«وَاذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَاخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
ولكن ما هي الصاعقة؟
إنّها رعد وبرق ينتج نتيجة اصطدام الغيوم ببعضها، فهي تحمل الكهربائية الموجبة وعند وصولها للأرض تبحث عن الكهربائية السالبة فتتحد معها بدرجة حرارة تصل إلى 15000 مئوية فتحدث صوتاً مهيباً وإذا ما اصابت مكاناً ما فستدمره تدميراً كاملًا.
في قصة بني اسرائيل عندما وقعت الصاعقة على بني اسرائيل وتجلّى الباري للجبل وجعله دكّاً مات جميع من اختارهم موسى عليه السلام من بني اسرائيل وعددهم (70) نفراً من شدة الخوف والهلع الذي أصابهم، وبقي موسى على قيد الحياة ولكنه غاب عن الوعي وعندما أفاق، طلب من الباري تعالى العفو والمغفرة ودعا لهم بالحياة فاستجاب الباري دعاءه وأحياهم وعلم هؤلاء القوم المعاندين إلى أنّهم ليسوا بشيء أمام قدرة الباري تعالى.
أشار القرآن الكريم إلى هذهِ الحادثة في مكان آخر وآية اخرى فقال:
«يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ».
فيمكن أن يكون ذلك الطلب من التذرع أو من حبّ الجاه أو من الاثنين معاً، ويستمر القرآن الكريم ويقول قد سألوا أكبر من ذلك[1]«فَقَدْ سَئَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهمُ الصاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ».
فهذه التعبيرات وما شابهها تبيّن مدى تغلغل حبّ الجاه والكبر والغرور والعناد في قلوب بني اسرائيل، ولذلك كانوا دائماً يتذرعون ويتحججون في كل وقت، وهي نفس الصفات الرذيلة التي نراها عند اليهود في وقتنا الحاضر، ولحد الآن يعتبرون أنفسهم شعب اللَّه المختار، ويفكرون في السيطرة على اقتصاد العالم، مع عدم قدرتهم وكفائتهم على ذلك.
ولم يكن حبّ الجاه متغلغلًا في قلوب بني اسرائيل فحسب، فالفراعنة ونمرود كانوا
[1]. سورة النساء، الآية 153.
أيضاً من مصاديق ذلك، فنقرأ في القسم الثالث من الآيات، أنّ الباري تعالى قال عن فرعون:
«وَنادَى فِرْعَوْنُ فِي قَومِهِ قالَ يا قُوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِنْ هذَآ الَّذي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبينُ فَلَولا الْقِيَ عَلَيْهِ اسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقتَرِنينَ».
وقد جمع فرعون في هذه الآية عدّة رذائل، الغرور، التكبر، حبّ الجاه واغفال البُسطاء من الناس، والغريب في الأمر أنّ فرعون شاهد معجزات النبي موسى عليه السلام بعينه ولكنه أصرّ واستكبر وتمسك بمسألة الطبقة الاجتماعية والأسورة من الذهب، ولثغة موسى عليه السلام في الكلام (بالرغم من أن اللثغة قد زالت منه بعد البعثة بعد ما طلب موسى ذلك من اللَّه تعالى).
وعلى أيّة حال فإن فرعون لم يزد قومه إلّاضلالًا.
وفي«الآية الرابعة»من هذه الآيات نواجه قصة «قارون» فهو من النماذج البارزة للأشخاص الذين يعيشون حبّ الجاه عند بني اسرائيل، وهي الصفة القبيحة التي أودت بحياته وأرسلته إلى الحضيض.
فيا للعجب من الغرور وحبّ الجاه كيف يضع الحجب على بصيرة وفهم الإنسان ويمنعه من درك أكثر الامور بداهةً، فعندما وعضه بعض بني اسرائيل وقالوا له: بما أنّ اللَّه قد أنعم عليك فابتغ فيما آتاك اللَّه من النعم الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، فكل شيء آيلٌ إلى الزوال وإيّاك أن تستعمل هذه الأموال للإفساد في الأرض ومحاربة الرسول عليه السلام.
فقال ذلك الرجل المغرور في جوابه: «قَالَ اوتيتُهِ عَلى عِلمٍ عِندي ...» قال ذلك واستمر في عناده وجموحه، ولأجل أن يرضي غريزة حبّ الجاه عنده، خرج على قومه بزينة من الخيل والخدّام وكثرة الغلمان الذين كانوا يجلسون على سرجٍ من ذهب ويلبسون أنواع الحُلي الذهبية.
وقد أخذ مثل ذلك المنظر البرّاق والمخادع بقلوب وعقول بني اسرائيل فقالوا: «قالَ الَّذِينَ يِرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما اؤتِيَ قارُونَ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيمٍ».
