بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 356

فجاءت امرأة من ذويه وأرحامه تبكيه وتقول يا شهيداه، فقال النبي صلى الله عليه و آله: من أين علمتي انه شهيد،«فَلَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلّمُ بِمَا لا يَعنيهِ اوْ يَبْخَلُ بِمَا لا يَنْقُصُهُ»[1].

هذا الحديث يبين أنّ الكلام بما لا يعني والبخل ولا سيّما بما لا يضره يتسبب في سلب أكبر افتخار قد يناله الإنسان ألا وهو الشهادة في سبيل اللَّه.

8- وقد ورد في النصوص الإسلامية عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كذلك قوله‌«جَاهِلُ سَخيٌّ احَبُّ الَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخيلٍ وَادْوَى‌ الدّاءِ البُخْلْ»[2].

هذا الحديث يوضح أنّ البخل قد يؤدي إلى تلف معطيات العبادة وزوال آثارها الايجابية في حياة الفرد.

9- وأيضاً نقل عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«المُوبِقاتُ ثَلاثٌ شُحٌ مُطاعٌ وَهَوىً مُتَبَّعٌ وَاعجَابُ المَرْءِ بِنَفِسهِ»[3].

10- ونختم هذا الموضوع برواية اخرى عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله رغم وجود روايات كثيرة في هذا الباب، فقد ورد في الحديث النبوي أنّ جماعة من الأسرى‌ جي‌ء بهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فأمر أميرالمؤمنين عليه السلام بضرب أعناقهم ثمّ أمره بإفراد واحد منهم وأن لا يقتله فقال الرجل لم أفردتني من أصحابي والجناية واحدة؟ فقال: إن اللَّه عزّوجلّ أوحى‌ إليّ أنك سخي قومك ولا اقتلك. فقال الرجل: فاني أشهد أن لا إله إلّااللَّه وأنك رسول اللَّه‌[4].

جذور البخل وعلائمه:

إن الجذور الأصلية لهذه الرذيلة الأخلاقية مثل سائر الرذائل الأخلاقية الاخرى تتمثل في ضعف دعائم الإيمان ومعرفة اللَّه لدى الشخص، فالإنسان إذا اعتقد بأن اللَّه تعالى قادر

[1]. جامع السعادات، ج 2، ص 111.

[2]. المصدر السابق، 110.

[3]. المصدر السابق.

[4]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1277، ح 8380.


صفحه 357

على كلّ شي‌ء وإن جميع مفاتيح الخيرات والبركات بيده تعالى يجب أن يتيقن من أنّ اللَّه سيوفي بوعده بالنسبة إلى ما يترتب على الانفاق في سبيل اللَّه إلى النتائج المادية والمعنوية، فإذا عاش الإنسان بهذه العقيدة، فلا مجال لأن يتلوث قلبه بالبخل أو يتصف قلبه بالامساك.

يقول الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام‌«البُخْلُ بِالمَوجُودِ سُوءُ الظَنِّ بِالمَعْبُودِ»[1].

أي أنّ الإنسان يسي‌ء الظن بما وعد اللَّه تعالى من الثواب على الانفاق والبذل في سبيله.

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«ان كانَ الخَلَفُ مِنَ اللَّهِ عزّوجلّ حَقّاً فَالبُخْلُ لِماذَا»[2].

ونقرأ في كتاب‌«فقه الرضا» «ايّاكُمْ وَالبُخْلَ فَانَّهَا عَاهَةٌ لا تَكُونُ في حُر وَلا مُؤمِنٍ انَّها خِلافُ الإيمانِ»[3].

وورد في الحديث القدسي عن رسول اللَّه تعالى صلى الله عليه و آله يقول‌«يَاعَبدِي اتَبْخَلُّني ام تَتَّهِمُني أَم تَظُنُّ انّي عَاجِزٌ غَيرُ قَادِرٍ عَلَى‌ اثَابَتِكَ»[4].

