بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 428

أجل فإنّ الصبر مع وجود جميع هذه الحوادث والمصاعب يمنح روح الإنسان وقلبه القدرة على الاستمرار في حركة الحياة وإدامة السلوك في خطّ التكامل الإنساني.

وقد رأينا في الأحاديث السابقة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول إنّ ثواب الصبر لدى‌ الشيعة مقابل المصائب والبلايا يعادل ثواب ألف شهيد، وهذا المعنى يدلل على ما تقدّم آنفاً من أهمية الصبر.

والخلاصة هي إننا كلّما تحدّثنا عن أهمية الصبر ودوره في الصعود بالإنسان في مدارج الكمال المادي والمعنوي، الدنيوي والأخروي، فلا نصل إلى غاية الكلام ولا نحيط بتمام الموضوع، ولهذا فلا ينبغي أن نتصور أنّ ما ورد في الروايات الشريفة عن ثواب الصابرين هو مبالغة في الكلام، وبعبارة اخرى: يمكن التمسك بالحديث الشريف الوارد عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال‌«انَّهُ مَنْ صَبَرَ نَالَ بِصَبْرِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقائِمِ، وَدَرَجَةِ الشَّهيدِ الّذي ضَرَبَ بِسَيفِهِ قُدّامَ مُحمَّدٍ صلى الله عليه و آله»[1].

أقسام الصبر:

وقد ورد في الكثير من كتب الأخلاق وكلمات علماء الأخلاق أنّ الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- الصبر على الطاعة.

2- الصبر على المعصية.

3- الصبر على المصيبة.

والمراد من «الصبر على الطاعة» هو مقاومة المشكلات الّتي تعترض طريق الطاعة للَّه تعالى وامتثال أوامره من قبيل أداء الصلاه والصوم والحجّ والجهاد ودفع الحقوق المالية مثل الخمس والزكاة، وكذلك الصبر والاستقامة مقابل المشكلات الّتي تقع في طريق طاعة الأوامر الاستحبابية والّتي تستوعب دائرة عريضة، والمقصود من «الصبر على المعصية» هو

[1]وسائل الشيعة، ج 11، كتاب الجهاد، ص 209، ح 5.


صفحه 429

الوقوف أمام الأهواء والدوافع النفسية والنوازع الدنيوية الّتي تستعر في قلب الإنسان وباطنه، وقد تستعر نيرانها إلى درجة أن تتحول إلى اعصار يدمر جميع عناصر الخير في الإنسان، ويتلف ما لديه من الإيمان والتقوى والطهارة والصدق والصفاء وأمثال ذلك.

والمقصود من الصبر على المصيبة هو أن يتحلّى الإنسان بالصبر في حياته مقابل الحوادث المؤلمة من قبيل فقد الأحبّة، الخسارة المالية الكبيرة، وقوع شخصيته وسمعته الاجتماعية في الخطر، وقوع الإنسان في مخالب المرض العسير والمؤلم، والابتلاء برفاق السوء أو الشريك الخائن أو الحكومة الظالمة وأحياناً الزوج والزوجة الفاسدة وأمثال ذلك.

وقد أورد علماء الأخلاق هذا التقسيم للصبر اقتباساً من الروايات الشريفة كما ورد في الحديث الشريف النبوي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:«الصَّبْرُ ثَلاثَةٌ، صَبْرٌ عَلَى الْمُصيبَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى المُصيبَةِ حَتَّى‌ يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزائِهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ مِائةٍ دَرَجَةٍ مَا بَينَ الدَّرَجَةِ الَى‌ الدَّرَجَةِ كَما بَينَ السَّمَاءِ الَى الارضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّ مائةِ دَرَجَةٍ، مَا بَينَ الدَّرَجَةِ الَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومُ الْارضِ الَى الْعَرْشِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصيةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَ مِائةِ دَرَجَةٍ مَا بَينَ الدَّرَجَةِ الى‌ الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومِ الارْضِ الَى‌ مُنْتَهَى الْعَرْشِ»[1].

ويستفاد من عبارات هذا الحديث الشريف الصبر على المعصية أهمّ من الجميع، ثمّ الصبر على الطاعة، ثمّ الصبر على المصيبة الّذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والثواب.

