بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 379

19- العجلة والتسرع‌

تلويح:

إن لكلّ عمل مقدّمات بحيث إذا لم تتوفر هذه المقدمات فالاقدام عليه يكون بغير طائل وبلا نتيجة مثمرة، وإذا توفرت هذه المقدمات ولم يقدم الشخص عليه وأفلتت الفرصة من بين يديه فالنتيجة تكون كذلك، فالشخص المدير والمدبر هو الّذي ينتظر ويصبر إلى أن تحين اللحظة المناسبة وتترتب المقدمات ثمّ يقدم على العمل لتحصيل النتيجة المرجوة ولا يتكاسل أو يهمل الموضوع حتّى‌ تفلت منه الفرصة، ولهذا ورد في معنى العجلة والتسرع، أنّ هذه الحالة من الصفات الرذيلة حيث يقدم الإنسان على عملٍ بدون توفر المقدمات المطلوبة وبدون أن تتهيأ الأرضية اللازمة لذلك، وفي مقابل هذه الحالة ورد«الصبر والتأني»الّذي يعد من الفضائل الأخلاقية ودليلًا على عقل الرجل وحركته «وبالطبع فإنّ الصبر له أقسام اخرى سنشير إليها في الفصول اللاحقة».

إن الخسارة العظيمة الّتي تلحق بالأفراد والمجتمعات من جهة العجلة والتسرع أكثر من أن تحصى‌، والقرآن الكريم يوصي الناس من موقع صياغة برنامج جامع للحياة بالصبر والتأني والاجتناب من‌«العجلة والتسرع»مستعيناً بذلك بقصص من سيرة الأنبياء والقادة المصلحين للمجتمعات البشرية السالفة ليبين من خلال هذه القصص والوقائع اضرار


صفحه 380

العجلة المخربة ومعطيات الصبر والتأني الطيبة.

وبهذه الأشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الشريفة ومن سيرة الأنبياء الماضين مفاهيم مؤثرة في حركة الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان:

1- «قَالَ لَهُ مُوسَى‌ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى‌ أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْدًا* قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى‌ مَالَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا* قَالَ سَتَجِدُنِى إِنْ شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا»[1].

2- «وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ا لْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ا لِمحْرَابَ* ... وَظَنَّ دَاوُودُ أَ نَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ»[2].

3- «فَاصْبِر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصاحِبِ الحُوتِ اذ نادى‌ وَهُوَ مَكظُومَّ* لَولَا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وَهُوَ مَذمُومٌ* فَأجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحينَ»[3].

4- «.. وَلَا تَعْجَلْ بِالقُرآنِ مِن قَبْلِ ان يُقضى‌ الَيكَ وَحيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»[4].

5- «خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَاتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ»[5].

6- «وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا»[6].

7- «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَى‌ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ»[7].

8- «وَلَوْ يُعَجّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَايَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ»[8].

[1]. سورة الكهف، الآية 66- 69.

[2]. سورة ص، الآية 21- 24.

[3]. سورة القلم، الآية 48- 50.

[4]. سورة طه، الآية 114.

[5]. سورة الأنبياء، الآية 37.

[6]. سورة الإسراء، الآية 11.

[7]. سورة الرعد، الآية 6.

[8]. سورة يونس، الآية 11.


صفحه 381

9- «وَيَقُولُونَ مَتَى‌ هذَا ا لْفَتْحُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* ... فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ»[1].

10- «فَاصْبِر كَمَا صَبَرَ اوُلُوا العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَستَعْجِلْ لَهُم كَانَّهُم يومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلبَثُوا الّا سَاعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ الّا الْقَومُ الفَاسِقُونَ»[2].

تفسير واستنتاج‌

في‌«الآيات الاولى‌»من الآيات محل البحث يستعرض القرآن قصة الخضر عليه السلام والنبي موسى عليه السلام، وطبعاً فإنّ القرآن الكريم لم يذكر اسم الخضر بل عبّر عنه بقوله‌«عَبْدَاً مِنْ‌عِبَادِنَا»،هذه القصة مشهورة ومعروفة لدى القارى‌ء الكريم، وما هو محل نظرنا وبحثنا منها هو أنّ النبي موسى عليه السلام طلب العلم وذهب إلى حيث ينال العلم بسفرٍ خاصّ وجاء إلى الخضر ليستقي من علومه ومعارفه ما يختلف عن العلوم الّتي اكتسبها عن طريق الوحي، وهي العلوم المتعلقة بأسرار الطبيعة وحقائق الامور والحياة البشرية الّتي لابدّ أن يطلع على قسم منها نبيّ من اولي العزم مثل موسى عليه السلام لتتضح له الصورة جيّداً في عملية التفاعل الإنساني والاجتماعي وليكون على بيّنة من هذه الامور.