أجل، إن الأحرار والمؤمنين والّذين يؤمنون بوعد اللَّه تعالى فإنّهم يعيشون الاطمئنان لقدرة اللَّه تعالى على جميع أنواع الثواب، فلا تهتز لهم يد في عملية الانفاق في سبيل اللَّه، ولا يجد البخل إلى أنفسهم سبيلًا، بل يتحركون دائماً في خطّ الانفاق والجود على عباداللَّه من الفقراء والمساكين والمحتاجين ولا يطلبون الأجر إلّاممن هو قادر على كلّ شي‌ء وكريم بذاته وعليم بحال عباده.

ومن العلائم الاخرى للبخل هي الاعتذار بالأعذار المختلفة لتبرير الامساك ومنع البذل للآخرين، البخلاء يتحركون دائماً في عملية التغطية على هذه الرذيلة الأخلاقية المترسخة

[1]. غرر الحكم، ح 1258.

[2]. بحار الأنوار، ج 70، ص 300.

[3]. بحار الأنوار، ج 75، ص 346.

[4]. بحار الأنوار، ج 93، ص 10.


صفحه 358

في أنفسهم من موقع التذرع بالأعذار الواهية بل أنّهم يخدعون أنفسهم أيضاً بمثل هذه الأعذار، وعلى سبيل المثال من كان لديه مالٌ كثير ولكنه غير مستعد للانفاق منه أو إقراض الغير فإنه يتمسك في هذا المنع بالأعذار من قبيل انه يحتمل انني سأواجه مشكلة احتاج فيها إلى هذا المال، أو يحتمل أن يقع ابني مريضاً على الفراش، أو من المحتمل أن يرد عليّ بعض الضيوف، أو أنّ المستقبل الاقتصادي للسوق يتجه إلى الكساد وأمثال ذلك.

يقول الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام في هذا الصدد«الْبَخِيلُ مُتَحَجِّجٌ بِالمَعاذيرِ وَالتَّعاليلِ»[1].

ويقول في مكان آخر«كَثْرَةُ العِلَلِ آيَةُ البُخْلِ»[2].

فمن العلائم الاخرى للشخص البخيل هي ستر النعم والمواهب الإلهية بحجج وذرائع مختلفة عن أنظار الناس لكيلا يطلب الناس منه شيئاً منها، وبالطبع فإنّ هذه الحالة في الكثير من الأوقات تلبس لباس المنطق والدليل من قبيل الخوف من الحسد أو الخوف من الأخطار غير المتوقعة وأمثال ذلك.

العلامة الاخرى للبخل هي انه عندما يواجه الأمر الواقع وينفق شيئاً في سبيل اللَّه فإنه يجد في نفسه ألماً وحزناً كبيراً وكأنه قد فقد شيئاً عزيزاً عليه أو أحد أحبته.

آثار ونتائج البخل:

إن من بين الصفات الذميمة والرذائل الأخلاقية قلما نجد صفة من الصفات تورث الإنسان مشاكل ومصاعب كالبخل بما له من افرازات سلبية كبيرة في حركة الحياة والمجتمع، ومن جملة ذلك فان البخيل بالرغم من سعيه لحفظ أمواله وثروته فإنه يتنازل ويفقد الكثير من شخصيته وحرمته بين الناس، وفي هذا الصدد نجد أنّ الروايات الإسلامية

[1]. غرر الحكم، ح 1275.

[2]. بحار الأنوار، ج 74، ص 209.


صفحه 359

قد أشارت إلى هذا المعنى على نحو الاجمال ومنها:

1- يقول الإمام علي عليه السلام‌«الْبَخيلُ يَسْمَحُ مِنْ عِرْضِهِ بِاكْثَرِ مِمَّا امْسَكَ مِنْ عَرَضِهِ»[1].

2- إن البخيل سوف يفقد باستمرار أصدقائه ورفاقه وبالتالي يصبح وحيداً غريباً أمام المشكلات الكبيرة الّتي تفرزها تحديات الواقع الصعب، وفي ذلك يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«لَيْسَ لِبَخيلٍ حَبيبٌ»[2]؛ وعلى فرض انه كان له صديق لمدّة قصيرة من الزمان فإنّ‌«البخل»يتسبب في الحاق الذلّة لأصدقائه والعزّة لأعدائه كما يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«الَبُخْلُ (البَخيلُ) يُذِلُّ مُصاحِبَهُ وَيُعِزُّ مُجانِبَهُ»[3].

