بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 403

20- الصبر والتأني‌

تنويه:

إن الحياة الدنيوية مليئة بالمشاكل والمصائب الّتي تستوعب حياة الإنسان في واقعه الفردي والاجتماعي، ولو انه تصدى‌ لهذه المشكلات وواجه هذه المخاطر والتحديات للواقع العملي بصبرٍ ومقاومة ومثابرة فإنه سوف يتجاوزها وينتصر عليها قطعاً، وإلّا فإنه لن يصل إلى مقصوده أبداً، وسيجد نفسه يعيش الخنوع والخضوع للتحديات الصعبة الّتي يفرضها عليه الواقع.

والمراد من الصبر هو الاستقامة أمام المشاكل والحوادث المختلفة، والصفطة المقابلة له هو«الجزع»ويعني افتقاد عنصر المقاومة والاستسلام أمام تحديات الواقع والمشاكل الاجتماعية والنفسية في حركة الحياة على المستوى المادي والمعنوي، فلو أنّ الإنسان لم يقف أمام أهوائه الطاغية ونوازعه النفسية ولم يقاوم الجوانب الدنيوية ولم يسلك في طريق‌«معرفة اللَّه»واطاعته، فإنه لن يصل إلى أي مرتبة من مراتب الكمال المعنوي والإنساني، ولذلك قسم علماء الأخلاق الصبر إلى ثلاثة أقسام:

1- الصبر على الطاعة، أي على المشكلات الّتي تواجه الإنسان في خط التقوى والإيمان وطاعة اللَّه تعالى.


صفحه 404

2- الصبر على المعصية، ويعني الصمود أمام النوازع النفسية والأهواء الشيطانية ومقاومتها والتصدّي لها.

3- الصبر على المصيبة، ويعني الصمود أمام المصائب والحوادث المرة الّتي تصيب الإنسان في حركة الحياة وعدم الانفعال عند حدوثها والخضوع لتحدياتها وترك الجزع والفزع في عملية مواجهتها.

ويعتبر«الصبر»من أهم أركان الإيمان حيث يشبه الإمام علي مكانة الصبر بالنسبة إلى الإيمان كمكانة الرأس بالنسبة إلى الجسد، وقد لا نجد في القرآن الكريم مورداً اهتم فيه القرآن من موقع التأكيد والمدح مثل ما نجد ذلك بالنسبة إلى الصبر، فقد وردت سبعون آية تقريباً في هذا الموضوع، عشرةٌ منها مختصة بتوصيات القرآن للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله نفسه.

ونقرأ في آيات القرآن أنّ اللَّه تعالى وعد الصابرين أجراً عظيماً وبدون حساب «انَّما يُوَفّى الصَّابِرُونَ اجْرَهمِ بِغَيْرِ حِسَابٍ»[1].

وأنّ الصبر هو مفتاح الجنّة كما تقول الآية «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارُ»[2].

وجاء في الحديث النبوي المعروف اشارات إلى هذا المعنى وأنّ الصبر نصف الإيمان، كما سيأتي تفصيله لاحقاً.

وبهذه الإشارة نعود إلى آيات القرآن الكريم بدراسة هذا الموضوع الأخلاقي المهم من جوانبه وابعاده المختلفة.

آيات الصبر:

1- «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نّعْمَ ا لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ»[3].

2- «وَجَآءُو عَلَى‌ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ‌

[1]. سورة الزمر، الآية 10.

[2]. سورة الرعد، الآية 24.

[3]. سورة ص، الآية 44.


صفحه 405

الْمُسْتَعَانُ عَلَى‌ مَاتَصِفُونَ»[1].

3- «وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ الصَّابِرِينَ»[2].

4- «قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا»[3].

5- «قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلقُواْ اللَّهِ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ»[4].

6- «فَاصْبِر كَمَا صَبَرَ اوُلُوا العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَستَعْجِلْ لَهُم كَانَّهُم يومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلبَثُوا الّا سَاعَةً مِنْ نَهارٍ ...»[5].

7- «فَاصْبِر صَبراً جَميلًا»[6].

8- «يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[7].

9- «يَا ايُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلوةِ انَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»[8].

10- «قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَا سِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ»[9].

11- «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارُ»[10].

12- «أوْلَئكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا»[11].

13- «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْ‌ءٍ مّنَ ا لْخَوْفِ وَا لْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الْأَمْوَا لِ وَالْأَنفُسِ وَالَّثمَرَا تِ‌

[1]. سورة يوسف، الآية 18.

