ووعظهم وحذرهم طيلة هذه المدّة المديدة ولكنه لم يؤمن له سوى بضع أفراد معدودين.
النبي إبراهيم عليه السلام أُلقي في النار الملتهبة، والنبي موسى عليه السلام تعرض هو والمؤمنين من قومه إلى أشد العذاب من قبل فرعون وأتباعه، وكذلك ما واجهه عيسى عليه السلام من بني إسرائيل من الأذى والاتهام والطرد إلى أن أرادوا صلبه وقتله ولكن اللَّه تعالى انقذه في اللحظة الأخيرة، والخلاصة أنّ الحياة الدنيا هي دائماً محل التضاد بين الحقّ والباطل حيث لا يمكن التغلب على المشكلات والمصاعب الّتي يواجهها الإنسان في حركة الحياة إلّابقوّة الصبر والاستقامة.
امّا المراد من الأنبياء اولي العزم من هم؟ فقد ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد به هم الأنبياء الّذين يأتون بشريعة جديدة وعددهم مع نبي الإسلام خمسة أشخاص، وامّا اختيار هذا الأسم والعنوان لهم فهو من أجل ارادتهم القوية وعزمهم القاطع في الدعوة إلى الحقّ وهداية الناس إلى اللَّه تعالى، ولا شكّ أنّ هذه الفئة من الأنبياء كانوا يواجهون من المشاكل والمصاعب في حركة التغيير بالرسالة الإلهية أكثر من غيرهم، لأن عرض شريعة جديدة تتقاطع مع كلّ ما يألفه الناس من الشرائع والقوانين السائدة لديهم يتضمّن مشكلات كثيرة وصعوبات يقوم بها المتعصبون من هذه الأقوام البشرية.
وذهب بعضٌ آخر إلى أنّ عددهم «18 نفر» حيث ورد اسمهم في الآيات 83 إلى 90 من سورة الأنعام، وذهب البعض الآخر إلى أنّهم تسعة أشخاص، وآخرون إلى سبعة أشخاص، بينما ذهب البعض إلى ستة أشخاص، وبعض قال بأنّهم خمسة أشخاص، وذكر آخرون أنّ جميع الأنبياء الإلهيين هم «اولي العزم»، لأنهم يرون أنّ جميعهم يتمتعون بالعزم الراسخ في أداء المسؤولية الإلهية الملقاة على عاتقهم، ولكنَّ القول الأخير بعيد حسب الظاهر، وسائر الأقوال لا دليل عليها سوى ما ورد من الروايات الشريفة عن المعصومين عليهم السلام في تفسير هذه الآية وأنّ عددهم مع نبي الإسلام هو خمسة أشخاص.
وأما«الآية السابعة»فتعود لتخاطب نبي الإسلام صلى الله عليه و آله من موقع الأمر بالصبر مقابل
استهزاء وتكذيب المشركين واذاهم وتقول: «فَاصْبِر صَبراً جَميلًا»[1].
وقد ذكر المفسّرون في تفسير«صبراً جميلًا»تفاسير مختلفة وقد تقدّم البحث عنها في تفسير الآية الثانية في هذا البحث وسنتابع الكلام فيها في حديثٍ آخر لاحقاً، ويقول الإمام الباقر عليه السلام في الجواب عن معنى الصبر الجميل في هذه الآية،«صَبْرٌ لَيْسَ فِيهِ شَكْوىً الَى النّاسِ»[2].
وفي«الآية الثامنة»يخاطب اللَّه تعالى جميع المؤمنين ويأمرهم بالصبر والمثابرة وأنّ ذلك هو مفتاح السعادة والنجاة ويقول «يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[3].
فنقرأ في هذه الآية أربع أوامر تمثل مفتاح السعادة ومصدر الخيرات والبركات على الإنسان في حياته المادية والمعنوية.