ولكن وكما صرّح القرآن الكريم في هذه الآيات فإنّ اللَّه تعالى خسف بقارون الأرض ودفنت كل أمواله وقصوره والزينة التي كانت عليه وكأن شيئاً لم يكن، لا قارون ولا امواله ولا زينته المبهرة للعقول!!
وعندها انتبه الذين تمنوا مقام قارون، انتبهوا من غفلتهم ورجعوا عن قولهم واستعاذوا باللَّه تعالى من أقوالهم. نعم فإنّ حبّ الجاه والغفلة والغرور، تغوي الإنسان وتورثه الغفلة عن أبسط الامور البديهية للحياة، وبما أنّ الإنسان خلق ضعيفاً، فانّ أوهى عنوان أو أمتياز يعرض عليه يغير حياته ويقلبها رأساً على عقب ويفضي به إلى الهلكة لأنّه سرعان ما يدعي القدرة والاستقلال، بل يتعداها إلى مقام الالوهية.
وفي«الآية الخامسة»من الآيات تتحدث عن فرعون، وتصوّر لنا حبّ الجاه وأعماله الجنونية حيث خاطب موسى عليه السلام قائلًا: «قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيْري لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» بلا شك، أنّ فرعون بادعائه للربوبية لم يكن من السذاجة بدرجة لا يدرك فيها دعوة موسى عليه السلام المنطلقة من التعريف باللَّه ربّ العالمين، فهو الحاكم على أرض مصر الوسيعة.
وبديهي أن الأنانية والتكبر وحبّه للجاه، لم تكن لتسمح له بقبول الحق والمنطق السليم الصادر من اللَّه تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام.
وهذا هو طريق الطغاة وأفعالهم فدائماً ما يقابلون الحق بالقوّة، والدليل والبرهان بالسجن!
ولكن عقوبة السجن في مثل هذه المواد لم تكن أداة رادعة في دائرة التصدي لخط الرسالة والنبوة بقيادة موسى عليه السلام الذي ضعضع أركان حكومة فرعون، ولهذا ذكر بعض المفسرين أنّ سجن فرعون لم يكن بالسجن الذي يخرج منه الإنسان حيّاً، فالمسجون فيه يلاقي شتى أنواع العذاب حتى يموت فيه.
و يدور الحديث في«الآية السادسة»من هذهِ الآيات، عن مشركي العرب فبدلًا من أن يطلبوا الدليل والبرهان والمعجزة من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله كانوا يتذرعون بأنواع الذرائع من موقع الانكار والجحود، فتارة يطلبون منه تفجير الينابيع والعيون من الصحاري المقفرة اليابسة والحارة من أرض الحجاز، وتارة يطلبون جنات من أعناب ونخيل تجري من تحتها الأنهار، وتارة يطلبون انزال الحجارة من السماء واخرى حضور الباري تعالى والملائكة والبيوت من الذهب؟ وبعدها يقولون:
«أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِى السَّماءِ وَلَنْ نُؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلُ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ».
فاولئك بطلباتهم تلك، قد كشفوا عن واقعهم الزائف حيث يعيشون منتهى الكبر وحبّ الجاه الذي ملأ قلوبهم، واثبتوا أنّ الإنسان عندما يقع في سلوكه الأخلاقي والفكري تحت تأثير تلك الصفات الذميمة، فسوف يتحرك بعيداً عن العقل والمنطق.
اختلف المفسرون بأن ما المراد من كلمة(بيت من زخرفٍ)؟
فاحتملوا فيها أمرين: الأول أنّ المراد من الكلمة هو بيت مليء بالذهب أو أشياء مصنوعة من الذهب، والثاني: أنّ المراد هو بيت منقوش بالزخارف الذهبية، ولكن التفسير الأول أوفق لسياق الآية وذلك بالنظر إلى عبارة(من زخرفٍ).
في«الآية السابعة»والأخيرة من هذهِ الآيات التي وردت عقيب الحديث عن قارون، صدر أمر إلهي عام فقال:
«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لايُريُدونَ عُلُوّاً فِى الْارْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ».
نعم فإن عاقبة محبّي الجاه والمستكبرين، نفس عاقبة قارون الذي باع كل شيء من أجل حبّه للجاه والمقام وعاش مغضوباً عليه، وختم حياته باللعن الإلهي إلى الأبد.
ويمكن الاستفادة من عطف الفساد على العلو في الأرض في الآية أنّ المتكبرين
ومحبّي الجاه والمقام سيفسدون في الأرض في نهاية المطاف كي يشبعوا عطشهم وغرائزهم، ولن يتوقفوا عند أي جناية يرتكبونها.
