدي بهم انفاق الأب إلى الفقر والحاجة أو يعيشوا بدون ميراث، وأحياناً اخرى‌ يعيش الإنسان الوساوس النفسية من مستقبل ابنائه وأنّهم سوف يعيشون حالة الفقر بعده، فيمنعه ذلك من الانفاق، ومن المعلوم أنّ جميع هذه الوساوس تعد من أحابيل الشيطان ومن موانع‌«الفلاح»والنجاح في معراج الكمال المعنوي، وتورث الإنسان الحرص والبخل الشديد.

وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام انه كان يطوف بالبيت من الليل إلى الصباح ويقول‌«اللّهُمَّ قِني شُحَّ نَفْسي»يقول الراوي فسألته: بأبي أنت وامّي لم اسمع منك هذه الليلة غير هذا الدعاء، فقال‌«وَايُّ شَي‌ءٍ اشَدُّ مِنْ شُحِ النَّفْسِ انَّ اللَّهَ يَقُولُ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاولئكَ هُمُ المُفلِحُون»[1].

وعلى هذا فصفة«البخل»تعد من الموانع المهمة للفلاح إلى درجة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يدعو اللَّه تعالى في طوافه بالبيت من الليل إلى الصباح بهذا الدعاء ويعتبر أنّ هذه الحاجة هي من أهم حاجاته في خطّ الإيمان والطاعة والتربية النفسية.

وتعبير«خيراً لأنفسكم»بعد الأمر بالانفاق هو إشارة إلى هذه النكتة اللطيفة، وهي أنّ السخاء والانفاق في سبيل اللَّه تعود معطياته الايجابية على الإنسان نفسه حيث تربّي فيه الروح الإنسانية ويتخلص قلبه من ظلمات الحرص وقيود«البخل»،ويترتب على ذلك الكثير من البركات المادية والمعنوية في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.

[1]. نور الثقلين، ج 5، ص 346.


صفحه 352

ونختم هذا البحث بذكر حديث شريف في تفسير معنى‌«الشُّح»عن الإمام الصادق عليه السلام حيث سأل‌«الفضيل بن عياض»:هل تعلم معنى‌«الشحيح»فقال: البخيل، فقال له الإمام‌«الشُّحُ اشَدُّ مِنَ الْبُخلِ انَّ الْبَخيلَ يَبْخَلُ بِمَا فِي يَدِهِ وَالشّحيحُ يَشُحُّ عَلَى‌ مَا فِي ايْدِي النّاسِ وَعَلَى‌ مَا فِي يَدِهِ حَتَّى لا يَرى‌ فِي ايْدِي النّاسِ شَيْئاً الّا تَمَنّى‌ انْ يَكُونَ لَهُ بِالْحِلِّ وَالْحَرَامِ، لا يَشْبَعُ وَلا يَقْنَعُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ عَزّوَجَلّ»[1].

«الآية التاسعة»وضمن استعراضها لمسألة«البخل»تحت عنوان التقتير تقول في ذكر صفات عباد الرحمان: «وَالَّذِينَ اذَا انْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً»[2].

«يقتروا»من مادّة«قتر»على وزن‌«صبر»ويقع هذا المفهوم في النقطة المقابلة للاسراف، وأحياناً يذكر الاسراف والاقتار كلٌّ منهما في مقابل الآخر، فالأوّل هو البذل أكثر من الحدّ اللازم، والآخر هو البذل أقل من المقدار اللازم.

وفي الواقع فإنّ‌«قتر»و«اقتار»تعد من المراحل الضعيفة للبخل، لأن الاقتار هو الحدّ الأدنى‌ للانفاق في حين أنّ المراحل الأشد من البخل تفتقد إلى أي شكل من أشكال الانفاق والعطاء، ومع هذا الحال فإنّ اللَّه تعالى ينزه عباده المخلصين من هذه الصفة أيضاً رغم أنّها أفضل من البخل.

الكثير من المفسّرين أوردوا في معنى‌«الاقتار»مفهوم البخل أو الشُّح وأمثال ذلك، وقد وردت رواية في تفسير«علي بن إبراهيم»عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا المعنى حيث ذكرت الرواية أنّ‌«لم يقتروا»بمعنى‌«لَمْ يَبْخَلُوا فِي حَقِّ اللَّهِ عَزّوَجَلّ»[3].

