دوافع الصبر والاستقامة:
إن العوامل والعناصر الّتي تمنح الإنسان القدرة على الصبر مقابل مشكلات الطاعة وترك المعصية أو مقابل المصائب هي كثيرة، ولكلٍّ واحدٍ منها تأثير خاصّ في تقوية وتعميق هذه الفضيلة الأخلاقية في واقع النفس، وأهمها:
1- تقوية دعائم الإيمان واليقين في القلب، وخاصّةً مع ملاحظة هذه النكتة، وهي أنّ اللَّه تعالى هو أرحم الراحمين وهو المتكفل لرعاية مصالح عباده والعناية بهم، ومن هذا المنطلق قد يبتلي الإنسان ببعض الحوادث الّتي تكون أسرارها ومنافعها خفية على الإنسان ليقوي به روح الصبر، وهنا ينبغي الالتفات والتفكر بالثواب العظيم الّذي أعده اللَّه تعالى للمطيعين والورعين عن ارتكاب المعاصي فإنّ ذلك من شأنه أن يرسخ في عزم الإنسان عنصر الصبر والاستقامة.
ومن ذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«أَصْلُ الصَّبْرِ حُسْنُ الْيَقِينِ بِاللَّهِ»[1].
وبديهي انه كلّما اشتد إيمان الإنسان وكثرت معرفته بحكمة اللَّه ورحمته فإنّ صبره سيزداد تبعاً لذلك، وبتعبير آخر: أنّ تحمل الصبر سيكون أسهل وأيسر، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه«انَّا صُبَّرٌ وَشِيعَتُنا اصْبَرُ مِنّا»فقال له الراوي: جعلت فداك كيف يكون شيعتكم أصبرُ منكم؟ فأجابه الإمام عليه السلام«لَانّا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ وَشيعَتُنا يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لايَعْلَمُونَ»[2].
2- إن تحصيل ملكة الصبر واكتساب هذه الفضيلة حاله حال الفضائل الأخلاقية الاخرى لابدّ فيه من الممارسة والتمرن ومقابلة الحوادث الصعبة ومواجهة التحديات المفروضة على الإنسان، ولهذا ورد عن أميرالمؤمنين قوله«مَنْ تَوالَتْ عَلَيهِ نَكَباتُ الزَّمانِ اكْسَبَتْهُ فَضيلَةُ الصَّبْرِ»[3].
وبعبارة اخرى: إن الإنسان في بداية مواجهته للمصيبة قد يصرخ ويحزن بشدّة، وكذلك
[1]. غرر الحكم، ح 3084.
[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 93، ح 25.
[3]. غرر الحكم، ح 9144.
عندما يتحرّك في خط الطاعة والاتيان بالعبادة فإنه قد يواجه مشكلة من ثقل هذه العبادة ويشعر بالتعب، ولكن تكرار هذه الحوادث وممارسة هذه العبادات سوف تكسبه بالتدريج فضيلة الصبر وتمنحه القوّة في ذاته على الاستمرار في خطّ الاستقامة.
3- ومن العوامل المهمة في تقوية ملكة الصبر في الإنسان أن يلتفت الشخص إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الدنيا دار الحوادث والمشكلات، ولا يتسنّى له الحصول على أية موهبة من المواهب المادية والمعنوية من دون عبور هذه الموانع المختلفة والتغلب على تلكم المشكلات، وأيضاً يلتفت إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الأفراد الّذين يعيشون النزق وقلة الصبر وسرعة الانفلات لا يصلون إلى مرتبة من مراتب الكمال النفسي والاجتماعي، كلّ ذلك من شأنه أن يقوي في الإنسان العزم والإرادة والصمود أمام المشكلات والحوادث.
وكما تقدّمت الإشارة إليه انه لابدّ لقطف الوردة من تحمل ألم الوخزة، ولتناول جرعة من العسل لابدّ من تحمل لسع النحل، وأنّ الكنوز موجودة عادّةً في الخرائب، والجنّة كامنة في أعماق المشاكل والحوادث المؤلمة.
