لقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام زينالعابدين عليه السلام انه عندما وقع نزاع بين سلمان الفارسي وبين شخص مغرور ومتكبّر، فقال ذلك الشخص لسلمان: مَنْ أنت؟ فقال له سلمان: أما اولاي واولاك فنطفة قذرة، وأما اخراي واخراك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووضعت الموازين، فمن ثقل ميزانه فهو كريم، ومن خف ميزانه فهو اللئيم»[1].
والخلاصة أنّ الإنسان كلّما تفكر وتأمل في هذه الامور أكثر هبط من مركب الغرور والكبر ووجد نفسه من موقع الحقيقة الشاخصة وبعيداً عن الأوهام النفسانية والحالات الشيطانية.
وأما علاج التكبّر على المستوى (العملي) فهو أن يسعى الإنسان في دراسة سلوكيات المتواضعين ويتحرّك مثلهم في تعامله الاجتماعي حتّى تترسخ هذه الفضيلة في أعماق وجوده وتتجذر في واقعه النفساني فيكون متواضعاً أمام اللَّه والناس فيسجد على التراب قائلًا:«لَا الَهَ إلَّااللَّهُ حَقّاً حَقّاً سَجَدْتُ لَكَ تَعَبُّداً وَرِقّاً لَامُسْتَنْكِفاً وَلَا مُسْتَكْبِراً».
وأمثال هذه العبارات.
وكذلك يلبس الملابس البسيطة ويأكل الأطمعة غير الممنوعة ويجلس مع عماله أو خدامه على مائدة واحدة ويتقدّم بالسلام على الآخرين ولا يجلس صدر المجلس ولا يتقدم على الغير في مشيه.
أن يتعامل في علاقاته مع الصغير والكبير من موقع العاطفة الجياشة والمحبّة الصميمية ويجتنب مجالسة المتكبّرين والمغرورين ولا يرى لنفسه أي امتياز على الآخرين، والخلاصة أن يتحرّك في سلوكه بعلامات التواضع أو يسعى للتظاهر بمظاهر التواضع في البداية في عمله وكلامه وحالاته الاخرى حتّى تصير لديه عادة ثمّ ملكة التواضع.
وجاء في حالات نبي الإسلام أنّه كان يجلس على الأرض ويأكل الطعام ويقول:«إنَّمَا
[1]. بحار الأنوار، ج 70 ص 231، ح 24.
أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ»[1].
وقد سمعنا الحديث المعروف عن الإمام علي أنّه كان لديه يوماً قميصان اشترى أحدهما بأربعة دراهم والآخر بثلاث دراهم ثمّ قال لغلامه قنبر: اختر أحدهما، فاختار قنبر القميص الّذي قيمته أربعة دراهم وأختار الإمام ما كان بثلاث دراهم[2].
وجاء في خطبة 160 من نهج البلاغة أنّ الإمام كان يتحدّث عن نبي الإسلام ويقول:
«وَلَقَدْ كَانَ يَأْكُلُ عَلَى الْارْضِ وَيَجْلِسُ جَلْسَةَ الْعَبْدِ وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَيَرْكَبُ الْحِمارَ الْعَارِيَ وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ».
وطبعاً هذه الامور وبسبب تغير الظروف الزمانية والمكانية لا تُعتبر معمولًا بها في هذا العصر ولا يوصى باتباعها وسلوكها، ولكن الهدف هو أننا بمطالعة حالات هؤلاء العظام والتوجّه إلى مقامهم السامي نتعلم التواضع من سلوكياتهم ونُبعد بذلك الكبر والغرور عن ذواتنا وأفعالنا.
هذا كلّه من جهة، ومن جهة اخرى:
بما أنّ التكبّر له أسباب وعلل مختلفة تمت الإشارة سابقاً إلى سبع علل منها ذكرها علماء الأخلاق، فلأجل إزالة كلّ واحدة من هذه العلل والأسباب هناك طرق وخطوات عملية وعلمية للتغلب عليها ومعالجتها منها:
الأشخاص الّذين يجدون في أنفسهم افتخاراً على الناس بسبب نسبهم وعراقتهم الاسرية يجب أن يتأمّلوا في هذه الحقيقة وهي أوّلًا: إن افتخارهم بكمالات الآخرين من الآباء والأجداد هو عين الجهل، فلو أنّ الأب كان إنساناً فاضلًا ولكن الابن يفتقد إلى أدنى فضل وكمال فلا ينتقل كمال الأب وفضله إلى الابن ولا يوجد في الابن قيمة مشهودة،
[1]. المحجّة البيضاء، ج 6 ص 256.