الأوّل: الصبر والاستقامة والصمود أمام الحوادث والمشكلات والمصائب والموانع الّتي يجدها الإنسان في حركته الدنيوية لتحديات الواقع وصعوبة الظروف.
الثاني: المصابرة، وهي من باب «مفاعلة» وتأتي بمعنى الصبر والاستقامة مقابل صبر واستقامة الآخرين، وفي الحقيقة فإنّ الدستور الأوّل ناظرٌ إلى الصبر والاستقامة أمام أنواع المشكلات والحوادث الّتي يفرضها الواقع على الإنسان، أما الدستور الثاني فناظرٌ إلى الصبر والاستقامة أمام الأعداء، وعليه فكلّما بذل الأعداء جهداً في سبيل المقاومة في ميدان القتال، فعلى المؤمنين أن يبذلوا جهداً أكبر من ذلك ويعيشوا الصبر بأقوى ممّا لدى العدو كي ينالوا النصر والغلبة عليه.
«رابطوا»من مادّة«مرابطة»وهي في الأصل من«رباط»بمعنى شد الشيء إلى مكان معين، وتستعمل هذه المفردة«مرابطة»عادّةً بمعنى مراقبة الحدود والثغور لأن جنود
[1]. سورة المعارج، الآية 5.
[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 93.
[3]. سورة آل عمران، الآية 200.
الإسلام يضعون مراكبهم وأدوات حربهم وامتعتهم في ذلك المكان.
وآخر دستور إلهي في هذه الآية هو الأمر بتقوى اللَّه الّذي هو من قبيل الخيمة الّتي تستوعب بظلّها جميع الأوامر والدساتير السابقة، فعندما يكون الصبر والمصابرة والمرابطة من أجل اللَّه وبعيداً عن أي أشكال الرياء والأمراض الشخصية وتكون مقترنة بالتقوى فإنّ ذلك سيتسبب في الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة.
بعض المفسّرين ذكر في تفسير «المصابرة» أنّها الصمود ومقاومة العادات والأهواء النفسانية، لانها تقف في المقابل أمام الإنسان لتمنعه من سلوك طريق الهدى والصلاح والسير في خطّ التقوى والإيمان، فيجب على الإنسان أن يقف في مقابلها بالمثل، وقالوا في تفسير «المرابطة» أنّ المراد منها هو ربط النفس بطاعة اللَّه أو ربط القلب باللَّه تعالى.
وقد نقل عن أحد العرفاء انه كان يتجه إلى الحجّ مشياً على الأقدام، فالتقى بأعرابي راكباً جمله فقال له الأعرابي: أين تذهب يا شيخ؟ فقال له: إلى بيت اللَّه الحرام. فقال: لماذا أنت راجل؟ فقال: بل لدي مراكب كثيرة، فتعجب الأعرابي من ذلك فسألة: وما هي هذه المراكب؟ فقال العابد: عندما تنزل عليّ مصيبة فسأركب مركب الصبر، وعندما تنزل عليّ نعمة أركب مركب الشكر، وعندما يداهمني القضاء والقدر أركب مركب الرضا، وعندما تطغى نفسي وتطلب مني شيئاً فأعلم أنّه لم يبق من عمري شيء وما مضى منه أكثر ممّا بقي.
فقال الأعرابي: في الواقع أنت الراكب وأنا الراجل والسلام عليكم، فودعه وانصرف.
«الآية التاسعة»تخاطب جميع المؤمنين بتعبيرٍ جديد وتتحرك ضمن توصيتهم بأن يلتزموا الصبر ويستعينوا بالاستقامة والتحمل في مقابل تحديات الواقع الصعبة والمشكلات المفروضة عليهم وتقول: «يَا ايُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلوةِ انَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»[1].
وهذه الآية لها مفهوم واسع بحيث تشمل كلّ أشكال الصبر والاستقامة، سواءٌ الصبر على
[1]. سورة البقرة، الآية 153.