[2]. سورة الأنبياء، الآية 85.

[3]. سورة الكهف، الآية 67.

[4]. سورة البقرة، الآية 249.

[5]. سورة الاحقاف، الآية 35.

[6]. سورة المعارج، الآية 5.

[7]. سورة آل عمران، الآية 200.

[8]. سورة البقرة، الآية 153.

[9]. سورة الزمر، الآية 10.

[10]. سورة الرعد، الآية 24.

[11]. سورة الفرقان، الآية 75.


صفحه 406

وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ»[1].

14- «.. وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِالصَّبْرِ»[2].

تفسير واستنتاج:

اسوة الصبر والمقاومة

«الآية الاولى‌»تستعرض حياة أحد الأنبياء العظام الّذي صار مثلًا للصبر والاستقامة في مواجهته للبلايا والمصائب في الحياة، في حياته الفردية والاجتماعية، ولهذا فإننا نقرأ في حالاته وسيرته المذكورة في سورة«ص»إن القرآن الكريم يضربه مثلًا للمسلمين في أوائل البعثة الّذين كانوا يعيشون التحديات الصعبة والضغوط المستمرة من قِبل المشركين في مكّة ويتعلموا منه درس الصبر والاستقامة والصمود في مواجهة المشاكل والمصاعب المفروضة عليهم.

وصحيح أنّ اسم النبي أيوب عليه السلام أو سيرته قد وردت في عدّة سور في القرآن الكريم، ولكنَّ ما ورد في سورة«ص»يعدو شرحاً وافياً لسيرته الكريمة حيث تقول الآية 44 من هذه السورة: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نّعْمَ ا لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ»[3].

وهكذا واجه النبي أيوب عليه السلام مصائب عظيمة لغرض اختباره وامتحانه لمعرفة درجة شكره وطاعته للَّه‌تعالى وليصعد بهذا الطريق إلى مقامات سامية من القرب الإلهي، فقد كانت له ثروة كبيرة وبساتين وأغنام كثيرة وأبناء صالحون، ولكن كلّ ذلك فقده بين عشية وضحاها حتّى أبناءه أيضاً ونفس أيوب ابتلي بمرض شديد ومزمن إلى درجة انه كان يتلوى في فراشه من شدّة الالم الّذي أوقعه في الفراش أسيراً، ولكن أي واحدٍ من هذه الامور لم يستطع أن يقلل من شكره للَّه‌تعالى، ولم يتمكن أن يخدش في صبره واستقامته في‌

[1]. سورة البقرة، الآية 155.

[2]. سورة العصر، الآية 3.

[3]. سورة ص، الآية 44.


صفحه 407

خط الإيمان والطاعة.

هذا وقد سمع أيوب الكثير من التعريض به وبشخصيته، ولعلّ هذه المصيبة كانت عليه من أعظم المصائب، وأحياناً كان عُبّاد بني إسرائيل ورهبانهم يأتون لرؤيته ويقولون له بصراحة: ما هو الذنب العظيم الّذي ارتكبته حتّى ابتلاك اللَّه بهذا الابتلاء والعذاب الشديد؟

ولكن هذا النبي العظيم لم يفقد صبره بل كان يعيش الانضباط الأخلاقي أمام نوازعه النفسية ويلهج لسانه بشكر اللَّه تعالى ويتعامل مع كلّ هذه المصائب من موقع الشكر لا من موقع كفران النعمة والشكوى‌ والجزع، وبعد أن مضت عليه سنوات عديدة وهو يتحدى‌ هذه الصعاب العظيمة دعا اللَّه تعالى لأن يكشف عنه هذا البلاء كما تقول الآية: «وَاذْكُر عَبْدَنا ايّوبَ اذ نَادى‌ رَبَّهُ انّي مَسَّنِيَ الشَّيطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ».

فعندما ختم هذا النبي العظيم جميع مراحل هذا الامتحان الإلهي الكبير ووقف أمام البلايا والمصائب المختلفة كجبلٍ من الصبر والاستقامة وأخجل الشيطان الرجيم من أن ينال منه ولو كلمة جزع وشكوى‌ واحدة حتّى‌ يئس منه، عندها فتح اللَّه تعالى أبواب رحمته عليه، وعاد عليه كلّ ما فقده من المال والأولاد والمواهب الدنيوية الاخرى بل ضاعفها له أضعافاً مضاعفة، والأهم من ذلك انه نال من ذلك مقاماً عظيماً في دائرة القرب الإلهي ونال وسام‌«نّعْمَ ا لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ».