ومن المعلوم أنّ كلّ إنسان يتفكر جيّداً في هذه الامور فإنه سيجد في نفسه القدرة على الصبر أكثر وتتعمق فيه هذه الفضيلة الأخلاقية، ومن ذلك ورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«لِكُلِّ نِعْمَةٍ مِفْتاحٌ وَمِغْلاقٌ وَمِفتاحُهَا الصَّبْرُ وَمِغلاقُها الْكَسَلْ»[1].
4- وأحد العوامل والدوافع الاخرى للصبر وسُبل تقويته في وجود الإنسان هو أن يتشبه الإنسان بالصابرين، وهذا الأمر يصدق على جميع الفضائل الأخلاقية، فكلّما تحلّى الإنسان في الظاهر بصفة معيّنة فسوف تنفذ وتمتد إلى باطنه بالتدريج ويكتسب بذلك هذه الملكة.
وورد في حديث شريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله«مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرُهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِف يَعُفَّهُ اللَّهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهُ اللَّهُ وَمَا اعْطِي عَبْدٌ عَطاءً هُوَ خَيرٌ وَاوسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»[2].
[1]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 322.
[2]. ميزان الحكمة، ج 2، ح 10128.
5- الصبر له علاقة وثيقة بسعة وجود الإنسان وشخصيته، فكلّما اتسعت ظرفية الإنسان وقويت شخصيته فإنه يعيش الصبر والاستقامة أكثر وأشد، ولهذا السبب فإنّ الأطفال وكذلك الكبار الّذين يعيشون حالة الطفولة يجزعون لأقل حادثة، في حين أنّ الأشخاص الّذين يتمتعون بشخصية قوية وسعة صدر فإنه يهضمون المشكلات ويتغلبون عليها.
إن المسبح الصغير قد يتماوج بأدنى نسيم وأقل ريح بينما البحر الكبير لا يتماوج بهذه السهولة، وإنما سمّي أكبر المحيطات في الدنيا بالمحيط الهادي لأن هيجان أمواجه هي أقل من هيجان الأمواج في المحيطات الاخرى.
إن مطالعة سيرة الشخصيات المهمة في التاريخ البشري وخاصّة الأنبياء والأولياء الإلهيين الّذين وصلوا إلى مقامات عالية ومراتب سامية في دائرة الكمال المعنوي بسبب الصبر والاستقامة، يمكنها أن تكون من العوامل المؤثرة في تقوية هذه الملكة الحميدة في الإنسان ويكون دافعاً له على التحلي بهذه الفضيلة أسوةً بهؤلاء العظام.
إن مسألة الصبر والاستقامة مقابل الحوادث المؤلمة والمشكلات الكبيرة الّتي تواجه الإنسان في حركة الحياة لا تقتصر على البعد الأخلاقي والمعنوي فحسب بل هي مؤثرة بالنسبة إلى سلامة البدن وقواه الحيوية، فالأشخاص الّذين لا يملكون حالة الصبر أمام الحوادث فإنّ حياتهم عادةً تكون مقترنة بأنواع الأمراض وأهمها الأمراض القلبية والعصبية، في حين أنّ الصابرين يتمتعون بعمرٍ طويل مع سلامة بدنية نسبية، ولذلك فإنّ علماء النفس يرون أنّ الدين بصورة عامة «والّذي يقوي في الإنسان حالة الصبر أمام المشكلات» يعد أحد شروط سلامة الجسم والصحّة النفسية.
وفي الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«مَن احَبَّ الْبَقاءَ فَلْيُعِدَّ لِلْمَصائِبِ قَلْباً صَبُوراً»[1].
«الجزع»يقع في النقطة المقابلة للصبر، وهو الحالة النفسية الّتي لا تنضبط فيها النفس أمام الحوادث والمشاكل بحيث يعيش الإنسان الرضوخ والإذعان بالأمر الواقع وتحدياته
[1]. بحار الأنوار، ج 75، ص 81، ح 71.
الصعبة وتتملكه حالة اليأس من الخلاص، أو تمنعه هذه الحالة من التحرّك والسعي نحو المقصود والهدف.