الطاعة أو الصبر على المعصية أو الصبر على المصيبة، فتوجب على الإنسان أن يستعين بكلّ عمل مهم بالصبر سواءً كان ذلك العمل هو الجهاد في سبيل اللَّه أو غير ذلك، فلابدّ من الاستعانة بأحد أقسام الصبر بما يتناسب مع المشكلة الّتي تواجه الإنسان.
ولابدّ من القول في من فسّر الصبر بالصوم أنّ الصوم أحد المصاديق البارزة للصبر لا أنّه يستوعب جميع مفهوم الصبر في هذه الآية الشريفة.
وهنا يثار سؤال، وهو أنّه ما هي الرابطة بين الصبر بمعناه الواسع، وبين الصلاة؟
ذكر بعض المفسّرين في مقام الجواب أنّ الرابطة بينهما هو أنّ الإنسان قد يفقد صبره أحياناً أو يتضعضع أمام المشكلات وضغط الواقع الصعب فتأتي الصلاة لتمنحه قوّة القلب الإرادة والعزم والتوكل على اللَّه تعالى، وبذلك فإنّ الصلاة تزيد الإنسان قوّة في عملية الصبر والمقاومة.
وبتعبير آخر: عندما يتجه الإنسان إلى الباري تعالى من خلال الصلاة فإنه يجد نفسه مرتبطاً بالقدرة اللامتناهية والحقّ الأزلي، وهذا العمل يزيد من مقاومة الإنسان في مقابل المشكلات بحيث يبلغ به مرتبة أن يتغلب على جميع ما يواجهه من صعوبات ومشاكل ويستمر في خط الاستقامة والتحمل والمثابرة، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وأحياناً عن أميرالمؤمنين عليه السلام، وكلا الحديثين صحيحان من حيث السند:«اذَا أَهَالَهُ أَمْرٌ فَزِعٌ، قَامَ الى الصَّلَوةِ ثُمَّ تَلى هَذِهِ الآيَةِ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ[1]»[2].
وعلى أية حال فإنّ هذه الآية من أوضح الآيات القرآنية الّتي تبيّن أهمية الصبر وكونه عاملًا مهماً في نجاح الإنسان في حركة الحياة الفردية والاجتماعية.
«الآية العاشرة»تخاطب نبي الإسلام صلى الله عليه و آله «من جانب اللَّه تعالى» بأن يقول لجميع عباده المؤمنين:«قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ
[1]سورة البقرة، الآية 153.
[2]اصول الكافي، ج 1، ص 154، روح البيان، ج 1، ص 257.
وَأَرْضُ اللَّهِ وَا سِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ»[1].
وهذه الآية الشريفة تدلّ من جهة على أنّ الإنسان يجب عليه أن يستعين بقوّة الصبر والاستقامة في مقابل الصعوبات الّتي يفرضها الواقع وتفرضها عليه عملية الصراع مع الظالمين والجبابرة، لأنّه بدون ذلك فلا يوجد منفذ أمام الإنسان سوى الاستسلام للظالمين وقوى الإنحراف والخضوع لهم.
ومن جهة اخرى فإنّها تشير إلى ثواب الصابرين عند اللَّه وأنّه لا يقبل العد والحساب.
عبارة«بغير حساب»تشير إلى أنّ اللَّه تعالى سوف يجازي هؤلاء الصابرين بالثواب العظيم إلى درجة أنّ أحداً لا يقدر على عدّه واحصائه إلّااللَّه تعالى، ولهذا نقرأ في الحديث الشريف عن رسول اللَّه أنّه قال: «إذا نشرت الدواوين ونُصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان، ثمّ تلا هذه الآية:إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ»[2].
