بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 52

يوماً في الأكواخ.

فمثل هذا الشي‌ء بمثل هذا القدر من التزلزل والاهتزاز كيف يمكنه أن يكون عنصر الافتخار للإنسان وسبباً لغفلته عن مصيره وكمالاته المعنوية في حركة الإنسان والحياة؟

وإذا كان سبب الكبر والغرور هو العلم الكثير ومع الأسف يُعتبر هذا من أقبح الآفات النفسانية الّتي تصيب الإنسان وبهذه النسبة يكون علاجه أصعب وأعقد من العلل الاخرى وخاصة مع ورود الكثير من الآيات والروايات في فضل العلم والتعلم حيث يمكن أن يصاب الإنسان بالغرور والكبر بعد قرائتها ومطالعتها، فيجب أن يتفكر أصحاب العلم والمعرفة أنّ القرآن الكريم وفي الآية(5)من سورة الجمعة قد شبّه العلماء الّذين لا يتحركون على مستوى تطبيق علمهم في ممارساتهم وسلوكياتهم، شبّههم بالحمار الّذي يحمل الكتب والأسفار على ظهره «كَمَثَلِ الحمارِ يَحملُ أسفاراً».

وأيضاً يتفكر في أنّ الشخص العالم ستكون مسؤوليته ثقيلة بنفس نسبة علمه إلى الآخرين ويمكن أن يغفر اللَّه تعالى للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد كما ورد في الروايات الشريفة.

ولا ينبغي أن ننسى‌ أنّ حسابهم يوم القيامة أصعب وأشد من حساب الآخرين، فكيف والحال هذه يكون العلم هذا سبباً للمباهات والافتخار على الغير؟

وأخيراً إذا كان سبب التكبّر هو العبادة وطاعة اللَّه تعالى فيجب على هذا الإنسان أن يتفكر في أنّ اللَّه لا يقبل من العبادة ما كان خليطاً بالعجب والكبر ويعلم أنّ الجاهل النادم أقرب إلى النجاة من العابد المغرور.

هذا ولا سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ قبول العبادة مشروط بأن يرى الإنسان في نفسه الحقارة والدونية مقابل عظمة اللَّه وقدرته وفضله على العباد ولو انه جاء بجميع عبادات الجن والأنس لوجد أنّ عليه أن يعيش الخوف والخشية من اللَّه تعالى ولا يغفل عن ذلك طرفة عين.

9- الاختبارات العلاجية


صفحه 53

سبق وأن قلنا إن الأمراض الأخلاقية تشبه إلى حد كبير الأمراض البدنية وأنّ المقارنة بين هاتين الظاهرتين كفيل بحل الكثير من المشاكل، ومنها أنّ الطبيب في الأمراض البدنية وبعد معالجة المريض يرسله مرّة اخرى إلى المختبر ليتأكد من شفائه الكامل، ولو انه رأى بعض آثار المرض لازالت في بدنه فإنه يستمر في علاجه حتّى يحصل المريض على الشفاء الكامل.

وقد استخدم علماء الأخلاق في مناهجهم وتعليماتهم الأخلاقية لعلاج الأمراض الخطرة مثل‌(التكبّر)هذا المنهج أيضاً بحيث إن الإنسان عندما يتحرّك في سبيل علاج التكبّر ولأجل الاطمئنان من قلعه تماماً من وجوده ونفسه يجب أن يعرض على نفسه بعض الامور ويمتحنها لكي يطمئن إلى زوال جذور هذا المرض من أعماق نفسه.

وقد ذكر الفيض الكاشاني بالاستفادة من (احياء العلوم) للغزالي تجارب في هذا المجال ملفتة للنظر:

الامتحان الأوّل:أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه فإنّ ظهر شي‌ء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحقّ فذلك يدل على أنّ فيه كبراً دفيناً.

الامتحان الثاني:أن يجتمع مع الأقران والامثال في المحافل ويقدمهم على نفسه ويمشي خلفهم ويجلس في الصدور تحتهم، فإنّ ثقل ذلك عليه فهو متكبر فليواظب عليه تكلّفاً حتّى يسقط عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر، وهاهنا للشيطان مكيدة وهي أن يجلس في صف النعال أو يجعل بينه وبين الأقران بعض الاراذل فيظن أنّ ذلك تواضع وهو عين الكبر فإنّ ذلك يخف على نفوس المتكبرين إذ يوهمون أنّهم إنما تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل فيكون قد تكبر، وتكبر بإظهار التواضع أيضاً، بل ينبغي أن يقدم أقرانه ويجلس تحتهم ولا ينحط عنهم إلى صف النعال فذلك هو الّذي يخرج خبث الكبر من الباطن.