ويقول أميرالمؤمنين عليه السلام في حديث آخر بعد أن يقسم الإيمان إلى أربع‌«الصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى‌ ارْبَعِ شُعَبٍ، عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُبِ»[2].

ومع قليل من التأمل يتضح أنّ هدف الإمام عليه السلام من هذا البيان هو شرح دوافع الصبر والاستقامة لا فروعه وأغصانه، وهو مثل ما تقدّم من الحديث النبوي الشريف.

[1]. بحار الأنوار، ج 68، ص 77، في اصول الكافي، ج 2، ص 91 بهذا المعنى.

[2]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح 31.


صفحه 430

دوافع الصبر والاستقامة:

إن العوامل والعناصر الّتي تمنح الإنسان القدرة على الصبر مقابل مشكلات الطاعة وترك المعصية أو مقابل المصائب هي كثيرة، ولكلٍّ واحدٍ منها تأثير خاصّ في تقوية وتعميق هذه الفضيلة الأخلاقية في واقع النفس، وأهمها:

1- تقوية دعائم الإيمان واليقين في القلب، وخاصّةً مع ملاحظة هذه النكتة، وهي أنّ اللَّه تعالى هو أرحم الراحمين وهو المتكفل لرعاية مصالح عباده والعناية بهم، ومن هذا المنطلق قد يبتلي الإنسان ببعض الحوادث الّتي تكون أسرارها ومنافعها خفية على الإنسان ليقوي به روح الصبر، وهنا ينبغي الالتفات والتفكر بالثواب العظيم الّذي أعده اللَّه تعالى للمطيعين والورعين عن ارتكاب المعاصي فإنّ ذلك من شأنه أن يرسخ في عزم الإنسان عنصر الصبر والاستقامة.

ومن ذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«أَصْلُ الصَّبْرِ حُسْنُ الْيَقِينِ بِاللَّهِ»[1].

وبديهي انه كلّما اشتد إيمان الإنسان وكثرت معرفته بحكمة اللَّه ورحمته فإنّ صبره سيزداد تبعاً لذلك، وبتعبير آخر: أنّ تحمل الصبر سيكون أسهل وأيسر، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه‌«انَّا صُبَّرٌ وَشِيعَتُنا اصْبَرُ مِنّا»فقال له الراوي: جعلت فداك كيف يكون شيعتكم أصبرُ منكم؟ فأجابه الإمام عليه السلام‌«لَانّا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ وَشيعَتُنا يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لايَعْلَمُونَ»[2].

2- إن تحصيل ملكة الصبر واكتساب هذه الفضيلة حاله حال الفضائل الأخلاقية الاخرى لابدّ فيه من الممارسة والتمرن ومقابلة الحوادث الصعبة ومواجهة التحديات المفروضة على الإنسان، ولهذا ورد عن أميرالمؤمنين قوله‌«مَنْ تَوالَتْ عَلَيهِ نَكَباتُ الزَّمانِ اكْسَبَتْهُ فَضيلَةُ الصَّبْرِ»[3].

وبعبارة اخرى: إن الإنسان في بداية مواجهته للمصيبة قد يصرخ ويحزن بشدّة، وكذلك‌

[1]. غرر الحكم، ح 3084.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 93، ح 25.

[3]. غرر الحكم، ح 9144.


صفحه 431

عندما يتحرّك في خط الطاعة والاتيان بالعبادة فإنه قد يواجه مشكلة من ثقل هذه العبادة ويشعر بالتعب، ولكن تكرار هذه الحوادث وممارسة هذه العبادات سوف تكسبه بالتدريج فضيلة الصبر وتمنحه القوّة في ذاته على الاستمرار في خطّ الاستقامة.

3- ومن العوامل المهمة في تقوية ملكة الصبر في الإنسان أن يلتفت الشخص إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الدنيا دار الحوادث والمشكلات، ولا يتسنّى‌ له الحصول على أية موهبة من المواهب المادية والمعنوية من دون عبور هذه الموانع المختلفة والتغلب على تلكم المشكلات، وأيضاً يلتفت إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الأفراد الّذين يعيشون النزق وقلة الصبر وسرعة الانفلات لا يصلون إلى مرتبة من مراتب الكمال النفسي والاجتماعي، كلّ ذلك من شأنه أن يقوي في الإنسان العزم والإرادة والصمود أمام المشكلات والحوادث.