وهنا قال الخضر لموسى عليه السلام بعد طلب موسى عليه السلام التعلم منه: بانك لا تتحمل ولا تطيق ما تراه من هذه العلوم لأنك لم تدرك حقائق الامور في باطنها، ولكنَّ النبي موسى عليه السلام وعده بالصبر والتأني واجتناب العجلة والتسرع، فشرط عليه الخضر هذا الشرط وانه إذا صحبتني فيجب أن تلتزم السكوت اتجاه أي فعلٍ يصدر مني مهما كان عجيباً ومنافياً للمقررات والاصول السائدة بين الناس، ولابدّ أن تعلم أنّ في ذلك حكمة سوف أُطلعك عليها، فتقول الآيات وهي تحكي هذه الحادثة «فَوَجَدا عَبداً مِن عِبادِنا ... قَالَ فَانِ‌

[1]. سورة السجدة، الآية 28 و 30.

[2]. سورة الاحقاف، الآية 35.


صفحه 382

اتَّبَعْتَني فَلا تَسْئَلْني عَنْ شَي‌ءٍ حَتّى‌ احدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكراً»[1].

وعلى هذا الأساس أراد الخضر عليه السلام أن يُعلم موسى عليه السلام درساً في روح الصبر والتأني أمام الحوادث والمسائل المختلفة في حركة الحياة ليتربى‌ موسى عليه السلام على هذه الصفة الأخلاقية، ويسلك حياته الاجتماعية بعيداً عن حالة«العجلة والتسرع»في تعامله مع الواقع والحياة «خاصة العجلة في القضاء والحكم ولا سيّما بالنسبة إلى أعمال شخصيات كبيرة مثل موسى عليه السلام ء ومع هذا الوعد والشرط تحركا في مسيرهما وسفرهما حتّى‌ وصلا البحر فوجدا سفينة تريد أن تتحرك وترحل فركبا فيها، فلمّا مضت مدّة رأى‌ موسى‌ عليه السلام أمراً عجيباً من الخضر عليه السلام حيث شاهد الخضر عليه السلام وهو يحاول ايجاد ثقب في اسفل السفينة سراً، فلم يتمالك موسى عليه السلام نفسه أمام هذا العمل الشنيع واعترض على الخضر بشدّة، ولكنَّ الخضر عليه السلام ذكره بوعده والشرط الّذي اشترط عليه، فما كان من موسى عليه السلام إلّاأن تراجع واعتذر عن فعله.

ثمّ استمر في طريقهما وسفرهما، وفجأة ارتكب الخضر عملًا أعجب من الأوّل حيث شاهد صبياً فقتله، وهنا صرخ به موسى عليه السلام محتجاً عليه بانك لماذا تقتل الأبرياء، ولماذا ترتكب هذه الأفعال القبيحة؟

وهنا نجد الخضر عليه السلام يذكره مرّة اخرى بعهده ووعده السابق من إلتزام الصبر والسكوت، فأجابه موسى‌ معتذراً عن هذا التسرع وقال له: إذا رأيت مني اعتراضاً للمرّة الثالثة فإنّ لك الحقّ في أن تنفصل عني.

ثمّ تحركا متنقلين من مدينة إلى اخرى إلى أن وصلا إلى قرية يتسم أهلها بالبخل الشديد وعدم اعتنائهم بالضيف، ولكنَّ الخضر عليه السلام لم يهتم لذلك بل شرَع في ترميم جدار وجده في حالة الانهيار والسقوط، فرأى موسى عليه السلام أنّ مثل هذا العمل تجاه ما رأوه من جفاء أهل هذه القرية هو عمل سخيف، ولذلك نسي مرّة اخرى عهده مع الخضر عليه السلام واعترض عليه في هذا العمل.

[1]. سورة الكهف، الآية 65- 70.


