تسعمائة حديثاً عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام في هذا الموضوع، ولذلك نختار بعض النماذج من هذه الأحايث الشريفة لنستوحي منها دورساً في هذه الفضيلة:
1- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله«الصَّبْرُ خَيْرُ مَرْكَبٍ مَا رَزَقَ اللَّهُ عَبْداً خَيراً لَهُ وَلَا اوسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»[1].
وعبارة«خيرُ مركب»الواردة في هذا الحديث الشريف تشير إلى أنّ الصبر هو أفضل وسيلة للوصول إلى السعادة والنجاة وأنّ الإنسان بدونه لا يصل إلى شيء من المقامات الاجتماعية والمعنوية في الدنيا والآخرة.
2- وعن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«عَلَيْكُم بِالصَّبْرِ فَانَّ الصَّبْرَ مِنَ الْايمَانِ كَالرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ»[2].
وهذا الحديث يدلّ على أنّ الصبر يعد مفتاحاً لجميع الأبعاد الحيوية في حركة الإنسان المادية والمعنوية، ولهذا ورد في ذيل الحديث المذكور«لا ايمانَ لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ».
3- وفي حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال:«لا يَعْدِمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ و انْ طَالَ بِهِ الزَّمانُ»[3].
ومع الالتفات إلى أنّ الصبر ذكر هنا بشكل مطلق وكذلك الظفر والنصب، فهذا يدلّ على أنّ هذه الحكم يستوعب جميع الأبعاد المادية والمعنوية في حياة الإنسان.
4- وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في باب الصبر«الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ»[4].
وجاء في بعض الروايات الاخرى أنّ نصف الإيمان هو الشكر والنصف الآخر هو الصبر.
أي الصبر والاستقامة للوصول إلى النعم والمواهب الإلهية ثمّ الشكر على هذه النعمة، أي الاستفادة الصحيحة من المواهب والنعم الإلهية.
[1]. ميزان الحكمة، ج 2، ح 10025.
[2]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، 82.
[3]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 153.
[4]. المحجّة البيضاء، ج 7، ص 106.
ومن الواضح أنّ هذا الحديث لا يتنافى مع الأحاديث السابقة، لأنّه كما تقدّم أنّ المؤمن إذا لم يتمسك بالصبر فإنّ إيمانه سوف يتعرض للاهتزاز والارتباك بسبب الموانع الكثيرة الّتي يجدها في طريقه، وكذلك لو لم يكن شكوراً على نعم اللَّه تعالى، فإنّ هذه النعم ستزول وتهرب من يده كما ورد في الآية: «وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ انَّ عَذَابِي لَشَديد».
5- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«الصَّبْرُ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ»[1].
6- ودليل هذا المعنى ما ورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام يوضح هذا المعنى ويقول«الصَّبْرُ عَوْنٌ عَلى كُلِّ امْرٍ»[2].
لأنّه كما تعلمون أنّ نظام الحياة في الدين والدنيا يضع أمام كلّ عملٍ مهم بعض الموانع الّتي لايتجاوزها ولا يعبرها إلّابالاستعانة بالصبر والاستقامة.
7- اما بالنسبة للصبر عند المعصية فورد في الحديث الشريف«وَمَنْ صَبَرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللَّهِ»[3].
أجل فكليهما مجاهد في سبيل اللَّه، مع فارق أنّ أحدهما يجاهد العدو الخارجي«الجهاد الأصغر»والآخر يجاهد العدو الداخلي«الجهاد الأكبر».
8- وورد في حديثٍ آخر عن أميرالمؤمنين قوله:«انْ صَبَرْتَ ادْرَكْتَ بِصَبْرِكَ مَنازِلَ الابْرارِ وَان جَزَعْتَ اوْرَدَكَ جَزَعَكَ عَذابَ النّارِ»[4].