[2]. بحار الأنوار، ج 76 ص 310.
وثانياً: إذا تأمل جيداً وجد أنّ أباه نطفة وجدّه الأعلى تراباً وهذه الامور ليست ذات قيمة يفتخر بها الإنسان ويرى لنفسه امتيازاً على الآخرين.
وقد ورد في الحديث الشريف أنّ لقمان الحكيم قال لابنه«يَا بُنَيَّ وَيْلٌ لِمَنْ تَجَبَّرَ وَتَكَبَّرَ، كَيْفَ يَتَعَظَّمُ مَنْ خُلِقَ مِنْ طِينٍ، وَالَى طِينٍ يَعُودُ؟ لَايَدْري الَى مَاذَا يَصِيرُ؟ الَى الْجَنَّةِ فَقَدْ فَازَ أوْ الَى النَّارِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً».
وأمّا الأشخاص الّذين يتملكهم الغرور والتكبّر بسبب جمالهم الظاهري فيجب أن يتأملوا جيّداً أنّهم وبسبب مرض بسيط يصيب الجلد والوجه سيتحول جمالهم الباهر إلى وجه مشوّه وقبيح وحتّى لو لم يصبهم ذلك المرض فإنّهم بعد أعوام قليلة سيصلون إلى مرحلة الشيخوخة حيث يتراكم غبار السنين على وجوههم ويغيّر من ملامحه الجميلة ويحني قامتهم المستقيمة ويدبُ في مفاصلهم العجز والضعف فإذا كان ذلك الشيء المورث للفخر زائلًا بهذه السرعة، فكيف يكون سبباً للغرور والتفوق والتكبّر على الآخرين؟
وإذا كان سبب التكبّر هو قوته البدنية وقدرته الجسمانية فيجب أن لا ينسى انه قد يصاب أحياناً بعارضة قلبية صغيرة أو سكتة دماغية تكون نتيجتها أن يصاب قسم من بدنه بالشلل والعجز عن الحركة تماماً بحيث لا يتمكن من دفع حتّى ويتوقف الذباب عن نفسه ولو أصابه شوكة أو وخزته ابرة لا يتمكن من إخراجها أو التخلص منها لوحده.
وأمّا لو كان سبب التكبّر هو الثروة وكثرة المال والأعوان والأنصار فيجب أن يعلم أوّلًا:
أنّ هذه الامور خارجة عن وجود الإنسان ولا تمثل شيئاً من ذاته وحينئذٍ لا تكون من عناصر الفخر والمباهاة، فكيف يفتخر الإنسان بشخصيته وعزّته الذاتية بامور من قبيل السيارة أو البيت أو الحصان وأمثال ذلك؟ وكيف يتصور شرفه وكرامته في مثل هذه الامور المادية والأجنبية عن ذاته؟ هذه الامور يمكنها أن يمتلكها اللئيم من الناس واوضعهم نسباً وشرفاً، الامور الّتي يستطيع اللصوص بكلّ سهولة سرقتها منه فما أهون الشرف الّذي يستطيع اللصوص سرقته فيفتقده صاحبه بين عشية وضحاها.
ومضافاً إلى ذلك فنحن نعلم أنّ الأموال والثروات الدنيوية تنتقل من يد إلى يد دائماً فالثروات الطائلة لدى الأغنياء قد تكون يوماً من نصيب الفقراء ويسكن أصحاب القصور
يوماً في الأكواخ.
فمثل هذا الشيء بمثل هذا القدر من التزلزل والاهتزاز كيف يمكنه أن يكون عنصر الافتخار للإنسان وسبباً لغفلته عن مصيره وكمالاته المعنوية في حركة الإنسان والحياة؟
وإذا كان سبب الكبر والغرور هو العلم الكثير ومع الأسف يُعتبر هذا من أقبح الآفات النفسانية الّتي تصيب الإنسان وبهذه النسبة يكون علاجه أصعب وأعقد من العلل الاخرى وخاصة مع ورود الكثير من الآيات والروايات في فضل العلم والتعلم حيث يمكن أن يصاب الإنسان بالغرور والكبر بعد قرائتها ومطالعتها، فيجب أن يتفكر أصحاب العلم والمعرفة أنّ القرآن الكريم وفي الآية(5)من سورة الجمعة قد شبّه العلماء الّذين لا يتحركون على مستوى تطبيق علمهم في ممارساتهم وسلوكياتهم، شبّههم بالحمار الّذي يحمل الكتب والأسفار على ظهره «كَمَثَلِ الحمارِ يَحملُ أسفاراً».