إن الجزع يعد من اشنع الصفات الأخلاقية وأسوأ الحالات النفسية للإنسان حيث تفضي به إلى الشقاء في الدنيا والآخرة وتمنعه من تحصيل المقامات والمراتب العالية في معراج الكمال، وتؤدي كذلك إلى فقدان شخصيته وحيثيته في المجتمع وتكون حياته مليئة بالمنغصات والمؤلمات فلا يرى للراحة والسعادة وجهاً.
وقد وصف القرآن الكريم الإنسان في سورة المعارج بأنه موجود حريص وقليل الصبر عندما يدهمه بلاءٌ وسوء، وعندما يحصل على شيء من النعمة والخير فإنه يتحرك فيه عنصر البخل ويمنعه من البذل والعطاء كما تقول الآية: «انَّ الْانْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* اذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَاذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً»[1].
والمراد من الإنسان في هذه الآية «كما وردت هذه الكلمة في آيات قرآنية اخرى تصف الإنسان بصفات سلبية مشابهة» هو الإنسان الّذي لم يصل بعد إلى مستوى النضج الأخلاقي والعاطفي ولم يسلك في خطّ تهذيب النفس، ولذلك ورد في ذيل هذه الآيات استثناء الأشخاص الّذين يعيشون الإيمان ويسلكون في خطّ الصلاة ومساعدة المحرومين ومراعاة اصول العفة والأمانة كما تقول الآيات «الَّا الْمُصَلِّينَ ..... والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِم يُحَافِظُونَ»[2].
إنّ تعبير الآيات أعلاه لعلّه إشارة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الأشخاص الّذين يعيشون الجزع وقلّة الصبر هم عادةً من البخلاء أيضاً، كما أنّ البخلاء يتسمون بالجزع أيضاً، وبعبارة اخرى: أنّ هاتين الصفتين يرتبطان برابطة وثيقة ويجتمعان في دائرة مفهوم«هلوع».
وقد ورد في الروايات الإسلامية أيضاً بحوث عميقة وجذابة تتضمن ملاحظات دقيقة في هذا المجال، وفيما يلي نشير إلى بعض النماذج منها:
[1]. سورة المعارج، الآية 19- 21.
[2]. سورة المعارج، الآية 22- 34.
1- ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام في ذمّ الجزع قوله«ايَّاكَ وَالْجَزَعَ فَانَّهُ يَقْطَعُ الامَلَ وَيُضَعِّفُ الْعَمَلَ وَيُورِثُ الهَمَّ»[1].
2- وقد ورد أيضاً عن هذا الإمام يقول في حديث آخر ضمن الإشارة إلى نكتة لطيفة اخرى:«الْجَزَعُ اتْعَبُ مِنَ الصَّبْرِ»[2].
والسبب في ذلك واضح، وهو أنّ الجزع وقلّة الصبر لا يحل أيَّة مشكلة وليس له أثر سوى أن يحطم عناصر القوّة والاستقامة في روح الإنسان وجسمه، ولهذا فإنّ الّذي يعيش الجزع يوقع نفسه في التعب أكثر من الصابر، مثلًا عندما يفقد الإنسان عزيزاً له يمكن أن يصرخ ويلطم وجهه ويضرب رأسه بالجدار أو ينتحر أخيراً، ولكن أية واحدة من هذه السلوكيات لا تعيد له عزيزه، بل من شأنها أن تدمر دعائم الإيمان في قلبه وتحطيم أركان سلامته البدنية والروحية، مضافاً إلى انه سيتلف ثوابه الأُخروي.
3- ويقول الإمام علي عليه السلام أيضاً«الْجَزَعُ لا يَدْفَعُ الْقَدَرَ وَلَكِنْ يُحْبِطُ الاجْرَ»[3].
وبالنسبة إلى سبب احباط الأجر فلابدّ من القول: أنّ الجزع وعدم الصبر علامة على عدم الرضا وعدم التسليم لقضاء اللَّه وقدره، فهو في الواقع اعتراض على عدل اللَّه وحكمته حتّى لو كان الجازع غافلًا عن هذا المطلب.