وجاء في بعض التفاسير أنّ بعض الخلفاء أراد تزويج ابنته من أحد الامراء، فعندما سأل هذا الخاطب لابنته عن مقدار ما ينفقه للزواج من ابنته أجاب بجواب جميل وقال‌«الحَسَنَةُ

[1]. نور الثقلين، ج 5، ص 291.

[2]. سورة الفرقان، الآية 67.

[3]. تفسير علي بن سورة إبراهيم، الآية ج 2، ص 117.


صفحه 353

بَيْنَ السَّيِئَتَينِ»ثمّ تلى هذه الآية الشريفة[1].

وفي‌«الآية العاشرة»والأخيرة من الآيات محل البحث نجد خطاباً من اللَّه تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه و آله «قُلْ لَوْ انْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّي اذاً لَامْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الانْفَاقِ»[2].

وفي ختام هذه الآية يقول: «وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُوراً»[3]وهنا وردت كلمة«إنسان»للاشارة إلى الإنسان المنقطع عن اللَّه والّذي لم يتحرّك في طريق التربية النفسية والتهذيب الأخلاقي بل كان يسير في خطّ البخل والامساك والتقتير، وإلّا فإنّ الإنسان إذا تحرّك تحت تعليم‌«أولياء اللَّه»وتربيتهم فإنّ ذلك من شأنه أن يحفظ له فطرته السليمة، فلا يكون بخيلًا أو ممسكاً أو قتوراً، ويستفاد من تعبير الآية أعلاه أن‌«البخل»لا يكون دائماً متزامناً مع حاجات الإنسان الشخصية أو الجماعية بل إنّ هذه الرذيلة الأخلاقية قد تترسخ في وجود الإنسان بحيث لو انه اعطي خزائن اللَّه تعالى لبخل في العطاء أيضاً رغم انه لا يجد في واقعه العملي حاجة إلى كلّ تلك الكنوز والخزائن.

وتعبير «كانَ الإنسانُ قَتُورا» ورد بشكل مطلق كما هو الحال في موارد اخرى من القرآن الكريم في قوله تعالى «انَّ الإنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودَ»[4]و «انَّ الإنسانَ لَكَفُورٌ»[5]و «انَّ الإنسانَ لَكَفُورُ مُبين»[6]و «انَّ الإنسانَ لَظَلوُمٌ كَفَّارٌ»[7].

وأمثال هذه التعبيرات وكلّها تشير إلى أن الإنسان المتصف بمثل هذه الصفات هو من فقد فطرته الأولية السليمة وابتعد عن تعاليم الأنبياء والأولياء في خطّ التربية، وإلّا فإنّ كلّ‌

[1]. تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج 7، ص 4789.

[2]. سورة الإسراء، الآية 100.

[3]. المصدر السابق.

[4]. سورة العاديات، الآية 6.

[5]. سورة الحجّ، الآية 66.

[6]. سورة الزخرف، الآية 15.

[7]. سورة إبراهيم، الآية 34.


صفحه 354

إنسان لم يُخلق في ذاته كافراً وملوثاً وبخيلًا وظالماً، بل إنّ نظام الخلقة يوجب أن يكون الإنسان سليماً في فطرته وطاهراً في ذاته.

النتيجة:

إن الآيات محل البحث تدلّ على المفهوم الإسلامي والموقف القرآني بالنسبة إلى‌«البخل»وقد ذكرت الآيات الشريفة نماذج من سلوك البخلاء ومصيرهم المشؤوم وعاقبتهم الاليمة والنتائج السلبية المترتبة على البخل في حياة الإنسان المادية والمعنوية، وقد ذكرت الآيات الشريفة البخل بعنوان رذيلة أخلاقية شنيعة من شأنها أن توقع الإنسان في ورطة الشقاء والتعاسة وتبعده عن‌«الفلاح»والسعادة المنشودة.

البخل في منظور الروايات الإسلامية:

ونقرأ في الأحاديث الشريفة روايات شديدة، توضح موقف الإسلام من ظاهرة«البخل»منها:

1- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌«الْبَخيلُ بَعيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعيدٌ مِن النّاسِ، قَريبٌ مِنَ النّارِ»[1].