صفحه 383

وهنا جلس الخضر عليه السلام ليشرح لموسى عليه السلام أسرار هذه السلوكيات والأفعال الغريبة ويبين له الحقائق الخفية لعالم الوجود بحيث إن موسى عليه السلام شعر بأنه قد فتحت أمامه نافذة جديدة على أسرار حياة الناس، وعندها ودع الخضر عليه السلام موسى عليه السلام بعد أن حمله معارف جمة من هذه العلوم الغريبة.

وأخيراً تقول الآيات الكريمة في استعراضها لما حدث بين الخضر وموسى عليهما السلام حيث تبين تفاصيل ورموز العلل الكاملة وراء هذه التصرفات العجيبة للخضر عليه السلام وتقول على لسان الخضر عليه السلام‌

«أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً».

«وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً* فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً».

«وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً»[1].

ولو أنّ موسى عليه السلام لم يستعجل بحكمه على أفعال الخضر عليه السلام لكان قد بقي مع الخضر واستفاد أكثر من علومه، ولكنَ‌«العجلة والتسرع»كانا السبب لأن يحصل على هذه الثمار الثلاثة فقط ويحرم من الزيادة.

«الطائفة الثانية»من الآيات محل البحث تستعرض واقعة اخرى لأحد الأنبياء العظام حيث تسببت العجلة والتسرع في القضاء والحكم أن يقع مورد العتاب الإلهي.

والقصة هي انه بينما كان داوود عليه السلام يوماً في محرابه إذ دخل عليه رجلان أحدهما يشتكي من الآخر ويقول: «انَّ هَذَا اخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ‌

[1]. سورة الكهف، الآية 60- 82.


صفحه 384

اكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ»[1].

وقبل أن يتحقق داود من المسألة ويدرس كافة تفاصيلها تسرع في الحكم «... لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤآلِ نَعْجَتِكَ الَى نِعَاجِهِ ...»[2].

وهنا انتبه النبي داوود عليه السلام إلى انه ارتكب الترك الأولى «وَظَنَّ دَاوُودُ أَ نَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ»[3].

وليس هذا البحث محلًا مناسباً لدراسة هذه الواقعة بتمام تفاصيلها الدقيقة «وقد بحثناها في التفسير الأمثل بالتفصيل» ولكننا نقتصر على بيان هذه الحقيقة، وهي أنّ‌«العجلة والتسرع»وخاصّةً بالنسبة إلى القضاء والحكم بين الناس سيفضي حتماً إلى تعقيد الامور والفضيحة وتعميق المشكلة على المستوى‌ الفردي والاجتماعي.

وتتعرض‌«الطائفة الثالثة»من الآيات محل البحث إلى قصة النبي يونس عليه السلام ومسؤوليته العظيمة في الدعوة إلى الحقّ وهداية الناس إلى اللَّه، ولكنه في لحظة من اللحظات تساهل في أمر هذه المسؤولية الإلهية وارتكب الترك الأولى وبالتالي أصابه العقاب الإلهي بسبب ذلك.

والقصة هي أنّ النبي يونس عليه السلام عاش مدّة طويلة مع قومه كالأب الحنون حيث تحمل مسؤولية انقاذ قومه من الضلالة والإنحراف، ولكنه لم يواجه منهم أمام منطقه الحكيم سوى السفسطة والمغالطة والسخرية، ولم يؤمن له من قومه إلّاعدد قليل جدّاً، ولعلّه لم يتجاوز الرجلين «أحدهما عابد والآخر عالم»، وأخيراً فإنّ النبي يونس عليه السلام أصابه اليأس من إيمان قومه، فدعى‌ عليهم باقتراح من الرجل العابد، واستجاب اللَّه دعاءه، وأوحى‌ إليه انه سينزل عليهم العذاب الإلهي في اليوم الفلاني، وعندما اقترب زمان نزول العذاب ترك النبي يونس‌

[1]. سورة ص، الآية 23.

[2]. سورة ص، الآية 24.

[3]. سورة ص، الآية 24.


صفحه 385

عليه السلام هؤلاء القوم وصحب معه الرجل العابد بدون أن يُتم الحجّة عليهم فلعلّهم يتوبون تلك اللحظات الأخيرة ويعودون إلى اللَّه تعالى، ولكنَّ الرجل العالم بقي معهم واستمر في تبليغ الرسالة الإلهية.