4- وورد في حديثٍ آخر عن الإمام الهادي عليه السلام وضمن الإشارة إلى نكتة اخرى«الْمُصِيبَةُ لِلصَّابِرِ وَاحِدَةٌ وَلِلْجَازِعِ اثْنانِ»[4]. وكما تقدّم أنّ الجزع وعدم الصبر من شأنه مضافاً إلى زوال أجره وانعدام ثوابه أن يزيد في مشكلته، وعليه فإنّ المصيبة على الجازع مضاعفة.
5- ويقول الإمام الكاظم عليه السلام في بيانه لأحد وصايا المسيح عليه السلام«وَلَا تَجْعَلُوا قُلُوبَكُم مَأْوىً لِلشَّهَواتِ انَّ اجْزَعَكُم عِنْدَ الْبَلاءِ لَاشَدُّكُم حُبّاً لِلدُّنيَا وَانَّ اصْبَرَكُمْ عَلَى الْبَلاءِ
[1]. بحار الأنوار، ج 79، ص 144.
[2]. بحار الأنوار، ج 79، ص 131، ح 16.
[3]. غرر الحكم، ح 1876.
[4]. بحار الأنوار، ج 79، ص 144.
لَازْهَدُكُم فِي الدُّنيَا»[1].
ويستفاد من هذه الرواية أنّ المصدر الأساس للجزع وعدم الصبر هو الحرص وحبّ الدنيا، ولأجل أن يخفف الإنسان من شدّة الجزع عليه أن يخفف من حبّه للدنيا وتعلقه بزخارفها.
6- ونقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«انْ تَحْتَسِبُوا وَتَصْبِرُوا تُوجَرُوا، وَانْ تَجْزَعُوا تَأْثِمُوا وَتُوزَرُوا»[2].
7- وفي حديثٍ مختصر وعميق المعنى عن أميرالمؤمنين عليه السلام يقول«مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ اهْلَكَهُ الْجَزَعُ»[3].
ونختم هذا البحث بحديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بعنوان«مسك الختام»فقد ورد في هذا الحديث أنّ رسول اللَّه كتب إلى بعض أصحابه يعزّيه بابنه: «أما بعد فعظم اللَّه جلّ اسمه لك الأجر والهمك الصبر ... فلا تجمعن أن يحبط جزعك أجرك وأن تندم غداً على ثواب مصيبتك وانك لو قدمت على ثوابها علمت أنّ المصيبة قد قصرت عنها واعلم أنّ الجزع لا يرد فائتاً ولا يدفع حزن قضاء فليذهب أسفك ما هو نازل بك مكان ابنك والسلام»[4].
وينقل المرحوم المحدّث القمّي في «سفينة البحار» قصة جميلة عن «بزرجمهر» وزير كسرى تتعلق بمسألة الصبر هذه ويقول: «حكي عن بعض التواريخ أنّه سخط كسرى على بزرجمهر، فحبسه في بيت مظلم وأمر أن يصفّد بالحديد، فبقي أياماً على تلك الحال، فأرسل إليه من يسأله عن حاله، فإذا هو منشرح الصدر مطمئن النفس، فقالوا له: أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم البال. فقال: اصطنعت ستة أخلاط وعجنتها واستعملتها فهي الّتي ابقتني على ما ترون.
[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 106.
[2]. بحار الأنوار، ج 6، ص 169.
[3]. بحار الأنوار، ج 68، ص 96.
[4]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1563، ح 10118.
قالوا: صف لنا هذه الأخلاط لعلّنا ننتفع بها عند البلوى.
فقال: نعم، أما الخلط الأوّل فالثقة باللَّه عزّوجلّ.
وأما الثاني: فكلّ مقدّر كائن.
وأما الثالث: فالصبر خير ما استعمله الممتحن.
وأما الرابع: فإذا لم أصبر فماذا أصنع ولا أعين على نفسي بالجزع.
وأما الخامس: فقد يكون أشدّ ممّا أنا فيه.
وأما السادس: فمن ساعة إلى ساعة فرج.
فبلغ ما قاله كسرى فأطلقه وأعزّه[1].