وأيضاً يتفكر في أنّ الشخص العالم ستكون مسؤوليته ثقيلة بنفس نسبة علمه إلى الآخرين ويمكن أن يغفر اللَّه تعالى للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد كما ورد في الروايات الشريفة.
ولا ينبغي أن ننسى أنّ حسابهم يوم القيامة أصعب وأشد من حساب الآخرين، فكيف والحال هذه يكون العلم هذا سبباً للمباهات والافتخار على الغير؟
وأخيراً إذا كان سبب التكبّر هو العبادة وطاعة اللَّه تعالى فيجب على هذا الإنسان أن يتفكر في أنّ اللَّه لا يقبل من العبادة ما كان خليطاً بالعجب والكبر ويعلم أنّ الجاهل النادم أقرب إلى النجاة من العابد المغرور.
هذا ولا سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ قبول العبادة مشروط بأن يرى الإنسان في نفسه الحقارة والدونية مقابل عظمة اللَّه وقدرته وفضله على العباد ولو انه جاء بجميع عبادات الجن والأنس لوجد أنّ عليه أن يعيش الخوف والخشية من اللَّه تعالى ولا يغفل عن ذلك طرفة عين.
9- الاختبارات العلاجية
سبق وأن قلنا إن الأمراض الأخلاقية تشبه إلى حد كبير الأمراض البدنية وأنّ المقارنة بين هاتين الظاهرتين كفيل بحل الكثير من المشاكل، ومنها أنّ الطبيب في الأمراض البدنية وبعد معالجة المريض يرسله مرّة اخرى إلى المختبر ليتأكد من شفائه الكامل، ولو انه رأى بعض آثار المرض لازالت في بدنه فإنه يستمر في علاجه حتّى يحصل المريض على الشفاء الكامل.
وقد استخدم علماء الأخلاق في مناهجهم وتعليماتهم الأخلاقية لعلاج الأمراض الخطرة مثل(التكبّر)هذا المنهج أيضاً بحيث إن الإنسان عندما يتحرّك في سبيل علاج التكبّر ولأجل الاطمئنان من قلعه تماماً من وجوده ونفسه يجب أن يعرض على نفسه بعض الامور ويمتحنها لكي يطمئن إلى زوال جذور هذا المرض من أعماق نفسه.
وقد ذكر الفيض الكاشاني بالاستفادة من (احياء العلوم) للغزالي تجارب في هذا المجال ملفتة للنظر:
الامتحان الأوّل:أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه فإنّ ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحقّ فذلك يدل على أنّ فيه كبراً دفيناً.
الامتحان الثاني:أن يجتمع مع الأقران والامثال في المحافل ويقدمهم على نفسه ويمشي خلفهم ويجلس في الصدور تحتهم، فإنّ ثقل ذلك عليه فهو متكبر فليواظب عليه تكلّفاً حتّى يسقط عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر، وهاهنا للشيطان مكيدة وهي أن يجلس في صف النعال أو يجعل بينه وبين الأقران بعض الاراذل فيظن أنّ ذلك تواضع وهو عين الكبر فإنّ ذلك يخف على نفوس المتكبرين إذ يوهمون أنّهم إنما تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل فيكون قد تكبر، وتكبر بإظهار التواضع أيضاً، بل ينبغي أن يقدم أقرانه ويجلس تحتهم ولا ينحط عنهم إلى صف النعال فذلك هو الّذي يخرج خبث الكبر من الباطن.
الامتحان الثالث:أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب فإنّ ثقل ذلك عليه فهو كبر فإنّ هذه الأفعال من مكارم الأخلاق والثواب عليها جزيل فنفور
النفس عنها ليس إلّالخبث في الباطن فليشتغل بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف الّتي تزيل داء الكبر.
الامتحان الرابع:أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى البيت فإنّ أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء فإنّ كان يثقل ذلك عليه مع خلو الطريق فهو كبر فإنّ كان يثقل إلّا عند مشاهدة الناس فهو رياء وكل ذلك من أمراض القلب وملله المهلكة له إن لم تتدارك.