الامتحان الثالث:أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب فإنّ ثقل ذلك عليه فهو كبر فإنّ هذه الأفعال من مكارم الأخلاق والثواب عليها جزيل فنفور


صفحه 54

النفس عنها ليس إلّالخبث في الباطن فليشتغل بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف الّتي تزيل داء الكبر.

الامتحان الرابع:أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى البيت فإنّ أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء فإنّ كان يثقل ذلك عليه مع خلو الطريق فهو كبر فإنّ كان يثقل إلّا عند مشاهدة الناس فهو رياء وكل ذلك من أمراض القلب وملله المهلكة له إن لم تتدارك.

أقول ليس كل رياء مذموماً بل قد يكون مستحباً بل واجباً إذ يجب على المؤمن صيانة عرضه وأن لا يفعل ما يعاب عليه فلا يليق بذوي المروات أن يرتكبوا الامور السيئة بأنفسهم عند مشاهدة الناس وإن جاز لهم في الخلوة إلّاأنّ ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والبلاد والأشخاص فلابدّ من مراعاة ذلك، روي في الكافي عن الصادق عليه السلام: «أنّه نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئاً وهو يحمله، فلما رآه الرجل استحى منه، فقال عليه السلام: اشتريته لعيالك وحملته إليهم أما واللَّه لولا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشي‌ء ثم أحمله إليهم». أراد عليه السلام لولا مخافة أن يعيبوا على ذلك، مع أنّ جدّه أميرالمؤمنين عليه السلام كان يفعل مثله إلّاأنّه لما لم يعيبوا عليه بمثله في زمانه وفي شأنه جاز له أن يرتكبه وكان منقبة له وتعليماً.

الامتحان الخامس:أن يلبس ثياباً بذلة فإنّ نفور النفس عن ذلك في الملأ رياء وفي الخلو كبر، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «ومن اعتقل البعير ولبس الصوف فقد برئ من الكبر»[1].

ولكن لا ينبغي أن يكون الدافع لذلك هو التظاهر بالتواضع فإنّ ذلك بنفسه نوع من الكبر المقترن مع الرياء والشرك الخفي.

ونكرر مرةً اخرى بأن هذه الامور تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والاشخاص.

ولابدّ من الأخذ بنظر الاعتبار جميع هذه الظروف والعمل طبق مقتضياتها وما يناسبها من دون التورط في حبائل النفس وخدع الشيطان، ولذلك ينبغي الاستفادة أيضاً من حكم الآخرين وآرائهم.

[1]. المحجّة البيضاء، ج 6، ص 268، ح 270 بتلخيص.


صفحه 55

وهنا نثير هذا السؤال وهو أنّه لماذا يهتم الناس كثيراً بالصحة البدنية والطب الجسماني ويتحركون في طلب الدواء والعلاجات ليطمئنوا على سلامتهم البدنية. والحال أنّهم لا يعيشون ذلك الاهتمام بأمر الطب الروحاني والأخلاقي الّذي يضمن لهم سعادتهم الاخروية في الحياة الباقية كما هو مدلول الآية الشريفة: «إلّامن أتى اللَّه بقلبٍ سليم».


صفحه 56

2- التواضع‌

تنويه:

من الواضح أنّ التواضع يشكل النقطة المقابلة للتكبّر والغرور، ومن العسير الفصل الكامل بين هذين البحثين، ولذلك نجد أنّ هذين البحثين متلازمين في الآيات والروايات الإسلامية وكذلك في كلمات علماء الأخلاق، فإنّ ذم أحدهما يلازم مدح الآخر، وكذلك العكس فإنّ عملية التمجيد والثناء على التواضع يستلزم كذلك ذم التكبّر، وهذا من قبيل مدح العلم والثناء على العالم والمتعلم الّذي يقترن دائماً مع ذمّ الجهل وتوبيخ الجاهل.

وعلى كلّ حال فإنّ هذا الكلام لا يعني أنّ بحثنا المتعلق بالتواضع هذا سيكون في زاوية النسيان ونكتفي بذم التكبّر وبيان قبائح وعواقب هذه الصفة الذميمة لا سيّما أن بين التكبّر والتواضع نسبة الضدّين. لا النقيضين أي أنّ التكبّر كما انه صفة وجودية فكذلك التواضع صفة وجودية نفسانية أيضاً ويقعان على الضد من الآخر في واقع الإنسان ونفسه، وليسا من قبيل الوجود والعدم الّذي يستلزم بالضرورة وجود أحدهما عدم الآخر بالتبع.