علاج الجزع وقلّة الصبر:
إن هذا المرض النفسي والأخلاقي مثل بقية الأمراض الاخرى له طرق للعلاج ونشير إليها فيما يلي:
1- تشخيص المرض
عندما يتوجه المريض إلى الطبيب الروحاني يقوم هذا الطبيب بالفحص عن علامات المرض الأخلاقي والروحي من قبيل: الضرب على الرأس والوجه، عض الأنامل، الصراخ والعويل، سوء الأخلاق والجفاف في التعامل مع الآخرين، سوء المعاملة مع الزوجة والأطفال وكذلك الشكوى وعندها يدرك هذا الطبيب وجود مرض الجزع في مثل هذا الشخص وبالتالي يقوم بعلاجه بطرق مختلفة.
2- التفكير بالعواقب السلبية للجزع وقلّة الصبر
إن تفكير المريض بعواقب الجزع الوخيمة والآثار السلبية لقلّة الصبر له دورٌ مهم في علاج هذا المرض الروحي، وقلما يسمع الإنسان بعواقب هذا المرض الوخيم ولا ينزجر لهذه الحالة ويتصدّى لرفعها من نفسه وإزالتها من أخلاقه.
[1]. سفينة البحار، مادّة صبر.
أجل، فعندما يعلم الإنسان أنّ الجزع يذهب بأجره وثوابه عند اللَّه تعالى من دون أن يحل له أية مشكلة، وكذلك يحطم أعصابه وقواه النفسية ويسلب منه سلامته البدنية والروحية، والأسوأ من ذلك انه يوصد أمامه أبواب حلّ المشكلة، لأن الإنسان إذا احتفظ ببرودة أعصابة عند بروز المشكلات والمصائب وتسلط على نفسه فإنّ ذلك من شأنه أن يفتح أمام عقله أبواب الحلّ لذلك المشكل أو على الأقل يقلل من شدّة المصيبة، ولكنَّ الإنسان وبسبب حالة الجزع والاضطراب وعدم التسلط على الأعصاب وبالتالي عدم تمركز الفكر فإنه لا يجد أمامه نافذة مفتوحة للأمل والحلّ، بل حتّى لو فتحت له الأبواب والنوافذ ليرى حلًا لهذه المشكلة فإنه وبسبب ما يعيشه من حالة الأضطراب والتوتر لا يرى هذه الأبواب والنوافذ، بخلاف ما إذا هدأ لحظة وضبط نفسه لفترة وجيزة ونظر إلى ما حوله فسيجد طريق النجاة والحلّ أمامه يسيراً.
إن النظر الدقيق إلى هذه الحقائق والتدبر فيها له تأثير مهم في تغير حالة الجزع لدى الإنسان وبالتالي مع تكرارها سينطوي الشخص تحت لواء الصابرين.
3- مطالعة الآيات والروايات الواردة في هذا الباب
إن مطالعة الآيات والروايات الشريفة الّتي تتحدث عن أجر الصابرين وثوابهم ومقامهم عند اللَّه له دور مهم في تقوية عناصر الصبر والاستقامة في روح الإنسان، ومن ذلك ما ورد في الآية الشريفة الّتي تبشر الصابرين بأعظم بشارة وتقول: «وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ اذَا اصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قَالُوا انَّا للَّهِ وَانَّا الَيهِ رَاجِعُونَ* اولئِكَ عَلَيْهِم صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِم وَرَحْمَةٌ وَاولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»[1].
وعبارة«أُولئك هم المهتدون»تتضمن معنىً عميقاً ولها تفاسير مختلفة، وأحدها هو ما ذكر آنفاً من أنّ الصابرين سيجدون حلًا لمشكلاتهم أسرع من الآخرين وتفتح أمامهم أبواب النجاة والخلاص من الأزمات والبلايا، لأن أحد العوامل الأصلية للجزع هو «ضعف النفس» فكلّما سعى الإنسان في تقوية معنوياته وتكريس عناصر الشد والقوّة في نفسه فإنّ
[1]سورة البقرة، الآية 155- 157.