وهذه العبارة«بغير حساب»وردت في آيات متعددة اغلبها يتعلق بالرزق الدنيوي الكثير الّذي يهبه اللَّه تعالى لبعض الناس، ولكن فقط في هذه «الآية 40 من سورة المؤمن» فتتحدّث عن الثواب الإلهي للمؤمن والصابر يوم القيامة، ومن المعلوم انه إذا كان الرزق الدنيوي بدون حساب فإنّ ذلك لا يعني انه يتناسب مع كمية العمل أو كيفيته، بل يتناسب مع لطف اللَّه تعالى وعنايته لعبده، وبالتالي تكون ثمرته سامية جداً في مقام القرب الإلهي والكمال المعنوي.
ونقرأ في«الآية الحادية عشر»تعبيراً جميلًا جداً عن أهمية الصبر والاستقامة، وذلك أنّ الملائكة عندما تستقبل أهل الجنّة من كلّ باب يردون إليها يقولون لهم:«سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا
[1]سورة الزمر، الآية 10.
[2]أورد هذا الحديث كلّ من الطبرسي في مجمع البيان، والقرطبي في تفسيره، والبرسوئي في روح البيان، مع تفاوت يسير ذيل هذه الآية.
صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارُ»[1].
واللطيف أنّ الملائكة هنا أشاروا من بين جميع الأعمال والطاعات والعبادات الّتي أتى بها أهل الجنّة إلى الصبر والاستقامة لأن ذلك كان سبب دخولهم الجنّة، ولو دققنا النظر لرأينا أنّ الصبر بحد ذاته له دورٌ مهم في سعادة الإنسان ونجاته في الآخرة ودخوله الجنّة لانه بدون الصبر فلا يستطيع الإنسان أن يتوقى من الذنوب ولا يؤدي العبادات والطاعات ولاجهاد النفس أو جهاد الأعداء، ولهذا السبب فإنّ الملائكة في أوّل سلامٍ وتبريك لهؤلاء ذكروا مسألة الصبر.
والشاهد على هذا الكلام أنّ جميع الطاعات يأتي بها الإنسان في ظلّ عنصر الصبر ونقرأ في الآية 22 من هذه السورة قوله تعالى: «وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَاقَامُوا الصَّلَوةَ وَانْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَئُونَ بِالْحَسَنَةِ السيِّئَة ...».
وجاء في تفسير هذه الآية حديثاً جميلًا عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم جمعي من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. قالوا: قبل الحساب؟
قالوا: نعم، فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا:
صبرنا أنفسنا على طاعة اللَّه، وصبرناها عن معاصي اللَّه، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا، قال علي بن الحسين عليه السلام: فتقول لهم الملائكة:«سلام عليكم بما صبرتم فنعم أجر العاملين»[2].
وذكر بعض رواة هذا الحديث أنّ الملائكة تقول لهم:«سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ»[3].
«الآية الثانية عشر»تكرر هذا المطلب بصورة جذابة، وهذه الآية هي استمرار للآيات
[1]. سورة الرعد، الآية 24.
[2]. القرطبي، ج 5، ص 4532.
[3]. تفسير القرطبي، ج 5، ص 4532.
الّتي تحدّثت عن صفات«عباد الرحمان»واستعرضت في سياقها اثنى عشر صفة ايجابية تبين شخصيتهم السامية في جميع الأبعاد «اولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَروا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً»[1].
«غُرفة»من مادّة«غَرْفَ»على وزن«ظرف»بمعنى حمل الشيء وأخذه باليد ولذلك يقال لمن يتناول الماء من العين بيده انه: اغترف من الماء، وكذلك تطلق هذه الكلمة على الأقسام العلوية من البناء فيقال لها«غرفة»وفي هذه الآية اطلقت هذه الكلمة على أعلى المنازل في الجنّة وأنّها من نصيب الصابرين.
ويستفاد من تعبير الآية أعلاه أنّ الصبر هو العنصر المشترك الممتد في جميع الصفات الاثنى عشر لهؤلاء العباد المخلصين«عباد الرحمان».