9- وعن الإمام الصادق عليه السلام قال في الصبر في مقابل البلايا والمصائب«مَن ابْتُلي مِنَ المُؤمِنينَ بِبَلاءٍ فَصَبَرَ عَلَيهِ كَان لَهُ مَثلُ اجرِ الْفِ شَهِيدٍ»[5].
ويقول العلّامة المجلسي بعد ذكر هذا الحديث في الجزء 68 من بحار الأنوار انه كيف يعقل أنّ للصبر مثل هذا الثواب في حين أنّ للشهيد بنفسه أحد الصابرين لانه صبر أمام
[1]. المحجّة البيضاء، ج 7، ص 107.
[2]. غرر الحكم، ح 765.
[3]. جامع الأحاديث الشيعة، ج 14، ص 253.
[4]. شرح غرر الحكم، ح 3713.
[5]. اصول الكافي، ج 2، ص 92.
العدو حتّى استشهد؟
ويمكن في مقام الجواب عن هذا السؤال أن نقول: إنّ الشهيد يصبر أمام هجوم الأعداء، وهؤلاء الصابرون إنما يصبرون في مقابل الصعوبات المرة الّتي تعترضهم في الحياة من قبيل أنواع المرض، الفشل، وفقد الأحبّة وأمثال ذلك.
والدليل الآخر على أفضلية الصابر بالنسبة إلى الشهيد هو أنّ الشهادة تحدث مرة واحدة للإنسان، ولكنَّ صعوبات الحياة تتكرر آلاف المرات.
10- ويقول النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بالنسبة إلى الثواب المعنوي للصابرين«مَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَاعْطِيَ فَشَكَرَ وَظُلِمَ فَغَفَرَ اولَئِكَ لَهُم الْامْنُ وَهُم مُهتَدونَ»[1].
11- ويقول الإمام الصادق عليه السلام أيضاً:«الصَّبْرُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِ العِبادِ مِنَ النُّورِ وَالصَّفاءِ والْجَزَعُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِهِم مِنَ الظُّلْمَةِ وَالْوَحْشَةِ»[2].
12- ونختم هذا البحث عن أحاديث الصبر بحديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام يقول«الصَّبْرُ مَطَيِّةٌ لا تَكبُوا وَالقَناعَةُ سَيفٌ لا يَنْبُوا»[3].
معطيات الصبر ونتائجه:
كما تقدّم في المباحث السابقة فإنّ طبيعة الحياة الدنيا تقترن بالموانع والمشكلات والبلايا، فلو أنّ الإنسان لم يلتزم بالمقررات والقوانين الّتي تنسجم مع هذه الحياة ويحل بذلك ما يواجهه من مشكلات فإنّه سوف لايصل إلى مقصده ولا يحقق غايته، وكذلك فإنّ الآفات والمصائب موجودة في ضمن النعم والمواهب وتتسبب في فقدها أو الاضرار بها من
[1]. بحار الأنوار، ج 2، ص 526، ح 830.
[2]. بحار الأنوار، ج 68، ص 90، ح 44.
[3]. بحار الأنوار، ج 68، ص 96.
قبيل المصائب الّتي تواجه الإنسان في أولاده وأقربائه وأمثال ذلك.
فالإنسان بدون الاستعانة بالصبر والاستقامة سوف لا يتمكن من سلوك طريق الكمال والسعادة في بعده الإيجابي، وكذلك لا يتمكن من الصمود أمام عناصر الشَّر في حركة الحياة، ولهذا السبب فإنّ المفتاح الأصلي للموفقية والنجاح في الحياة هو الاستعانة بالصبر والاستقامة، وبما أنّ الدين هو عبارة عن مجموعة الواجبات والمحرمات، أو الطاعات وترك المعاصي، فإنّ الإيمان والإلتزام بالدين لا يكون ولا يتحقق بدون الصبر والاستقامة، لانه وطبقاً لما تقدّم من البيان فإنّ الصبر بالنسبة للإيمان كالرأس بالنسبة إلى الجسد، ولذلك ورد في بعض الأحاديث الإسلامية «ومنها الأحاديث الواردة عن أميرالمؤمنين عليه السلام» أنّ الصبر قرين الظفر«الصَّبْرُ الظَّفَرُ»[1].