وفي الروايات الإسلامية نجد إشارة إلى هذا المعنى أيضاً ومن ذلك قول الإمام علي عليه السلام:«ضَادُّوا الْكِبْرَ بِالتَّواضُعِ»[1].

[1]. تصنيف غرر الحكم، ح 5148، ص 249، وشرح غرر الحكم، ص 232، رقم 5920.


صفحه 57

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 58

مع هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته ما يتعلق بمسألة التواضع ونختار منها ما يُلقي الضوء على هذا البحث المهم رغم وجود آيات كثيرة تبحث هذا الموضوع بالكناية أو بالملازمة.

1- «يَا ايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ اذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ اعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ...»[1]

2- «وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْارْضِ هَوْناً وَاذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً»[2].

3- «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[3].

تفسير واستنتاج:

«الآية الاولى»من الآيات مورد البحث تتحدّث عن مجموعة من المؤمنين الّذين شملتهم رعاية اللَّه وعنايته فكانوا يحبون اللَّه ويحبهم، وإحدى الصفات البارزة لهؤلاء أنّهم يتعاملون مع أخوانهم المؤمنين من موقع التواضع والمودّة(اذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)وكذلك في المقابل‌(اعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).

(اذِلَّةٍ)جمع‌«ذلول» و «ذليل»،ومن مادة«ذُل»على وزن حُر، وهي في الأصل بمعنى الملائمة والتسليم والليونة والإنعطاف في حين أنّ كلمة«اعِزَّة»جمع‌«عزيز»ومن مادّة«عزة»وتأتي بمعنى الشدّة والصلابة، ويقال للحيوانات المطيعة«ذلول»لأنها ملائمة ومسلّمة للإنسان، و«تذليل»في الآية الشريفة«ذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا»إشارة إلى هذا المعنى، وهو سهولة اقتطاف ثمارها ثمار الجنّة، وأحياناً تُستخدم كلمة«ذِلّة»في موارد سلبية وذلك إذا واجه الإنسان موقفاً يُجبر فيه على شي‌ء من غيره، وإلّا فإنّ المعنى السلبي لهذه الكلمة لا

[1]. سورة المائدة، الآية 54.

[2]. سورة الفرقان، الآية 63.

[3]. سورة الشعراء، الآية 215.


صفحه 59

يوجد في بطنها ومفهومها في الأصل.

وعلى أيّة حال فإنّ الآية الشريفة تدل بوضوح على أهمية التواضع وسمو مقام المتواضعين، ذلك التواضع الّذي ينبع من أعماق الإنسان ويمتد إلى وجدانه ليذيع في النفس احترام الطرف الآخر المؤمن ويتحرّك معه من موقع المودّة والتسليم والانعطاف مع الطرف الآخر.

في‌«الآية الثانية»نجد إشارة أيضاً إلى الصفات البارزة والفضائل الأخلاقية لجماعة من عباد اللَّه تعالى الّذين وصلوا في سلوكهم المعنوي إلى مرتبة عالية من الكمال الإنساني والإلهي، حيث نقرأ في آيات سورة الفرقان من الآية 63 إلى الآية 74 اثنا عشر فضيلة مهمة وكبيرة لهؤلاء الأشخاص، والملفت للنظر أنّ أول صفة تذكرها الآية لهؤلاء هي صفة التواضع، وهذا يدلّ على أنّ التكبّر كما يمثل أخطر الرذائل الأخلاقية فكذلك التواضع يمثل أهم الفضائل الأخلاقية في واقع الإنسان وحركته الإجتماعية والمعنوية حيث تقول الآية «وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْارْضِ هَوْناً».

(هون)مصدر بمعنى الهدوء والليونة والتواضع، واستعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل هنا لغرض التأكيد، أي أنّهم يعيشون التواضع والهدوء إلى درجة وكأنهم عين التواضع، ولهذا السبب تستمر الآية في سياقها بالقول «وَاذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً»؛ أي لو واجههم الجهلاء والأراذل من الناس من موقع الشتيمة والكلام الباطل فإنّ جوابهم لا يكون إلّابعدم الاعتناء وغض الطرف من موقع عظمة شخصيتهم وكِبَر نفوسهم.

وفي الآية الّتي تليها وبعد أن يتم الحديث عن التواضع مع الآخرين من الناس يتحدّث القرآن الكريم عن تواضعهم أمام اللَّه تعالى ويقول «وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً».

ويقول الراغب في كتابه‌«مفردات القرآن»:الهوان على وجهين،أحدهما:تذلل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة، فيمدح به (ثم يورد الآية محل البحث) ونحو ما روي عن‌