وذكر المفسّر المعروف‌«ابن مسعود»: إن أيوب عليه السلام كان‌«رَأسُ الصَّابِرينَ الَى‌ يَومِ القِيامَةِ»[1]وهكذا سجَّل أيوب لنفسه هذا الشرف والافتخار على طول التاريخ البشري.

ولا ينبغي التساهل في المرور على هذا المطلب، وهو أنّ إنساناً كان يتمتع بجميع الامكانات المادية والدنيوية، وفجأةً فقد كلّ شي‌ء وجلس صفر اليدين حتّى‌ انه لم يسلم من تعريضات قومه من الأصدقاء والأعداء وكناياتهم الموجعة الّتي كانت تؤلمهُ أكثر من طعنات السيوف والخناجر ومع ذلك لم يصدر منه حتّى‌ كلمة واحدة على خلاف رضى‌ اللَّه تعالى بل كان لسانه لهجاً بذكر اللَّه وشكره، وفي نهاية أمره قال كلمة واحدة تعبر عن دعاءه‌

[1]. تفسير روح البيان، ج 8، ص 45 ذيل الآية.


صفحه 408

وتضرعه إلى اللَّه تعالى لا غير، وهي العبارة الّتي تصور البعض أنّها من قبيل الشكوى‌، ولكنه خطأ فاحش لأنها لاتتضمن أي نوع وأي أثرٍ للشكوى‌ فيها حيث تقول: «اذ نَادى‌ رَبَّهُ انّي مَسَّنِيَ الشَّيطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ».

وتأتي‌«الآية الثانية»لتستعرض صبر«النبي يعقوب»الّذي يُعد اسطورة في الصبر والاستقامة، فقد فَقَدَ ابنه وأعز ما لديه في الحياة، وهو«يوسف»الّذي كان يحبّه حبّاً جمّاً، وعاش سنوات مديدة بعينٍ باكية وصبرٍ عظيم حتّى‌ انه عميت عيناه، ولكن رغم ذلك فإنه لم تفلت منه كلمة مخالفة لرضى اللَّه تعالى وكان شاكراً وصابراً دائماً وكما تعبر الآية على لسان يعقوب نفسه بكلمة«صبرٌ جميل»حيث تقول «وَجَآءُو عَلَى‌ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى‌ مَاتَصِفُونَ»[1].

وهكذا نرى‌ إن الاخوة الكذّابين غفلوا عن تمزيق قميص يوسف عندما جاءوا به ملطخاً بالدم وقالوا لأبيهم إنّ الذئب قد أكل يوسف في غفلة منا، ولهذا لم يصدق يعقوب كلامهم هذا وقال: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا»، ولكن بما انه لم يكن يملك أي شي‌ء اتجاه هذه الحادثة المؤلمة فاكتفى‌ بالبكاء على يوسف وقال: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» أي الصبر المقترن مع الشكر للَّه‌على هذه المحنة دون أن تمتد إلى قلبه حالة الجزع الذميمة.

وبالنسبة لعبارة«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ»فللمفسّرين بيانات مختلفة في تفسيرها، فذهب البعض إلى أنّ‌«الصَبْرٌ الجَمِيلٌ»هو الصبر الّذي لا يخالطه الجزع ولا الشكوى‌ للناس من المصيبة، وذهب البعض الآخر إلى أنّ الصبر الجميل أن يكون بدافع إلهي وطلباً لرضى‌ اللَّه تعالى‌، وقد ورد في الروايات انه سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عن الصبر الجميل ما هو؟ وقال‌«هُوَ الّذي لَا شَكْوَى مَعَهُ»[2].

وذهب آخرون إلى أنّ الصبر الجميل هو ما لم يقترن مع الشكوى‌ إلى الناس، وأجمل منه‌

[1]. سورة يوسف، الآية 18.

[2]. تفسير القرطبي، ج 5، ص 338.


صفحه 409

أن يعرض حاله على اللَّه تعالى ويلتجي إليه في هذه المصيبة ويؤدي حقّ الطاعة والعبودية له.

فعندما اعترض أبناء يعقوب على أبيهم بسبب كثرة البكاء على يوسف وتذكره الدائم قال لهم إنني لا أشكو حالي إلى الناس وإليكم بل «قَالَ انَّمَا أشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي الى اللَّهِ وَاعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلمُونَ»[1].

«الآية الثالثة»تتحدّث عن طائفة اخرى من الأنبياء الإلهيين الّذين سلكوا في دعوتهم لأقوامهم وفي مواجهة المشكلات والمصاعب في خطّ الاستقامة والتحمل، من أجل ذلك فإنّ اللَّه تعالى أغرقهم برحمته وجعلهم في زمرة الصالحين:

«وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ الصَّابِرِينَ»[2].

