بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 77

وعلى أيّ حال فإنّ القرآن الكريم يبين هذه الواقعة بهذه العبارة «وَاذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً».

ثمّ يخاطب النبي الكريم بالقول «قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».

ويُحتمل أنّ البعض ترك الصلاة والنبي الأكرم وتوجّه إلى السوق والقافلة لتأمين حاجاته الضرورية للحياة (بالرغم من وجود الوقت الكافي لتهيئتها بعد الصلاة) ولكن التعبير أعلاه يبين بوضوح أنّ فئة من هؤلاء توجّهوا إلى القافلة بدافع من الحرص على شراء السع والبضائع بقيمة زهيدة ثمّ بيعها بأعلى‌ الأثمان طمعاً في الثروة والمال الكثير، وجماعة توجّهوا إلى القافلة بوحي الأهواء والنوازع النفسانية وبذلك حرموا أنفسهم من السعادة العظمى‌ في حضور الصلاه مع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله.

وجاءت‌الآية السابعة»والأخيرة من الآيات محل البحث لتتحدّث عن الأشخاص الّذين يتحركون في تعاملهم مع الآخرين من موقع السخرية والاستهزاء وذلك بدافع من الغرور لما يعيشونه من حالة الثراء ويتصورون أنّ ذلك يسوّغ لهم الاستهزاء بالمؤمنين الفقراء.

فتقول الآية «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ* الّذي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ انَّ مَالَهُ اخْلَدَه» فمثل هذا الشخص الّذي يجمع الأموال بدون حساب للحلال والحرام ويتصور أنّ هذه الأموال تؤدي إلى بقائه وخلوده وابتعاد الموت عنه أنّ هذه الثروة تُبيح له السخرية بالآخرين من الفقراء والمُعدمين.

جملة«عَدَّده»الناظرة إلى حساب الأموال من قِبَل أصحاب الثروة تشير إلى شدّة حرصهم وولعهم بهذه الأموال والثروات بحيث إنه كلّما ازدادت أموالهم ازدادوا حبّاً وشغفاً بها ولذلك فهم يعدّدونها دائماً ويجدون في ذلك لذّة كبيرة.

وجملة«الّذي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ»هي في الواقع بمثابة العلّة للهمز واللمز المذكور في‌


صفحه 78

الآية الاولى، أي أنّ الثروة الدنيوية الطائلة ادّت بهم إلى درجة من الغرور والسكر بحيث إنّهم كانوا ينطلقون من موقع السخرية والاستهزاء بفقراء المؤمنين وكانوا يتصورون انه ليس فقط هذه الأموال والثروات هي الخالدة مدى الدهر بل أصحاب الثروة كذلك.

إنّ دراسة حال أصحاب الدنيا العجيب وتعاملهم الغريب مع الواقع يرشدنا إلى ما يحيّر العقول من عجيب سلوكياتهم، فترى‌ البعض منهم رغم احاطتهم الوافرة بالعلوم المادية والطبيعية ليس لهم هدف سوى جمع الأموال والثروات، وعندما يُسألون هؤلاء عن هدفهم من جمع المال رغم أنّهم لا يمتلكون عائلة ولا ينطلقون في سفرات ترفيهية وسياحية، فيجيبون بأننا نفرح بإضافة صفر أمام أرقام الأموال الموُدعة لنا في البنوك!

النتيجة النهائية:

من مجموع ما تقدّم من الآيات الشريفة وما ذكر لها من تفسير نستنتج أنّ مسألة الحرص والطمع وحبّ الدنيا والشغف بجمع الأموال والثروات أمر خطير جدّاً في دائرة المفاهيم القرآنية، وهو مصدر لكثير من أشكال الشر والفساد ويُعد من أقوى الموانع في مسيرة تهذيب النفس وفي خط التكامل الأخلاقي والمعنوي.

الحرص وحبّ الدنيا في الأحاديث الإسلامية:

إن مفردة«الحرص»والكلمات المرادفة لها وردت في الأحاديث الإسلامية بشكل واسع على مستوى أبعادها ودوافعها ونتائجها السلبية حيث نختار منها نماذج معدودة:

1- نقرأ في الحديث الشريف عن النبي الأكرم يخاطب فيه أميرالمؤمنين فيقول:«اعْلَم يَا عَلِيُّ! انَّ الْجُبْنَ وَالْبُخْلَ وَالْحِرْصَ غَرِيزَةٌ وَاحِدَةٌ يُجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ»[1].

[1]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 588، رقم 3139.


صفحه 79

2- وهذا المعنى والمضمون نجده بصورة اخرى في نهج البلاغة في عهد أميرالمؤمنين لمالك الأشتر حيث أوصاه الإمام أن يحذر ويتجنب من استشارة البخلاء والجبناء وأهل الحرص والطمع فقال‌«انَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزٌ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ»[1].