3- إن‌«البخيل»يوقع نفسه في التعب والضنك دائماً، وفي نفس الوقت فإنّ ورثته هم المستفيدون من عمله وتعبه، فهو في الدنيا يتعب نفسه في جمع الأموال، وفي الآخرة يجد نفسه مسؤولًا عنها كما يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«الْبَخيلُ خَازِنٌ لِوَرَثَتِهِ»[4]الورثة الّذين قد لا ينفقون من أمواله درهماً في سبيل اللَّه وفي سبيل بذل الخيرات والمثوبات له.

4-«البخيل»يعيش عيشة الفقراء لأن البخل عندما يشتد على الإنسان فإنه يبخل حتّى‌ على نفسه، وبذلك لايجد السعادة والحياة الطيبة والمريحة لأنّه يعيش التفكير الدائم في كيفية حفظ أمواله وزيادتها، وأحياناً تعرض عليه حالات نفسانية سلبية من قبيل سوء الظن الشديد بمن يحيط به، مثلًا يتصور أنّ الناس ينظرون إليه بعين الطمع ويحسدونه على ما لديه من الأموال والثروات بل ويعادونه أيضاً، وفي الأحاديث الإسلامية نجد أشارات جميلة إلى هذه المسألة، ومن ذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«عَجِبْتُ لِشَقِىَ الْبَخيلِ يَتَعَجَّلُ الفَقْرَ الّذي مِنْهُ هَرَبَ وَيَفُوْتُهُ الْغِنَي الّذي ايّاهُ طَلَبَ فَيَعيشُ في الدُّنيا عَيشَ الفُقَراءِ وَيُحاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسابَ الاغنياءِ»[5].

[1]. شرح غرر الحكم، ج 2 ص 130، ح 2084.

[2]. المصدر السابق، ج 5، ص 78.

[3]. المصدر السابق، ج 1، ص 370، ح 1409.

[4]. شرح غرر الحكم، ج 1، ص 127، ح 464.

[5]. شرح غرر الحكم، ج 4، ص 346، ح 6280.


صفحه 360

وفي حديثٍ آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«اقَلُّ النّاسِ راحَةً الْبَخيلُ»[1].

5-«البخل»يوجب سوء الشهرة والسمعة ويؤدي إلى تهكم الناس ولعنهم لهذا الشخص البخيل كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام‌«بِالْبُخْلِ تَكْثُرُ المَسَبَّةَ»[2].

6-«البخل»جامعٌ للكثير من الأخلاق الرذيلة والصفات الذميمة ويعتبر مصدراً للكثير من الرذائل الأخلاقيه من قبيل سوء الظن، الحسد، الخوف، الجبن، سوء النيّة وتلوث الباطن وقساوة القلب وما إلى ذلك، يقول أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الصدد«النَّظَرُ الَى البَخيلِ يُقْسِيَ الْقَلْبَ»[3].

وورد حديث آخر جامع لمساوى‌ء البخل، يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَساوِي العُيوبِ وَهُوَ زِمامٌ يُقادُ بِهِ الَى‌ كُلِّ سُوءٍ»[4].

درجات البخل:

إن حال‌«البخل»كحال سائر الصفات الرذيلة في أنّ له درجات ومراتب، وبعض هذه المراتب قد تكون خفية إلى درجة تخفى حتّى‌ على الشخص نفسه وتخفى‌ على الآخرين أيضاً، وهناك بعض المراتب إلى درجة من الوضوح بحيث إن كلّ إنسان يدركها حتّى‌ الأطفال.

بعض الناس يبخلون بأموالهم فحسب أي أنّهم غير مستعدين بأن ينتفع الآخرون بأموالهم بأي مقدارٍ كان، والبعض الآخر يتجاوز هذا الحدّ فيبخل بأموال الناس أيضاً، أي انه لو رأى أنّ شخصاً يقوم بالبذل والانفاق على الآخرين فإنه يتألم بذلك، وبعض آخر يتجاوز هذه المرحلة أيضاً فكلما رأى كرماً من الناس حتّى على نفسه فإنه يتألم بذلك وهذا أعجب أشكال البخل.