وتأتي«الآية الثالثة عشر»وهي من الآيات المعروفة في مسألة الصبر لتثير في أجواء الصابرين البشارة بالثواب الإلهي الجزيل وتقول: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مّنَ ا لْخَوْفِ وَا لْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الْأَمْوَا لِ وَالْأَنفُسِ وَالَّثمَرَا تِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ اذَا اصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قَالُوا انَّا للَّهِ وَانَّا الَيهِ رَاجِعُونَ* اولئِكَ عَلَيْهِم صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِم وَرَحْمَةٌ وَاولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»[2].
وبالرغم من أنّ هذه الآيات تشير إلى غصن واحد من اغصان شجرة الصبر، وهو الصبر على المصائب والمشكلات، ولكن تتضح أهمية ذلك من خلال ما يترتب على هذا اللون من الصبر من صلوات اللَّه ورحمته على هؤلاء الصابرين وأنّهم يسيرون في خطّ الهداية والاستقامة والتوجه إلى اللَّه تعالى من خلال حالة الاستقامة والصبر أمام البلايا والمصائب.
فنظراً إلى أنّ الامتحان الإلهي للإنسان في هذا العالم الدنيوي يُعد من السنن الحتمية في عالم التكوين، وأنّ العبور من هذا النفق والوادي العسير لا يتسنّى ألا بالاستعانة بالصبر،
[1]. سورة الفرقان، الآية 75.
[2]. سورة البقرة، الآية 155- 157.
وحينئذٍ يتضح دور الصبر والاستقامة في حركة الحياة الدنيوية والنتائج المترتبة على ذلك، فما أعظم أن يجد الإنسان نفسه مشمولًا بثلاث عنايات إلهية في مقابل الصبر وهي:
الاولى: الصلوات والتحيات الإلهية من النوع الّذي يصلي فيه اللَّه تعالى على نبيّه الكريم، ثمّ شمول رحمته الواسعة لهذا الإنسان ودخوله في دائرة اللطف الإلهي، والأهم من ذلك أنّ الهداية الإلهية ستكون من نصيب هؤلاء والّتي هي مصدر جميع النعم والمواهب وأشكال السعادة الدنيوية والاخروية.
وأما لماذا وردت كلمة «صلوات» بصورة جمع؟ هنا ذكر تفسيران كلّ منهما محتمل في معنى الآية، الأوّل أنّ ذلك إشارة إلى أنواع الاكرام الإلهي والاحترام الرباني لهؤلاء، والآخر انه إشارة إلى تكرار هذه العملية وأنّ اللَّه يصلّي عليهم عدّة مرّات، اما التعبير بالرحمة بصورة نكرة فهو إشارة إلى الأهمية والعظمة لهذه النعمة.
واما الفرق بين الصلوات والرحمة فقد ذكر البعض أنّ الصلوات إشارة إلى مدح اللَّه ولطفه ومغفرته، في حين أنّ الرحمة إشارة إلى النعم المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة.
«الآية الرابعة عشر»والأخيرة من الآيات مورد البحث والّتي وردت في سورة العصر فإنّها ضمن بيان هذه الحقيقة، وهي أنّ جميع الناس سيكون مصيرهم إلى الخسران حتماً ما عدا الأشخاص الّذين يتمتعون بأربع صفات، وأحدها: الصبر والاستقامة وتقول «وَالْعَصْرِ* انَّ الْانْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* الَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»[1].
جملة«تواصوا»من مادّة«تواصي»وتشير إلى انه ينبغي على المؤمنين بعد الإيمان والمعرفة والعمل الصالح أن يتحركوا من موقع التكاتف والتعاون لاحقاق الحقوق والانصاف والعدالة في التعامل مع الغير والتوصية بذلك فيما بينهم، لأنّ إحقاق الحقّ واجراء العدالة في المجتمع الإنساني لا يتسنّى إلّابالاستقامة والصبر أمام تحديات الواقع الصعبة
[1]. سورة العصر، الآية 1- 3.