أما صبر إسماعيل فواضح، وذلك بانه أوّلًا: استعد لأن يضحي بنفسه في طاعة اللَّه وامتثال أمره وامتثل لما أمره به أبوه من ذبحه كما أمر اللَّه، ولكن اللَّه تعالى شملهما بعنايته وأرسل لإبراهيم خروفاً أو كبشاً ليذبحه بدل إسماعيل.

وثانياً: لبقائه في الصحراء المحرقة في منطقة مكّة وإلى جانب بيت اللَّه الحرام كي ما يقوي ويشتد أمر هذا المركز الإلهي ويشيع أمرهُ بين الناس.

وأمّا بالنسبة إلى صبر إدريس فقيل: أنّه أوّل من بُعث من بين قومه يدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى ولكنه بالرغم من ذلك واجه صعوبات كبيرة في هذا السبيل ولم يستجب له أحدٌ من قومه.

وأمّا«ذي الكفل»فإنما سمي بهذا الاسم وصار في زمرة الصابرين الكبار من الأنبياء الإلهيين فبسبب انه كان يعيش في بني إسرائيل، وكان يحكمهم نبيّاً من الأنبياء، وفي يوم من الأيّام جاء الوحي إلى ذلك النبي وأخبره بحلول أجله وأنّ عليه أن يسلم مقاليد الحكم إلى‌

[1]. سورة يوسف، الآية 86.

[2]. سورة الأنبياء، الآية 85.


صفحه 410

شخص آخر تتوفر فيه هذه الصفات الثلاثة: أن يقوم في كلّ ليلة بالعبادة والصلاة، وأن يصوم كلّ يوم، وأن يحكم بين الناس دون أن يغضب، فقال شابٌ من المؤمنين: أنا أتكفل بكلّ هذه الامور، قال ذلك واستمر على الوفاء بعهده والاتيان بهذه الثلاثة (مع جميع ما تتضمنها من مشاكل وصعوبات) وبذلك نال مقام النبي أيضاً فسُمي: ذي الكفل.

أجل، فإنّ هؤلاء العظماء الثلاثة كانوا اسطورة للصبر والاستقامة بحيث إنّ القرآن الكريم جعلهم اسوة لجميع المسلمين في العالم وأشار إليهم بذلك في هذه الآية الكريمة.

وتتعرض‌«الآية الرابعة»إلى الحديث عن «قصة موسى عليه السلام والخضر عليه السلام» ونقرأ في هذه القصة دروساً وعبراً مهمة ونافعة حيث جاء موسى عليه السلام إلى الخضر عليه السلام لطلب العلم وسأله أن يعلمه من العلوم والأسرار الإلهية، لأن هذه العلوم والأسرار هي غير «علم الشريعة» الّذي تلقاه موسى عليه السلام بطريق الوحي وكان على اطلاع عام به، ولكنَّ تلك العلوم والمعارف متعلقة بأسرار عالم التكوين والحوادث الواقعة في عالم الوجود، ولكن على أية حال فإنّ الخضر عليه السلام كان قلقاً من عدم تحمل موسى عليه السلام بهذه العلوم والمعارف وقال له كما تذكر الآية «قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى‌ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً»[1].

فكان أن وعد موسى عليه السلام معلمه بأن يصبر ويتريث ولا يعترض على شي‌ء، ولكن الحوادث والوقائع الّتي رآها فيما بعد كانت عجيبة وغريبة إلى درجة أنّ موسى عليه السلام لم يطق صبراً إلى أن يخبره الخضر عليه السلام عن أسرارها، وفتح فمه بالاعتراض على معلمه، فما كان من الخضر عليه السلام إلّاأن ذكره بوعده بالصبر والتريث، فاعتذر موسى عليه السلام بذلك ولكنه في المرّة الثالثة قرر الانفصال إلى الأبد.

وهذه القصة العجيبة تتضمن دروساً ومعارف كثيرة، ولكن ما يرتبط ببحثنا هذا هو أنّ موسى عليه السلام لو صبر أكثر ولم يعترض على الخضر عليه السلام لكان يكتشف أسراراً جديدة ويزداد علماً إلى علمه، ولكن عدم صبره هذا تسبب بأن لا يتعلم سوى ثلاثة امورٍ فقط، في حين انه‌

[1]. سورة الكهف، الآية 67 و 68.