وقد أثمر هذا التبليغ وهذه الدعوة من الرجل العالم ثمره تزامناً مع اقتراب لحظات نزول العذاب، فحدث أن أوجب كلام هذا العالم وعلامات نزول العذاب تحولًا كبيراً في أعماق نفوس هؤلاء القوم، وأثابوا إلى رشدهم وخرجوا مصطحبين معهم ذلك العالم إلى الصحراء ليعلنوا توبتهم وانابتهم إلى اللَّه وسلوكهم في طريق الإيمان والتقوى، فلعلّ اللَّه يرحمهم ويغفر لهم، وهكذا قبل اللَّه تعالى توبتهم وتاب عليهم ولكنه وبخّ يونس عليه السلام على تسرعه وعجلته في ترك هؤلاء القوم.

القرآن الكريم يخاطب نبي الإسلام في هذه الآيات الكريمة أن لا يستعجل في طلب العذاب الإلهي على المشركين من قريش ولا يكون كيونس عليه السلام «فَاصْبِر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصاحِبِ الحُوتِ اذ نادى‌ وَهُوَ مَكظُومَّ* لَولَا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وَهُوَ مَذمُومٌ»[1].

ولكن اللَّه تعالى قبل توبته من هذا الترك الأولى، وعندما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت كان قد تطهر من كلّ ذنب وترك للأولى، ولهذا نقرأ بعد هذه الآية قوله تعالى «فَأجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحينَ»[2].

فالبرغم من أنّ يونس لم يتم الحجّة على قومه بالمقدار اللازم، ولكن اللَّه تعالى كان يتوقع من هذا النبي الكريم أن يصبر ويتأنى‌ أكثر من ذلك، ولذلك عاقبه على عجلته وتسرعه في مقابل عناد اولئك القوم.

وتتحرك‌«الآية الرابعة»من موقع منع نبي الإسلام صلى الله عليه و آله من‌«العجلة والتسرع»وتقول‌

[1]. سورة القلم، الآية 48 و 49.

[2]. سورة القلم، الآية 48- 50.


صفحه 386

«فَتَعالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلَا تَعجَلْ بِالقُرآنِ مِن قَبلِ ان يُقضى‌ الَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»[1].

ويستفاد من بعض الآيات القرآنية الاخرى أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عند نزول الوحي كان يعيش حالة خاصّة من الشغف والشوق والحرارة تقوده إلى الاستعجال في استلهام الوحي، ولذلك تصدت هذه الآية الشريفة لتذكير النبي صلى الله عليه و آله بذلك ومنعه «.. وَلَا تَعْجَلْ بِالقُرآنِ مِن قَبْلِ ان يُقضى‌ الَيكَ وَحيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»[2].

ورغم أنّ المفسّرين ذكروا احتمالات عديدة في تفسير هذه الآية الشريفة، ولكنّهم متفقون على أنّ الآية ناظرة إلى أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لا ينبغي أن يستعجل في استلام الوحي بالرغم من أنّ أصل الموضوع هو عمل إلهي ويتضمّن هداية الناس إلى اللَّه تعالى.

وعلى الرغم من أنّ استعجال النبي صلى الله عليه و آله في استلام الوحي أو تلاوة الآيات القرآنية على أصحابه أو طلبه بنزول الوحي كلّ ذلك كان بسبب عشقه وشوقه لهداية الناس، ولكن حتّى‌ هذا العمل الإيجابي والإنساني لا ينبغي أن يتم من موقع العجلة بل ينبغي أن يكون متزامناً مع الصبر والتأني.

«الآية الخامسة»تتحدّث عن جميع الناس، أو بتعبير آخر عن طبيعة الإنسان وتقول:

«خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَاتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ»[3].

وكأن الإنسان في سلوكه وحركته في حياته إلى درجة من العجلة وكأن ذاته ونفسه قد عجنت بالعجلة فهي عين العجلة.

وتشير هذه الآية إلى أنّ طبيعة الإنسان مخلوقة منذ اليوم الأوّل بالعجلة والتسرع، ولكنه يجب عليه استخدام هذه الحالة وسلوك طريق التسرع والعجلة بعد توفر المقدمات للعمل لا

[1]. سورة طه، الآية 114.

[2]. المصدر السابق.

[3]. سورة الأنبياء، الآية 37.