فالشخص الّذي يحسن الظن باللَّه تعالى وقدرته المطلقة على الوفاء بالعهد وتأمين الرزق للعباد فإنه سوف لا يحرص أبداً على جمع الأموال والثروات.

الإنسان الّذي يعيش حالة التوكّل على اللَّه ويؤمن بألطافه وعناياته فإنه لا يخشى‌ غيره ولا يخاف أيّة قوّة غير قوته المطلقة.

والإنسان الّذي يأمل دائماً برحمة اللَّه تعالى ولطفه فإنه لا يجد في نفسه بخلًا اطلاقاً.

أجل فإنّ المؤمن الكامل في توحيده وإيمانه باللَّه تعالى وبأسمائه وصفاته الحسنى‌ فإنه لا يمكن أن يتلوث بهذه الخصال الثلاثة القبيحة والرذيلة رغم انها تشترك في الباطل بأصل واحد (ولهذا السبب نجد أحياناً انها تسمّى باسم غريزة واحدة وأحياناً اخرى بأسماء مختلفة لأنها متعدّدة في الظاهر ولكنها متحّدة في الباطن).

3- إنّ الحرص على الدنيا وملذاتها وزخارفها بإمكانه أن يورث الإنسان التعب والشقاء ويورّطه في السعي الدائب لتأمين رغباته الوهمية، وقد ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين أنّه قال‌«الْحِرْصُ مَطِيّةُ التَّعَبِ»[2].

4- وفي حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين أيضاً أنّه قال:«الْحِرْصُ عَنَاءٌ مُؤَبَّدِ»[3].

وعندما ندرس حالات الّذين يعيشون الحرص والطمع في حركة الحياة نرى‌ مدى‌ التعب والشقاء الّذي يعيشه هؤلاء ليل نهار في سبيل جمع الأموال والزخارف الدنيوية من دون الاستفادة منها، وهذا شاهد صدق على الحديث المذكور آنفاً.

5- الإنسان الحريص لا يجد طعم الشبع أبداً، ولهذا السبب فهو دائماً يسعى‌ لجمع‌

[1]. نهج البلاغة، الرسالة 53.

[2]. غرر الحكم، ح 820، ميزان الحكمة، ج 1، ص 586، رقم 3596.

[3]. غرر الحكم، ح 982، ميزان الحكمة، ج 1، ص 586، رقم 3592.


صفحه 80

الأموال واكتناز الثروات حتّى لو لم ينتفع بها، ولذلك ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:

«الْحَرِيصُ فَقِيرٌ وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا»[1].

6- وقد ورد في الأحاديث الشريفة أنّ الأشخاص الّذين يتخلصون من شراك الحرص ولا يقعون اسرى الطمع هم الّذين يتمتعون بالغنى‌ الباطني، ومن ذلك قول أميرالمؤمنين عليه السلام في حديث آخر«اغْنَى الْغِنَي مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسِيراً»[2].

7- الحرص على جمع الأموال والماديات يُفضي بالإنسان إلى الوقوع في الهلكة، وليست الهلكة المعنوية فقط بل في كثير من الأحيان تكون مصحوبة بالهلكة المادية أيضاً، حيث نقرأ في الحديث الشريف عن رسول اللَّه قوله:«انَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ اهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُما مُهْلِكَاكُمْ»[3].

8- إنّ الإنسان الحريص يُكبّل نفسه بالقيود يوماً بعد آخر إلى أن يوصد أمامه طريق النجاة والفلاح، كما نقرأ في المثال الّذي ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:«مَثَلُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا مَثَلُ دُودَةِ الْقَزِّ، كُلَّمَا ازْدَادَتْ مِنَ الْقَزِّ عَلَى نَفْسِهَا لَفّاً كَانَ ابْعَدَ لَهَا مِنَ الْخُرُوجِ! حَتَّى تَمُوتَ غَمّاً!»[4].

9- إنّ الحرص والطمع يهدم شخصية الإنسان ويسحق كلّ قيمة له في أنظار الناس كما يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«الْحِرْصُ يَنْقُصُ قَدْرَ الرَّجُلِ، فَلَا يُزِيدُ فِي رِزْقِهِ!»[5].

10- إنّ الحرص من الامور الّتي تؤدي إلى الكثير من الذنوب والخطايا والقبائح منها عدم مراعاة الحلال والحرام وترك احترام حقوق الآخرين والتلوث بأنواع الظلم والجور والعدوان، ولذلك ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام من جملة ما أوصى‌ به مالك الأشتر في عهده‌

[1]. غرر الحكم، ح 1753، ميزان الحكمة، ج 1، ص 587، رقم 3615.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 316، ح 76، باب «حبّ الدنيا والحرص عليها».