[1]. بحار الأنوار، ج 70، ص 300.

[2]. شرح غرر الحكم، ج 3، ص 200، ح 4195.

[3]. بحار الأنوار، ج 75، ص 53.

[4]. بحار الأنوار، ج 70، ص 307.


صفحه 361

ومن جهة اخرى فإنّ البعض يبخلون في الامور المادية، والبعض الآخر في الامور المعنوية كمن يبخل في بذل العلم والمعرفة، وبعض الناس يبخلون في الموضوعات المهمة من قبيل بذل الأموال الكثيرة، في حين أنّ البعض الآخر يبخلون حتّى‌ بالمسائل الجزئية من قبيل السلام، والبعض قد يبخل في العطاء والانفاق المستحب في حين أنّ هناك من يبخل حتّى‌ في الواجبات مثل أداء الخمس والزكاة، وبعض البخلاء لا يتحركون في تبرير بخلهم وامساكهم بينما نجد البعض الآخر يتسترون على هذا الامساك والاقتار بالتمسك بعناوين ظاهرية من قبيل عدم الاسراف أو تأمين نفقات الابناء أو الابتعاد عن الرياء والتظاهر أو التشكيك في استحقاق المستحقين وأمثال ذلك.

وعلى هذا فإنّ للبخل فروع متعددة وأشكال مختلفة، وينبغي على المؤمن المتقي مراقبة جميع هذه الاشكال والحذر منها والتصدي لها بإبعادها عن نفسه والحذر من التلوث بها كيما يحصل على مقام القرب الإلهي والكمال المعنوي في حركة الحياة.

ونجد في الروايات الإسلامية اشارات لطيفة إلى أشكال وفروع البخل هذه ومنها:

1- ما ورد عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«الْبُخْلُ بِاخْراجِ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الامْوَالِ اقْبَحُ البُخلِ»[1].

2- وورد في حديثٍ آخر أنّ الإمام علي عليه السلام بعث إلى رجل بخمسة أوساق من تمر ...

فقال رجل لأميرالمؤمنين عليه السلام: واللَّه ما سألك فلان ولقد كان يجزيه من الخمسة أوساق وسق واحد، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام: لاكثّر اللَّه في المؤمنين ضربك، أعطي أنا وتبخل أنت ...»[2].

3- وجاء في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«انَّ ابْخَلَ النّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلامِ»[3].

[1]. غرر الحكم، ح 2038.

[2]. وسائل الشيعة، ج 6، ص 318 مع التلخيص.

[3]. بحار الأنوار، ج 73، ص 4.


صفحه 362

4- وفي الحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«الْبَخيلُ حَقّاً مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[1].

5- ويستفاد من بعض الروايات أنّ بعض مراحل البخل ينطوي تحت عنوان‌«اللئيم»وهو الّذي يعيش الدرجة الشديدة من البخل كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌: «الرِّجَالُ أرْبَعَةٌ سَخيٌ وَكريمٌ وَبَخيلٌ وَلَئيمٌ، فَالسَّخيُ الّذي يَأْكُلُ وَيُعْطِيَ وَالكَريمُ الّذي لا يَأْكُلُ وَيُعطِيُ وَالبَخيلُ الّذي يَأكُلُ ولايُعطِيُ واللّئيمُ الّذي لا يَأكُلُ ولايُعطِيُ»[2].

الوقاية من البخل وعلاجه:

كما أنّ الأمراض البدنية يتم التصدي لها والوقاية منها بالبحث عن جذورها وأسبابها فكذلك الحال في الأمراض الأخلاقية، لأنّه ما لم تقلع جذور المرض فإنّ عناصر المرض تراوح في مكانها وسوف تظهر في آونة اخرى بالرغم من زوال آثارها بشكل مؤقت.