وكما تقدّمت الإشارة إليه انه لابدّ لقطف الوردة من تحمل ألم الوخزة، ولتناول جرعة من العسل لابدّ من تحمل لسع النحل، وأنّ الكنوز موجودة عادّةً في الخرائب، والجنّة كامنة في أعماق المشاكل والحوادث المؤلمة.

ومن المعلوم أنّ كلّ إنسان يتفكر جيّداً في هذه الامور فإنه سيجد في نفسه القدرة على الصبر أكثر وتتعمق فيه هذه الفضيلة الأخلاقية، ومن ذلك ورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«لِكُلِّ نِعْمَةٍ مِفْتاحٌ وَمِغْلاقٌ وَمِفتاحُهَا الصَّبْرُ وَمِغلاقُها الْكَسَلْ»[1].

4- وأحد العوامل والدوافع الاخرى للصبر وسُبل تقويته في وجود الإنسان هو أن يتشبه الإنسان بالصابرين، وهذا الأمر يصدق على جميع الفضائل الأخلاقية، فكلّما تحلّى‌ الإنسان في الظاهر بصفة معيّنة فسوف تنفذ وتمتد إلى باطنه بالتدريج ويكتسب بذلك هذه الملكة.

وورد في حديث شريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌«مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرُهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِف يَعُفَّهُ اللَّهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهُ اللَّهُ وَمَا اعْطِي عَبْدٌ عَطاءً هُوَ خَيرٌ وَاوسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»[2].

[1]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 322.

[2]. ميزان الحكمة، ج 2، ح 10128.


صفحه 432

5- الصبر له علاقة وثيقة بسعة وجود الإنسان وشخصيته، فكلّما اتسعت ظرفية الإنسان وقويت شخصيته فإنه يعيش الصبر والاستقامة أكثر وأشد، ولهذا السبب فإنّ الأطفال وكذلك الكبار الّذين يعيشون حالة الطفولة يجزعون لأقل حادثة، في حين أنّ الأشخاص الّذين يتمتعون بشخصية قوية وسعة صدر فإنه يهضمون المشكلات ويتغلبون عليها.

إن المسبح الصغير قد يتماوج بأدنى‌ نسيم وأقل ريح بينما البحر الكبير لا يتماوج بهذه السهولة، وإنما سمّي أكبر المحيطات في الدنيا بالمحيط الهادي لأن هيجان أمواجه هي أقل من هيجان الأمواج في المحيطات الاخرى.

إن مطالعة سيرة الشخصيات المهمة في التاريخ البشري وخاصّة الأنبياء والأولياء الإلهيين الّذين وصلوا إلى مقامات عالية ومراتب سامية في دائرة الكمال المعنوي بسبب الصبر والاستقامة، يمكنها أن تكون من العوامل المؤثرة في تقوية هذه الملكة الحميدة في الإنسان ويكون دافعاً له على التحلي بهذه الفضيلة أسوةً بهؤلاء العظام.

إن مسألة الصبر والاستقامة مقابل الحوادث المؤلمة والمشكلات الكبيرة الّتي تواجه الإنسان في حركة الحياة لا تقتصر على البعد الأخلاقي والمعنوي فحسب بل هي مؤثرة بالنسبة إلى سلامة البدن وقواه الحيوية، فالأشخاص الّذين لا يملكون حالة الصبر أمام الحوادث فإنّ حياتهم عادةً تكون مقترنة بأنواع الأمراض وأهمها الأمراض القلبية والعصبية، في حين أنّ الصابرين يتمتعون بعمرٍ طويل مع سلامة بدنية نسبية، ولذلك فإنّ علماء النفس يرون أنّ الدين بصورة عامة «والّذي يقوي في الإنسان حالة الصبر أمام المشكلات» يعد أحد شروط سلامة الجسم والصحّة النفسية.