أقول ليس كل رياء مذموماً بل قد يكون مستحباً بل واجباً إذ يجب على المؤمن صيانة عرضه وأن لا يفعل ما يعاب عليه فلا يليق بذوي المروات أن يرتكبوا الامور السيئة بأنفسهم عند مشاهدة الناس وإن جاز لهم في الخلوة إلّاأنّ ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والبلاد والأشخاص فلابدّ من مراعاة ذلك، روي في الكافي عن الصادق عليه السلام: «أنّه نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئاً وهو يحمله، فلما رآه الرجل استحى منه، فقال عليه السلام: اشتريته لعيالك وحملته إليهم أما واللَّه لولا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشيء ثم أحمله إليهم». أراد عليه السلام لولا مخافة أن يعيبوا على ذلك، مع أنّ جدّه أميرالمؤمنين عليه السلام كان يفعل مثله إلّاأنّه لما لم يعيبوا عليه بمثله في زمانه وفي شأنه جاز له أن يرتكبه وكان منقبة له وتعليماً.
الامتحان الخامس:أن يلبس ثياباً بذلة فإنّ نفور النفس عن ذلك في الملأ رياء وفي الخلو كبر، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «ومن اعتقل البعير ولبس الصوف فقد برئ من الكبر»[1].
ولكن لا ينبغي أن يكون الدافع لذلك هو التظاهر بالتواضع فإنّ ذلك بنفسه نوع من الكبر المقترن مع الرياء والشرك الخفي.
ونكرر مرةً اخرى بأن هذه الامور تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والاشخاص.
ولابدّ من الأخذ بنظر الاعتبار جميع هذه الظروف والعمل طبق مقتضياتها وما يناسبها من دون التورط في حبائل النفس وخدع الشيطان، ولذلك ينبغي الاستفادة أيضاً من حكم الآخرين وآرائهم.
[1]. المحجّة البيضاء، ج 6، ص 268، ح 270 بتلخيص.
وهنا نثير هذا السؤال وهو أنّه لماذا يهتم الناس كثيراً بالصحة البدنية والطب الجسماني ويتحركون في طلب الدواء والعلاجات ليطمئنوا على سلامتهم البدنية. والحال أنّهم لا يعيشون ذلك الاهتمام بأمر الطب الروحاني والأخلاقي الّذي يضمن لهم سعادتهم الاخروية في الحياة الباقية كما هو مدلول الآية الشريفة: «إلّامن أتى اللَّه بقلبٍ سليم».
2- التواضع
تنويه:
من الواضح أنّ التواضع يشكل النقطة المقابلة للتكبّر والغرور، ومن العسير الفصل الكامل بين هذين البحثين، ولذلك نجد أنّ هذين البحثين متلازمين في الآيات والروايات الإسلامية وكذلك في كلمات علماء الأخلاق، فإنّ ذم أحدهما يلازم مدح الآخر، وكذلك العكس فإنّ عملية التمجيد والثناء على التواضع يستلزم كذلك ذم التكبّر، وهذا من قبيل مدح العلم والثناء على العالم والمتعلم الّذي يقترن دائماً مع ذمّ الجهل وتوبيخ الجاهل.
وعلى كلّ حال فإنّ هذا الكلام لا يعني أنّ بحثنا المتعلق بالتواضع هذا سيكون في زاوية النسيان ونكتفي بذم التكبّر وبيان قبائح وعواقب هذه الصفة الذميمة لا سيّما أن بين التكبّر والتواضع نسبة الضدّين. لا النقيضين أي أنّ التكبّر كما انه صفة وجودية فكذلك التواضع صفة وجودية نفسانية أيضاً ويقعان على الضد من الآخر في واقع الإنسان ونفسه، وليسا من قبيل الوجود والعدم الّذي يستلزم بالضرورة وجود أحدهما عدم الآخر بالتبع.
وفي الروايات الإسلامية نجد إشارة إلى هذا المعنى أيضاً ومن ذلك قول الإمام علي عليه السلام:«ضَادُّوا الْكِبْرَ بِالتَّواضُعِ»[1].
[1]. تصنيف غرر الحكم، ح 5148، ص 249، وشرح غرر الحكم، ص 232، رقم 5920.