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام علي عليه السلام عندما آلت اليه الخلافة كان يخرج بنفسه إلى السوق، فيرشد الضّال ويساعد الضعيف وعند مروره بجانب الباعة والكسبة كان يقرأ عليهم هذهِ الآية: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لايُريُدونَ عُلُوّاً فِى الْارْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ».
وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه عندما تلا هذه الآية بكى وقال:«ذَهَبَتِ واللَّهِ الأَمانيُّ عِندَ هذهِ الآيةِ»[1].
ويمكن أن يكون مراد الإمام عليه السلام أنّه بما أنّ الباري تعالى جعل الآخرة للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا يريدون الرئاسة، وهو أمر صعب جدّاً، فسوف لا تبقى امنية للشخص المؤمن في حركة الحياة الدنيوية.
ويستفاد من مجموع الآيات التي ذكرت سابقاً وما شابهها من الآيات أن طلب الجاه والرئاسة، وخصوصاً إذا ما اقترن بالكبر والغرور والعناد فانّه سيفضي بالحياة الإنسانية إلى السقوط، وسوف لا تؤثر على الفرد فقط بل تطال المجتمع ايضاً.
حبّ الجاه في الروايات الإسلامية:
ورد الحديث عن هذه الرذيلة مرّةً تحت عنوان (حبّ الجاه) ومرّة تحت عنوان (حبّ الرئاسة) واخرى بعنوان «الشرف»، ونختار قسماً من تلك الروايات الكثيرة:
1- الروايات التي تتحدث عن مدى تأثير وتخريب هذهِ الرذيلة في دائرة الدين والمعتقد، بحيث جاء في الحديث النبوي الشريف:«ما ذِئبانِ ضاريانِ ارسِلا فِي زَرِيبَةِ
[1]. تفسير علي بن ابراهيم الوارد في ذيل الآية الآنفة الذكر.
غَنَمٍ أكثرَ فَساداً فِيها مِنْ حُبِّ المالِ وَالجاهِ فِي دِينِ الرِّجُلِ المُسلِمِ»[1].
وتأسيساً على ذلك، فإنّ حبّ الجاه والثروة وعبادة المقام تمثل عناصر خطيرة على مستوى عملية هدم الدين وتخريب الإيمان في أعماق النفس، كما هو الحال في علاقة الذئب والغنم.
2- ونقرأ في حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«حُبُّ الجاهِ وَالمالِ يُنبِتانِ النِّفاقَ فِي القَلبِ كَما يُنبِتُ الماءُ البَقلَ»[2].
3- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام قال:«مَنْ طَلَبَ الرِّئاسَةَ هَلَكَ»[3].
4- قد أولت الروايات الإسلامية أهمية كبرى لهذهِ المسألة من موقع التحسس لظهور أبسط العلامات لحبّ الجاه وحذّرت منها، ففي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً:«إِيّاكُم وَهَؤلاءِ الرُّؤساءِ الَّذِينَ يَتَرَأسُونَ فَواللَّهِ ما خَفَقْتِ النِّعالُ خَلفَ رَجُلٍ إلّاهَلَكَ وأَهلَكَ»[4].
ويجب التنوية إلى أن المستضعفين والمحرومين غالباً ما كانوا حفاة الأقدام في ذلك الزمان والنعال مختص بالغني، ومن البديهي أنّ هؤلاء لا يتبعون شخصاً في سبيل اللَّه ومن أجل الخير!
5- في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وفي معرض حديثه عن الجذور الأصلية للذنوب:«أَوّلُ ما عُصِي اللَّهُ تَباركَ وَتَعالى بِستِّ خِصالٍ حُبِّ الدُّنيا وَحُبِّ الرِّئاسَةِ وَحُبِّ الطَّعامِ وَحُبِّ النِّساءِ وَحُبِّ النَّومِ وَالرَّاحَةِ»[5].
6- وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«إِنّ حُبَّ الشّرفِ وَالذِّكرِ لايَكُونانِ فِي قَلبِ الخائِفِ الرَّاهِبِ»[6].
[1]ميزان الحكمة، ج 1، ص 492، ح 3034.
[2]المحجة البيضاء، ج 6، ص 112.
[3]اصول الكافي، ج 2، ص 297، ح 2.
[4]المصدر السابق، ح 3.
[5]الخصال، ج 1، ص 330.
[6]اصول الكافي، ج 2، ص 69، ح 7.
7- وعن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً:
«مَنْ طَلَبَ الرِّئاسَةَ بِغيرِ حَقٍّ حُرِمَ الطَّاعَةَ لَهُ بِحَقٍ»[1].