وفي الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«مَن احَبَّ الْبَقاءَ فَلْيُعِدَّ لِلْمَصائِبِ قَلْباً صَبُوراً»[1].

«الجزع»يقع في النقطة المقابلة للصبر، وهو الحالة النفسية الّتي لا تنضبط فيها النفس أمام الحوادث والمشاكل بحيث يعيش الإنسان الرضوخ والإذعان بالأمر الواقع وتحدياته‌

[1]. بحار الأنوار، ج 75، ص 81، ح 71.


صفحه 433

الصعبة وتتملكه حالة اليأس من الخلاص، أو تمنعه هذه الحالة من التحرّك والسعي نحو المقصود والهدف.

إن الجزع يعد من اشنع الصفات الأخلاقية وأسوأ الحالات النفسية للإنسان حيث تفضي به إلى الشقاء في الدنيا والآخرة وتمنعه من تحصيل المقامات والمراتب العالية في معراج الكمال، وتؤدي كذلك إلى فقدان شخصيته وحيثيته في المجتمع وتكون حياته مليئة بالمنغصات والمؤلمات فلا يرى للراحة والسعادة وجهاً.

وقد وصف القرآن الكريم الإنسان في سورة المعارج بأنه موجود حريص وقليل الصبر عندما يدهمه بلاءٌ وسوء، وعندما يحصل على شي‌ء من النعمة والخير فإنه يتحرك فيه عنصر البخل ويمنعه من البذل والعطاء كما تقول الآية: «انَّ الْانْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* اذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَاذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً»[1].

والمراد من الإنسان في هذه الآية «كما وردت هذه الكلمة في آيات قرآنية اخرى تصف الإنسان بصفات سلبية مشابهة» هو الإنسان الّذي لم يصل بعد إلى مستوى‌ النضج الأخلاقي والعاطفي ولم يسلك في خطّ تهذيب النفس، ولذلك ورد في ذيل هذه الآيات استثناء الأشخاص الّذين يعيشون الإيمان ويسلكون في خطّ الصلاة ومساعدة المحرومين ومراعاة اصول العفة والأمانة كما تقول الآيات «الَّا الْمُصَلِّينَ ..... والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِم يُحَافِظُونَ»[2].

إنّ تعبير الآيات أعلاه لعلّه إشارة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الأشخاص الّذين يعيشون الجزع وقلّة الصبر هم عادةً من البخلاء أيضاً، كما أنّ البخلاء يتسمون بالجزع أيضاً، وبعبارة اخرى: أنّ هاتين الصفتين يرتبطان برابطة وثيقة ويجتمعان في دائرة مفهوم‌«هلوع».

وقد ورد في الروايات الإسلامية أيضاً بحوث عميقة وجذابة تتضمن ملاحظات دقيقة في هذا المجال، وفيما يلي نشير إلى بعض النماذج منها:

[1]. سورة المعارج، الآية 19- 21.

[2]. سورة المعارج، الآية 22- 34.


صفحه 434

1- ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام في ذمّ الجزع قوله‌«ايَّاكَ وَالْجَزَعَ فَانَّهُ يَقْطَعُ الامَلَ وَيُضَعِّفُ الْعَمَلَ وَيُورِثُ الهَمَّ»[1].

2- وقد ورد أيضاً عن هذا الإمام يقول في حديث آخر ضمن الإشارة إلى نكتة لطيفة اخرى:«الْجَزَعُ اتْعَبُ مِنَ الصَّبْرِ»[2].

والسبب في ذلك واضح، وهو أنّ الجزع وقلّة الصبر لا يحل أيَّة مشكلة وليس له أثر سوى‌ أن يحطم عناصر القوّة والاستقامة في روح الإنسان وجسمه، ولهذا فإنّ الّذي يعيش الجزع يوقع نفسه في التعب أكثر من الصابر، مثلًا عندما يفقد الإنسان عزيزاً له يمكن أن يصرخ ويلطم وجهه ويضرب رأسه بالجدار أو ينتحر أخيراً، ولكن أية واحدة من هذه السلوكيات لا تعيد له عزيزه، بل من شأنها أن تدمر دعائم الإيمان في قلبه وتحطيم أركان سلامته البدنية والروحية، مضافاً إلى انه سيتلف ثوابه الأُخروي.