2- وفي حديث آخر يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«النَّظَرُ الَى الْبَخيلِ يُقْسِيِ الْقَلْبَ»[2].

3- ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله انه كان يطوف بالبيت فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: بحرمة هذا البيت إلّاغفرت لي ذنبي، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: وما ذنبك؟ صفه لي، قال: هو أعظم من أن أصفه لك، قال: ويحك ذنبك أعظم أم الأرضون؟ قال:

بل ذنبي يا رسول اللَّه، قال صلى الله عليه و آله: ويحك ذنبك أعظم أم الجبال؟ قال: بل ذنبي يا رسول اللَّه.

قال صلى الله عليه و آله: فذنبك أعظم أم البحار؟ قال: بل ذنبي يا رسول اللَّه، قال صلى الله عليه و آله: فذنبك أعظم أم‌

[1]. بحار الأنوار، ج 73، ص 308.

[2]. تحف العقول، ص 214.


صفحه 355

السماوات؟ قال: بل ذنبي يا رسول اللَّه، قال صلى الله عليه و آله: ذنبك أعظم أم اللَّه؟ قال: بل اللَّه أعظم وأعلى وأجل. قال: ويحك فصف لي ذنبك، قال: يا رسول اللَّه، إني رجل ذو ثروة من المال، وأنّ السائل ليأتيني ليسألني فكأنما يستقبلني بشعلة من النار، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: إليك عني، لا تحرقني بنارك، فوالّذي بعثني بالهداية والكرامة، لو قمت بين الركن والمقام، ثمّ صليت الفي ألف عام، وبكيت حتّى تجري من دموعك الأنهار وتسقي بها الأشجار، ثمّ متّ وأنت لئيم، لأكبك اللَّه في النار، ويحك أما علمت أنّ اللَّه يقول:

«... وَمَن يَبْخَلْ فَانَّمَا يَبْخَلُ عَن نَفْسِهِ ...»[1].

«.. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[2][3].

هذا الحديث يدلّ بوضوح على أنّ‌«البخل»هو مصدر لأنواع الذنوب والمفاسد بحيث يبعده عن اللَّه تعالى إلى هذه الدرجة.

4- وجاء في حديثٍ آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«يَقُولُ قَائِلُكُم الشَّحيحُ أَعْذَرُ مِنَ الظّالِمِ وَأَيُّ ظُلْمٍ أَظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الشُحِّ حَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلالِهِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ شَحيحٌ وَلا بَخيلٌ»[4].

5- وورد في حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله‌«الشُّحُ وَالايمانُ لا يَجْتَمِعانِ فِي قَلْبِ واحِدِ»[5].

6- وورد في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه و آله أيضاً قوله‌«الْبُخْلُ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ في النّارِ فَلا يَلِجُ النّارُ الّا بَخيلٌ»[6].

7- وورد في أحد الروايات أنّ أحد أصحاب النبي صلى الله عليه و آله استشهد في ميدان الجهاد

[1]. سورة محمّد، الآية 38.

[2]. سورة الحشر، الآية 9.

[3]. جامع السعادات، ج 2، ص 111.

[4]. جامع السعادات، ج 2، ص 111.

[5]. المصدر السابق.

[6]. جامع السعادات، ج 2، ص 110.


صفحه 356

فجاءت امرأة من ذويه وأرحامه تبكيه وتقول يا شهيداه، فقال النبي صلى الله عليه و آله: من أين علمتي انه شهيد،«فَلَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلّمُ بِمَا لا يَعنيهِ اوْ يَبْخَلُ بِمَا لا يَنْقُصُهُ»[1].

هذا الحديث يبين أنّ الكلام بما لا يعني والبخل ولا سيّما بما لا يضره يتسبب في سلب أكبر افتخار قد يناله الإنسان ألا وهو الشهادة في سبيل اللَّه.

8- وقد ورد في النصوص الإسلامية عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كذلك قوله‌«جَاهِلُ سَخيٌّ احَبُّ الَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخيلٍ وَادْوَى‌ الدّاءِ البُخْلْ»[2].