وبما أنّ دوافع‌«البخل»متعددة وكثيرة، فينبغي البحث عن جذور هذا المرض لأن البعض يعيشون التعلّق الشديد بشهوات الدنيا، وبما أنّ الأموال هي الوسيلة للوصول إلى هذه الشهوات فإنّهم يتعلقون بها ويعشقونها إلى درجة أنّهم غير مستعدين لبذل أي مقدار منها، هؤلاء الأشخاص يجب عليهم قطع هذه العلاقة الشديدة بتوجيه النفس واشغال العواطف بامورٍ اخرى‌ والتفكر في العواقب الأليمة للخوض في الشهوات وما يقع فيه أهل الدنيا من المشاكل والازمات، وعند ذلك يتحفظون من السير في هذا الخط المنحرف.

الدافع الآخر للبخل هو طول الأمل، فإنّ الآمال الطويلة تدعو الإنسان إلى جمع المال والبخل في انفاقه، فلو أنّ هذا الإنسان قطع آماله وطموحاته وأدرك أهتزاز الدنيا وتذبذبها وعدم استقامتها على حالٍ واحد، ورأى‌ الأشخاص الّذين رحلوا عن هذه الدنيا بحوادث‌

[1]. بحار الأنوار، ج 70، ص 306.

[2]. بحار الأنوار، ج 68، ص 356.


صفحه 363

مختلفة وأمراض متنوعة بدون انذار أو مقدمات وقد كانت لديهم أعمال وطموحات طويلة وعريضة في هذه الدنيا، فإنّ ذلك من شأنه أن يحد من حالة«البخل»لدى‌ هذا الإنسان.

الباعث الآخر للبخل هو التعلق والعشق للأولاد والأهل والعيال حيث يدفعه ذلك إلى جمع الأموال وادخارها تحسباً لمستقبلهم في حين أنّ اللَّه تعالى قد ضمَّن رزقهم ومعيشتهم، فلو كانوا من أولياء اللَّه وأحباءه فإنّ اللَّه تعالى سوف لا يتركهم لوحدهم ولحالهم، ولو كانوا من أعداء اللَّه فإنّ جمع المال لمثل هؤلاء الأشخاص سيكون أداة لتوغلهم في الذنوب والآثام وستقع مسؤولية ذلك عليه، فليس من العقل والمنطق أن يجمع الإنسان المال ويدخره لمثل هؤلاء الأشخاص، وبالطبع أحياناً نجد بعض الأشخاص وبسبب لياقتهم الذاتية فإنّهم يتمتعون بعيشة حسنة وطيبة من دون أن يرثوا درهماً واحداً من والديهم بل قد يعيشون أفضل من حياة الّذين ورثوا أموالًا طائلة من أبيهم.

والباعث الآخر لذلك كما يقول بعض علماء الأخلاق هو ما يشبه المرض من دون علاج، أي أنّ البعض يحب المال من أجل نفس المال ويعشقه ويسعى‌ دائماً لجمعه والاكثار منه ويستوحش من بذله وانفاقه، هؤلاء اصابتهم حالة من النسيان والغفلة عن أنّ المال إنما هو وسيلة للتوصل إلى الأغراض المادية أو المعنوية، وألا فلو استخدم في غير هذا السبيل وأصبح بحدّ ذاته هدفاً يجمعه الإنسان فإنه لا يختلف حاله مع الحجر والخشب والآجر.

امّا الطريق إلى الوقاية من‌«البخل»فإنّ على الشخص البخيل أن يجاهد نفسه ويعض على نواجذه وينفق من أمواله مهما مانعته نفسه من ذلك، وكلما تكرر منه هذا العلم فإنّ العشق للمال سوف يذوب ويتلاشى من قلبه ومشاعره، كما هو الحال في الشخص الجبان الّذي إذا دخل ميادين الحياة من موقع مواجهة التحديات للواقع والمعيشة، فإنّ ذلك الخوف سوف يزول ويتلاشى‌ بالتدريج، وهكذا بالنسبة إلى الشخص الخجول حيث إنه إذا دخل مجالس الكبار ودفع بنفسه إلى التحدّث في مثل هذه المجالس مرّات عديدة فسوف تزول منه حالة الخجل هذه.