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 316، ح 6، باب «حبّ الدنيا والحرص عليها».

[4]. غرر الحكم، ح 1550، تصنيف الغرر، ص 294.

[5]. غرر الحكم، ح 6628.


صفحه 81

المعروف أنّه قال‌«لَاتُدْخِلَنَّ فِي مَشْوَرَتِكَ حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ»[1].

وعلى هذا الأساس فإنّ عواقب الحرص ونتائجه وخيمة جداً في حياة الإنسان حيث يورثه البعد عن اللَّه تعالى ويهدم مروئته ويكسر شخصيته ويسلب منه الراحة والطمأنينة وبالتالي يُفضي به الحرص إلى الوقوع في وحل الذنوب الكبيرة الاخرى فيبتعد يوماً بعد آخر عن السعادة والكمال المعنوي ويغدو أسيراً وذليلًا في قيود النفس الأمارة وأحابيل الشيطان، وبكلمة واحدة انه يفقد دينه ودنياه.

1- تعريف الحرص‌

بالرغم من أنّ معنى ومفهوم (الحرص) واضح للجميع إجمالًا، ولكن الدقة والتوجه إلى مضمونه العميق يكشف لنا نقاط جديدة في دائرة هذا المفهوم.

يقول الراغب في مفرداته في تعريف الحرص بأنه بمعنى شدّة الرغبة والميل إلى شي‌ء معيّن، ويرى أنّ هذه الكلمة في الأصل تأتي بمعنى الضغط على اللباس عند غسله بالماء بواسطة ضربه بالخشبة وأمثال ذلك.

وقد ورد عن أميرالمؤمنين تعبير جميل جداً في تعريف الحرص عندما سُئل: ما هو الحرص؟ فقال‌«هُوَ طَلَبُ الْقَلِيلِ بِاضَاعَةِ الْكَثِيرِ)[2]ويرى علماء الأخلاق أنّ الحرص من الرذائل الأخلاقية المتعلّقة بقوّة الشهوة وذكروا في تعريفه (أنّ الحرص صفة من الصفات النفسانية تدفع الإنسان إلى جمع ما هو أكثر من حاجته، وهو من شُعب حبّ الدنيا ومن الصفات المهلكة والأخلاق الفاسدة) ويمثلون للحرص بأنه كالصحراء المترامية الأطراف وكالأرض الموحشة الّتي لا حدود لها فكلّما سار فيها الحريص لا يصل إلى غايتها ومنتهاها.

[1]. نهج البلاغة، الرسالة 53.

[2]. سفينة البحار، مادّة حرص.


صفحه 82

(الحريص)يُقال لشخص مبتلياً بمرض، مثل مرض الاستسقاء حيث كلّما شرب من الماء فإنّ عطشه لا ينطفأ.

إنّ الشخص الحريص لا يقبل أي دليلٍ منطقي على سلوكياته، فلو قيل له مثلًا إنك بلغت من العمر ثمانين سنة ولم يبق من عمرك إلّاالقليل، فلماذا هذا الولع والشوق لجمع الأموال والثروات؟ وبالرغم من انه يفتقد الجواب الصحيح لهذا السؤال ولكنه يستمر في سلوكه الطفولي ولا ينتهي منه، بل على العكس من ذلك حيث نرى أنّ بعض الناس يزداد حرصاً وطمعاً كلّما ازداد سناً وأوغل في مرحلة الشيخوخة، كما ورد في الحديث المعروف عن النبي الأكرم أنّه قال:«يُشِيبُ بْنُ آدَمَ وَيَشُبُّ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْحِرْصُ وَطُولُ الْامَلِ»[1].

2- النتائج السلبية للحرص في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية

رأينا في الآيات والروايات الشريفة المذكورة سابقاً مدى النتائج السلبية والعواقب الوخيمة لحالة الحرص في واقع الإنسان، ولذلك فإنّ مطالعتها تغنينا عن أي شرح وتفسير آخر في هذا المجال ومن ذلك:

1- إنّ الحريص مُبتلى‌ في التعب المستمر والعسر والحرج في حركة الحياة.

2- إنّ الحريص لا يشبع أبداً، ولهذا فإنه لو ملك الدنيا بأجمعها فإنه يعيش عيشة الفقراء أيضاً.

3- إنّ الحريص يعيش عيّش الفقراء ويموت موت الفقراء ولكنه يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.

4- إنّ الحرص يفضي بالإنسان إلى الهلكة لأن الإنسان الحريص وبسبب عشقه للدنيا ولزخارفها فانه لا يرى آفاق الخطر المحيطة بها بل يسارع إليها بكلّ عجلة وهلع.

5- إنّ الإنسان الحريص يكبل نفسه بقيود الماديات وأحابيلها ويزداد قربه من هذه القيود يوماً بعد آخر حتّى يوصد أمامه سبيل النجاة.