3- ويقول الإمام علي عليه السلام أيضاً«الْجَزَعُ لا يَدْفَعُ الْقَدَرَ وَلَكِنْ يُحْبِطُ الاجْرَ»[3].

وبالنسبة إلى سبب احباط الأجر فلابدّ من القول: أنّ الجزع وعدم الصبر علامة على عدم الرضا وعدم التسليم لقضاء اللَّه وقدره، فهو في الواقع اعتراض على عدل اللَّه وحكمته حتّى‌ لو كان الجازع غافلًا عن هذا المطلب.

4- وورد في حديثٍ آخر عن الإمام الهادي عليه السلام وضمن الإشارة إلى نكتة اخرى‌«الْمُصِيبَةُ لِلصَّابِرِ وَاحِدَةٌ وَلِلْجَازِعِ اثْنانِ»[4]. وكما تقدّم أنّ الجزع وعدم الصبر من شأنه مضافاً إلى زوال أجره وانعدام ثوابه أن يزيد في مشكلته، وعليه فإنّ المصيبة على الجازع مضاعفة.

5- ويقول الإمام الكاظم عليه السلام في بيانه لأحد وصايا المسيح عليه السلام‌«وَلَا تَجْعَلُوا قُلُوبَكُم مَأْوىً لِلشَّهَواتِ انَّ اجْزَعَكُم عِنْدَ الْبَلاءِ لَاشَدُّكُم حُبّاً لِلدُّنيَا وَانَّ اصْبَرَكُمْ عَلَى الْبَلاءِ

[1]. بحار الأنوار، ج 79، ص 144.

[2]. بحار الأنوار، ج 79، ص 131، ح 16.

[3]. غرر الحكم، ح 1876.

[4]. بحار الأنوار، ج 79، ص 144.


صفحه 435

لَازْهَدُكُم فِي الدُّنيَا»[1].

ويستفاد من هذه الرواية أنّ المصدر الأساس للجزع وعدم الصبر هو الحرص وحبّ الدنيا، ولأجل أن يخفف الإنسان من شدّة الجزع عليه أن يخفف من حبّه للدنيا وتعلقه بزخارفها.

6- ونقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«انْ تَحْتَسِبُوا وَتَصْبِرُوا تُوجَرُوا، وَانْ تَجْزَعُوا تَأْثِمُوا وَتُوزَرُوا»[2].

7- وفي حديثٍ مختصر وعميق المعنى عن أميرالمؤمنين عليه السلام يقول‌«مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ اهْلَكَهُ الْجَزَعُ»[3].

ونختم هذا البحث بحديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بعنوان‌«مسك الختام»فقد ورد في هذا الحديث أنّ رسول اللَّه كتب إلى‌ بعض أصحابه يعزّيه بابنه: «أما بعد فعظم اللَّه جلّ اسمه لك الأجر والهمك الصبر ... فلا تجمعن أن يحبط جزعك أجرك وأن تندم غداً على ثواب مصيبتك وانك لو قدمت على‌ ثوابها علمت أنّ المصيبة قد قصرت عنها واعلم أنّ الجزع لا يرد فائتاً ولا يدفع حزن قضاء فليذهب أسفك ما هو نازل بك مكان ابنك والسلام»[4].

وينقل المرحوم المحدّث القمّي في «سفينة البحار» قصة جميلة عن «بزرجمهر» وزير كسرى تتعلق بمسألة الصبر هذه ويقول: «حكي عن بعض التواريخ أنّه سخط كسرى على بزرجمهر، فحبسه في بيت مظلم وأمر أن يصفّد بالحديد، فبقي أياماً على تلك الحال، فأرسل إليه من يسأله عن حاله، فإذا هو منشرح الصدر مطمئن النفس، فقالوا له: أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم البال. فقال: اصطنعت ستة أخلاط وعجنتها واستعملتها فهي الّتي ابقتني على ما ترون.

[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 106.

[2]. بحار الأنوار، ج 6، ص 169.

[3]. بحار الأنوار، ج 68، ص 96.

[4]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1563، ح 10118.