هذا الحديث يوضح أنّ البخل قد يؤدي إلى تلف معطيات العبادة وزوال آثارها الايجابية في حياة الفرد.

9- وأيضاً نقل عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«المُوبِقاتُ ثَلاثٌ شُحٌ مُطاعٌ وَهَوىً مُتَبَّعٌ وَاعجَابُ المَرْءِ بِنَفِسهِ»[3].

10- ونختم هذا الموضوع برواية اخرى عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله رغم وجود روايات كثيرة في هذا الباب، فقد ورد في الحديث النبوي أنّ جماعة من الأسرى‌ جي‌ء بهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فأمر أميرالمؤمنين عليه السلام بضرب أعناقهم ثمّ أمره بإفراد واحد منهم وأن لا يقتله فقال الرجل لم أفردتني من أصحابي والجناية واحدة؟ فقال: إن اللَّه عزّوجلّ أوحى‌ إليّ أنك سخي قومك ولا اقتلك. فقال الرجل: فاني أشهد أن لا إله إلّااللَّه وأنك رسول اللَّه‌[4].

جذور البخل وعلائمه:

إن الجذور الأصلية لهذه الرذيلة الأخلاقية مثل سائر الرذائل الأخلاقية الاخرى تتمثل في ضعف دعائم الإيمان ومعرفة اللَّه لدى الشخص، فالإنسان إذا اعتقد بأن اللَّه تعالى قادر

[1]. جامع السعادات، ج 2، ص 111.

[2]. المصدر السابق، 110.

[3]. المصدر السابق.

[4]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1277، ح 8380.


صفحه 357

على كلّ شي‌ء وإن جميع مفاتيح الخيرات والبركات بيده تعالى يجب أن يتيقن من أنّ اللَّه سيوفي بوعده بالنسبة إلى ما يترتب على الانفاق في سبيل اللَّه إلى النتائج المادية والمعنوية، فإذا عاش الإنسان بهذه العقيدة، فلا مجال لأن يتلوث قلبه بالبخل أو يتصف قلبه بالامساك.

يقول الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام‌«البُخْلُ بِالمَوجُودِ سُوءُ الظَنِّ بِالمَعْبُودِ»[1].

أي أنّ الإنسان يسي‌ء الظن بما وعد اللَّه تعالى من الثواب على الانفاق والبذل في سبيله.

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«ان كانَ الخَلَفُ مِنَ اللَّهِ عزّوجلّ حَقّاً فَالبُخْلُ لِماذَا»[2].

ونقرأ في كتاب‌«فقه الرضا» «ايّاكُمْ وَالبُخْلَ فَانَّهَا عَاهَةٌ لا تَكُونُ في حُر وَلا مُؤمِنٍ انَّها خِلافُ الإيمانِ»[3].

وورد في الحديث القدسي عن رسول اللَّه تعالى صلى الله عليه و آله يقول‌«يَاعَبدِي اتَبْخَلُّني ام تَتَّهِمُني أَم تَظُنُّ انّي عَاجِزٌ غَيرُ قَادِرٍ عَلَى‌ اثَابَتِكَ»[4].

أجل، إن الأحرار والمؤمنين والّذين يؤمنون بوعد اللَّه تعالى فإنّهم يعيشون الاطمئنان لقدرة اللَّه تعالى على جميع أنواع الثواب، فلا تهتز لهم يد في عملية الانفاق في سبيل اللَّه، ولا يجد البخل إلى أنفسهم سبيلًا، بل يتحركون دائماً في خطّ الانفاق والجود على عباداللَّه من الفقراء والمساكين والمحتاجين ولا يطلبون الأجر إلّاممن هو قادر على كلّ شي‌ء وكريم بذاته وعليم بحال عباده.

ومن العلائم الاخرى للبخل هي الاعتذار بالأعذار المختلفة لتبرير الامساك ومنع البذل للآخرين، البخلاء يتحركون دائماً في عملية التغطية على هذه الرذيلة الأخلاقية المترسخة

[1]. غرر الحكم، ح 1258.

[2]. بحار الأنوار، ج 70، ص 300.

[3]. بحار الأنوار، ج 75، ص 346.

[4]. بحار الأنوار، ج 93، ص 10.