ونقرأ أيضاً في الآيات القرآنية أنّ الشرط المهم لإنتصار المجاهدين في سبيل اللَّه هو الصبر والاستقامة في هذا الطريق ومن ذلك قوله تعالى «... إِنْ يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْ ئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُن مّنكُم مّاْ ئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ»[2].
ما هذه القوّة الّتي تمنح رجلًا واحداً القدرة على مقابلة عشرة أشخاص، وتمنح مئة شخص القدرة على مقابلة ألف شخص؟
إن هذه القوّة هي قوّة الصبر والاستقامة الّتي ورد التصريح بها في الآية الشريفة.
فالأشخاص الّذين يعيشون ضعف الإرادة وقلّة العزيمة سوف يواجهون الحوادث والمشاكل من موقع الاذعان والخنوع أو يديرون ظهورهم لها ويجمحون عن مقاومتها، ولكنه لا الدنيا تتحقق للإنسان بدون الصبر والاستقامة ولا الآخرة، ولهذا السبب فان الشعوب الّتي حقّقت تقدماً علمياً وتطوراً حضارياً فإنما تحقق لها ذلك بواسطة الاستقامة والمثابرة والصبر، ويذكر في حالات العلماء الكبار، سواءاً الشخصيات الدينية الّتي فتحت أبواب العلوم والمعارف الدينية أمام الناس، أو علماء العلوم الطبيعية الّذين حققوا للبشرية
[1]. غرر الحكم، ح 213.
[2]. سورة الأنفال، الآية 65.
اكتشافات واختراعات مهمّة، أنّهم كانوا يعيشون قبل كلّ شيء حالة الصبر والاستقامة والمثابرة في أعمالهم ودراساتهم، فأحياناً يضطر أحد العلماء للكشف عن قانون علمي إلى اختيار العزلة والانزواء في المكتبة أو المختبر لعدّة سنوات حتّى يوفق أخيراً إلى هدفه واكتشافه.
وقد ورد عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام قوله«مَنْ رَكِبَ مَراكِبَ الصَّبْرِ اهْتُدِىَ الَى مَيْدَانِ النَّصْرِ»[1].
وكذلك ورد عن هذا الإمام قوله«مِفْتَاحُ الظَّفَرِ لُزُومِ الصَّبْرِ»[2].
ومن جهة اخرى نجد أنّ الأشخاص الّذين يشكون ضعف العزم وقلّة الصبر والاستقامة فإنّهم يتلوثون بسرعة بأنواع الذنوب، لأنّ الذنوب لها جاذبية قوية للنفس الأمارة في الإنسان، فلو لم تكن في الإنسان قدرة على مقاومتها لأسرع الإنسان الخطى في منزلقات الانحطاط والرذيلة.
وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام قوله«كَمْ مِنْ صَبْرِ سَاعَةٍ قَدْ اوْرَثَتْ فَرَحَاً طَويلًا وَكَمْ مِنْ لَذَّةِ سَاعَةٍ قَدْ اوْرَثَتْ حُزْناً طَويلًا»[3].
ومن الممكن أن يبتلي الإنسان في مسيرة حياته بأنواع الضرر والخسارة المادية والمعنوية والاجتماعية، مثلًا بالنسبة إلى موت الأحبّة يجب القول: إن هؤلاء الأحبّة من الأصدقاء والاقرباء لم يتولدوا في وقت واحد وسوف لا يرحلون من هذه الدنيا في وقتٍ واحد أيضاً، فهناك من يرحل قبل الآخر وهناك من يتأخر، والأشخاص الّذين يرحلون من هذه الدنيا أسرع سوف يخلفون في قلوب أحبتهم حالات الغم والحزن على فراقهم، فلو أنّ الإنسان لم يتحل بالصبر فسوف يفقد سلامته النفسية وصحّته الجسمية ويعيش اليأس في الحياة ويتأخر عن القافلة.