ومن ذلك البيان يتبين أنّ حبّ الجاه والمقام يتقاطع دائماً مع الحق، ومنه يتبيّن أيضاً أنّ حبّ الرئاسة على نوعين:
الرئاسة بالحق والرئاسة بالباطل:
نقرأ في بعض الآيات أنّ«عباد الرحمان»يطلبون من الباري تعالى أن يجعلهم للمتقين إماماً «واجعَلنا لِلمُتَّقِينَ إِماماً»[2].
ومنه يتبيّن أنّ حبّ الرئاسة لا يقع في الدائرة الذميمة دائماً، كما ذكر هذا المعنى العلّامة المجلسي قدس سره في كتابه بحار الأنوار، حيث قسّم الرئاسة إلى نوعين: «رئاسة بالحق» و «رئاسة بالباطل»، بعدها ضرب مثالًا لرئاسة الحق وهو التصدي لمقام الفتوى والتدريس والوعظ، ويعقب قائلًا: إنّ الذي له الأهلية لذلك وهو عالم بالكتاب والسنة وهدفه هداية الخلق وتعليم الناس، فيجب عليه إمّا عيناً أو كفايةً التصدي لذلك المقام، ولكن الذي لا علم له ولا اطلاع بالمسائل وليس له هدف إلّاالشهرة وتحصيل المال والمقام، فتلك الرئاسة الباطلة، وهذا هو فعل المبتلين بالصفة الرذيلة وهي حبّ الجاه.
وبعدها نقل عن بعض المحققين أن معنى كلمة «الجاه» هو تملك القلب والتأثير عليه، فحكمها حكم تملك الأموال، كل هذهِ الامور هي من أهداف الحياة، وتنتهي بالموت، والدنيا مزرعة الآخرة، فالذي يجعل من تلك زاداً له في الآخرة فهو السعيد والمنعم، والذي يجعل منها وسيلة لإتباع الأهواء فهو الشقيّ الفقير[3].
وفي الواقع أنّ الذين يطلبون الرئاسة لأغراض اجتماعية وإنسانية، أو بعبارة اخرى
[1]تحف العقول، ص 237.
[2]سورة الفرقان، الآية 74.
[3]بحار الأنوار، ج 70، ص 147 وما بعدها (مع التلخيص).
يطلبون الجاه للوصول للاهداف الإلهيّة وليس لحب المقام والرئاسة بالذات، اولئك في الحقيقة السائرون على خط الإمام علي عليه السلام الذي يقول:«أما وَالَّذي فَلَقَ الحَبّةَ وَبرَأ النَّسمَةَ لَولا حُضُورِ الحاضِرِ وَقِيامِ الحُجَّةِ بِوجُودِ النَّاصِرِ وَما أَخَذَ اللَّهُ عَلَى العُلَماءِ أَلّا يُقارُّوا عِلى كِظّةِ ظالِمٍ وَلا سَغبِ مَظلُومٍ لأَلقَيتُ حَبلَها عَلى غَارِبِها وَلَسَقَيتُ آخِرها بِكأسِ أَولِها»[1].
علامات حبّ الجاه:
يمكن معرفة الأفراد الذين يحبون الجاه والمقام عن طريق حركاتهم وكلماتهم وسلوكهم، فكل ما يفعلوه من خير يرغبون في اظهاره والإعلان عنه، حتى تكون لهم المنزلة والمقام عند الناس.
وعلى هذا فالذين يحبّون الجاه يتحرّكون في سلوكهم الأخلاقي نحو الرياء غالباً، لأنّ حبّهم للجاه لا يمكن اشباعه إلّابالرياء، ولذلك فإنّ بعض كبار علماء الأخلاق، ادرجوا عنوان الرياء وحب الجاه سويةً في كتبهم[2].
وكثير من الذين يحبّون الجاه يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وبهذا جاءت الآية الشريفة: «يُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِما لَم يَفعَلُوا»[3]فهدفهم الشهرة والوجاهة والإشارة إليه بالبنان، عن أي طريق كان، وليس هدفهم من الوجاهة هو التحرك باتّجاه تفعيل الخير في المجتمع من موقع الإصلاحات الاجتماعية، ولكن الهدف هو مدح الناس وخضوعهم لهم والإشارة إليهم بالبنان كما قلنا، فهم يسعون للأعمال التي فيها الشهرة وإن كان مردودها قليلًا، ولا يسعون أبداً للأعمال التي لا تحقق لهم الوجاهة والسمعة وإن كانت تلك الأعمال تعود بالنفع الكثير للمجتمع.
محبو الجاه يتوقعون أن يُمدحوا دائماً، ولا يرغبون بالنقد والتأنيب وينتظرون الاحترام
[1]. نهج البلاغة، الخطبة 3.
[2]. المحجة البيضاء، ج 6، ص 106 وما بعدها حيث بحثت المسألة بما يقارب المائة صفحة.
[3]. سورة آل عمران، الآية 188.