6- إنّ الحرص يذهب بشرف الإنسان وماء وجهه ويسقط حرمته ومروءته في أنظار الناس، لأن الحريص ولغرض الحصول على مقصوده لا يلتزم بالاعراف الاجتماعية ولا

[1]. بحار الأنوار، ج 70، ص 22.


صفحه 83

يتقيد بالقيم والمُثل والسلوكيات المعتبرة في المجتمع الانساني بل يعيش كالأسير المقيد بسلسلة من رقبته يقوده الحرص من هنا إلى هناك.

7- إنّ الحرص يؤدي بالإنسان إلى التلوث بأنواع الذنوب كالكذب، الخيانة، الظلم والعدوان وغصب حقوق الآخرين وأمثال ذلك، لأنّه إذا أراد مراعاة الحلال والحرام فإنه سوف لن يصل إلى مقصوده في حياته الدنيوية.

8- إنّ الحرص يتسبّب في إبعاد الإنسان عن اللَّه تعالى ويورثه الصغار في أنظار عباده ويسلبه الطمأنينة والسكينة والهدوء النفسي فيعيش حياته مع العذاب الروحي والقلق المزمن.

9- إنّ الحريص يجمع الأموال والثروات الّتي يتحمل مسؤوليتها فقط بينما ينتفع بها الآخرون.

10- إنّ الحرص إنّما هو نتيجة من نتائج سوء الظن باللَّه وفي نفس الوقت يعمق هذه الحالة لدى الإنسان ويؤكد في نفسه سوء الظن هذا.

3- غنى النفس‌

والملفت للنظر أنّ الإنسان الحريص يطلب الغنى‌ من خارج ذاته ووجوده في حين أنّ أصل الغنى وحقيقته يجب أن يحصل عليها الإنسان من داخله.

وقد سُئل أحد العلماء عن حقيقة الغنى وعدم الحاجة والفقر فقال: أن تقصر من آمالك وترضى‌ بما قسم لك.

وفي الحديث الشريف الوارد عن رسول اللَّه وكذلك عن أميرالمؤمنين أيضاً نقرأ هذا المضمون السامي في دائرة القيم الأخلاقية والمعنوية«خَيْرُ الْغِنىَ غِنَى النَّفْسِ»[1].

وفي رواية اخرى عن رسول اللَّه أنّه قال:«الْغِنَى فِي الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فِي الْقَلْبِ»[2].

أجل فإذا كانت روح الإنسان تعيش الجوع المعنوي بسبب الحرص فإنه لو ملك هذا

[1]. الأمالي للصدوق، ص 394؛ غرر الحكم، ح 4949.

[2]. بحار الأنوار، ج 69، ص 68.


صفحه 84

الإنسان الدنيا بحذافيرها فإنه يعيش فقيراً كذلك، ولو أنّ روحه كانت تعيش الغنى الذاتي ولم يجد في نفسه الحاجة والطمع فإنه لو سُلب منه جميع ما في الدنيا فإنه يعيش الغنى كذلك.

4- الحرص المذموم والممدوح‌

إنّ مفردة(الحرص)تأتي في الموارد السلبية فعندما تُطلق هذه الكلمة يراد منها الحرص على الأموال والثروة والمقام وسائر الشهوات المادية والدنيوية، وذلك بسبب أنّ هذه الكلمة تستعمل غالباً في هذه الموارد المذمومة والقبيحة.

ولكن أحياناً تستخدم هذه الكلمة في موارد إيجابية ونافعة وبذلك تستحق المدح ولا تكون من الأخلاق الرذيلة بل تُعد من الفضائل أيضاً وذلك عندما تتحكم هذه الصفة في الإنسان في موارد الشوق والرغبة الشديدة في أعمال الخير والصلاح.

ومن جملة ما ذكر القرآن الكريم من فضائل نبي الإسلام هو حرصه على هداية الناس وانقاذهم من الضلال حيث يقول: «لَقَدْ جَائَكُمْ رَسُولٌ مِنْ انْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ»[1].

ويقول في مكان آخر: «انْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَانَّ اللَّهَ لَايَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَالَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ»[2].

وقد ورد ما يشبه هذا المعنى والمضمون في آيات اخرى من القرآن الكريم أيضاً[3].

وطبعاً وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في مصاديق سلبية أيضاً.

أما في الروايات الإسلامية فإنّ كلمة«الحرص»وردت في موارد كثيرة إيجابية وفي ذلك يقول أميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة في بيان صفات المتقين مخاطباً لهمّام‌

[1]. سورة التوبة، الآية 128.

[2]. سورة النحل، الآية 37.

[3]. سورة يوسف، الآية 103؛ سورة النساء، الآية 129.