[1]. كنز الفوائد، ص 58.
[2]. غرر الحكم، ح 9809.
[3]. بحار الأنوار، ج 68، ص 19، ح 45.
أجل فإنّ الصبر مع وجود جميع هذه الحوادث والمصاعب يمنح روح الإنسان وقلبه القدرة على الاستمرار في حركة الحياة وإدامة السلوك في خطّ التكامل الإنساني.
وقد رأينا في الأحاديث السابقة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول إنّ ثواب الصبر لدى الشيعة مقابل المصائب والبلايا يعادل ثواب ألف شهيد، وهذا المعنى يدلل على ما تقدّم آنفاً من أهمية الصبر.
والخلاصة هي إننا كلّما تحدّثنا عن أهمية الصبر ودوره في الصعود بالإنسان في مدارج الكمال المادي والمعنوي، الدنيوي والأخروي، فلا نصل إلى غاية الكلام ولا نحيط بتمام الموضوع، ولهذا فلا ينبغي أن نتصور أنّ ما ورد في الروايات الشريفة عن ثواب الصابرين هو مبالغة في الكلام، وبعبارة اخرى: يمكن التمسك بالحديث الشريف الوارد عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال«انَّهُ مَنْ صَبَرَ نَالَ بِصَبْرِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقائِمِ، وَدَرَجَةِ الشَّهيدِ الّذي ضَرَبَ بِسَيفِهِ قُدّامَ مُحمَّدٍ صلى الله عليه و آله»[1].
أقسام الصبر:
وقد ورد في الكثير من كتب الأخلاق وكلمات علماء الأخلاق أنّ الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- الصبر على الطاعة.
2- الصبر على المعصية.
3- الصبر على المصيبة.
والمراد من «الصبر على الطاعة» هو مقاومة المشكلات الّتي تعترض طريق الطاعة للَّه تعالى وامتثال أوامره من قبيل أداء الصلاه والصوم والحجّ والجهاد ودفع الحقوق المالية مثل الخمس والزكاة، وكذلك الصبر والاستقامة مقابل المشكلات الّتي تقع في طريق طاعة الأوامر الاستحبابية والّتي تستوعب دائرة عريضة، والمقصود من «الصبر على المعصية» هو
[1]وسائل الشيعة، ج 11، كتاب الجهاد، ص 209، ح 5.
الوقوف أمام الأهواء والدوافع النفسية والنوازع الدنيوية الّتي تستعر في قلب الإنسان وباطنه، وقد تستعر نيرانها إلى درجة أن تتحول إلى اعصار يدمر جميع عناصر الخير في الإنسان، ويتلف ما لديه من الإيمان والتقوى والطهارة والصدق والصفاء وأمثال ذلك.
والمقصود من الصبر على المصيبة هو أن يتحلّى الإنسان بالصبر في حياته مقابل الحوادث المؤلمة من قبيل فقد الأحبّة، الخسارة المالية الكبيرة، وقوع شخصيته وسمعته الاجتماعية في الخطر، وقوع الإنسان في مخالب المرض العسير والمؤلم، والابتلاء برفاق السوء أو الشريك الخائن أو الحكومة الظالمة وأحياناً الزوج والزوجة الفاسدة وأمثال ذلك.
وقد أورد علماء الأخلاق هذا التقسيم للصبر اقتباساً من الروايات الشريفة كما ورد في الحديث الشريف النبوي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:«الصَّبْرُ ثَلاثَةٌ، صَبْرٌ عَلَى الْمُصيبَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى المُصيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزائِهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ مِائةٍ دَرَجَةٍ مَا بَينَ الدَّرَجَةِ الَى الدَّرَجَةِ كَما بَينَ السَّمَاءِ الَى الارضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّ مائةِ دَرَجَةٍ، مَا بَينَ الدَّرَجَةِ الَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومُ الْارضِ الَى الْعَرْشِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصيةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَ مِائةِ دَرَجَةٍ مَا بَينَ الدَّرَجَةِ الى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومِ الارْضِ الَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ»[1].
ويستفاد من عبارات هذا الحديث الشريف الصبر على المعصية أهمّ من الجميع، ثمّ الصبر على الطاعة، ثمّ الصبر على المصيبة الّذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والثواب.
ويقول أميرالمؤمنين عليه السلام في حديث آخر بعد أن يقسم الإيمان إلى أربع«الصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى ارْبَعِ شُعَبٍ، عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُبِ»[2].
ومع قليل من التأمل يتضح أنّ هدف الإمام عليه السلام من هذا البيان هو شرح دوافع الصبر والاستقامة لا فروعه وأغصانه، وهو مثل ما تقدّم من الحديث النبوي الشريف.
[1]. بحار الأنوار، ج 68، ص 77، في اصول الكافي، ج 2، ص 91 بهذا المعنى.
[2]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح 31.
دوافع الصبر والاستقامة:
إن العوامل والعناصر الّتي تمنح الإنسان القدرة على الصبر مقابل مشكلات الطاعة وترك المعصية أو مقابل المصائب هي كثيرة، ولكلٍّ واحدٍ منها تأثير خاصّ في تقوية وتعميق هذه الفضيلة الأخلاقية في واقع النفس، وأهمها:
1- تقوية دعائم الإيمان واليقين في القلب، وخاصّةً مع ملاحظة هذه النكتة، وهي أنّ اللَّه تعالى هو أرحم الراحمين وهو المتكفل لرعاية مصالح عباده والعناية بهم، ومن هذا المنطلق قد يبتلي الإنسان ببعض الحوادث الّتي تكون أسرارها ومنافعها خفية على الإنسان ليقوي به روح الصبر، وهنا ينبغي الالتفات والتفكر بالثواب العظيم الّذي أعده اللَّه تعالى للمطيعين والورعين عن ارتكاب المعاصي فإنّ ذلك من شأنه أن يرسخ في عزم الإنسان عنصر الصبر والاستقامة.
ومن ذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«أَصْلُ الصَّبْرِ حُسْنُ الْيَقِينِ بِاللَّهِ»[1].
وبديهي انه كلّما اشتد إيمان الإنسان وكثرت معرفته بحكمة اللَّه ورحمته فإنّ صبره سيزداد تبعاً لذلك، وبتعبير آخر: أنّ تحمل الصبر سيكون أسهل وأيسر، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه«انَّا صُبَّرٌ وَشِيعَتُنا اصْبَرُ مِنّا»فقال له الراوي: جعلت فداك كيف يكون شيعتكم أصبرُ منكم؟ فأجابه الإمام عليه السلام«لَانّا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ وَشيعَتُنا يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لايَعْلَمُونَ»[2].
2- إن تحصيل ملكة الصبر واكتساب هذه الفضيلة حاله حال الفضائل الأخلاقية الاخرى لابدّ فيه من الممارسة والتمرن ومقابلة الحوادث الصعبة ومواجهة التحديات المفروضة على الإنسان، ولهذا ورد عن أميرالمؤمنين قوله«مَنْ تَوالَتْ عَلَيهِ نَكَباتُ الزَّمانِ اكْسَبَتْهُ فَضيلَةُ الصَّبْرِ»[3].
وبعبارة اخرى: إن الإنسان في بداية مواجهته للمصيبة قد يصرخ ويحزن بشدّة، وكذلك
[1]. غرر الحكم، ح 3084.
[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 93، ح 25.
[3]. غرر الحكم، ح 9144.