منابع حسن الخلق:
إنّ بعض الناس يتمعتون بحسن الخلق بشكل طبيعي، وهذا يعدّ من المواهب الإلهية للإنسان التي لا تكاد تكون من نصيب كل شخص، وعلى هذا الإنسان أن يشكر اللَّه تعالى بجميع وجوده على هذه الموهبة العظيمة.
ولكن الكثير من الناس ليسوا كذلك، فعليهم أن يقوموا بتعميق وتوكيد حسن الخلق في نفوسهم من خلال التمرين والممارسة على أرض الواقع العملي بحيث يكتسبوا طبيعة ثانية لهم ويكون حسن الخلق نافذاً وراسخاً في وجودهم وواقعهم النفسي، وأفضل طريق إلى نيل هذه الصفة الأخلاقية والمرتبة الكمالية هو أن يتفكّر الإنسان في الآثار المعنوية والمادية لهذه الصفة الأخلاقية ويطالع الروايات الشريفة المذكورة سابقاً في هذا الباب ويتأمل فيها ويقوم بتكرارها بين الحين والآخر لتترسخ مضامينها في أعماق نفسه.
ومن جهة اخرى يجب أن يتحرّك الإنسان على المستوى العملي لتطبيق وترجمة هذه الصفة في سلوكه الخارجي، لأنّ الفضائل الأخلاقية كالقابليات البدنية تقوى وتشتد بالتمرين والتكرار كما نرى في الرياضين أنّهم بعد مدّة من التمرين يتمتعون بأبدان قوية وجميلة فكذلك الرياضة الأخلاقية بإمكانها أن تقوّي روح الإنسان.
ويقول علماء الأخلاق في صدد تربية الأفراد البخلاء على صفة الكرم أنّ الإنسان البخيل يجب أن يضغط على ميوله النفسي وحرصه على الأموال، ويتحرّك على مستوى بذل المال للآخرين في البداية، ورغم أنّ هذا العمل يكون عسيراً في البداية إلّاأنّه تدريجياً يصبح ميسوراً وبالتالي يعتاد الإنسان على حاله البذل والكرم بحيث أنّه لو لم يبذل من أمواله يوماً لوجد في نفسه امتعاضاً.
وكذلك يوصي علماء الأخلاق الشخص الجبان بأن يحضر إلى ميادين القتال والمواجهة مع العدو حتى تزول عنه حالة الخوف والجبن بالتدريج ويحل محلّها صفة الشجاعة والجرأة والإقدام.
وهكذا بالنسبة لأصحاب الخلق السيء، فإنّهم من خلال التمرين والممارسة المستمرة
لموارد ومصاديق حسن الخلق فإنّهم سيتمكّنون في المستقبل من توفير رأس مال كبير من هذه الصفة الإنسانية وينتفعون من بركاتها ونتائجها الإيجابية في حياتهم النفسية والاجتماعية.
ومضافاً إلى كل ذلك ونظراً إلى أنّ أحد عوامل سوء الخلق هو التكبّر والغرور وكذلك الحدّة والغضب وروح الانتقام وأحياناً يكون بسبب الحرص والبخل والحسد، فلو أنّ الإنسان أراد أن يكون حسن الخلق في جميع موارد الحياة الفردية والاجتماعية لوجب عليه أن يدفع ويزيل هذه الصفات والحالات السلبية عن واقعه النفسي.
عليه أن يراعي حدّ الاعتدال في القوّة الغضبيّة والشهوية وأن تكون له سعة الافق وشرح الصدر ليتمكّن بذلك من تطهير قلبه وروحه من الأنانية والحسد والبخل وبالتالي يورثه ذلك حسن الأخلاق ويكون في أمان من سوء الخلق مع الناس.
وعليه فإنّ تحصيل هذه الفضيلة الأخلاقية الكبيرة تتطلب وجود وتوّفر مجموعة من الصفات الحسنة في واقع الإنسان النفسي حيث إنّه بدونها لا يكون حسن الخلق في سلوكه الأخلاقي.
ويقول (الغزالي) في هذا الصدد: كما أنّ صاحب الوجه الحسن لا يكون كذلك بجمال العين فقط بل لابدّ أن يضم إليه جمال الأنف والفم وجميع أعضاء الوجه، ليكون جميلًا وكاملًا في مجال الجمال البدني والمادي، فكذلك حال الجمال الباطني والمعنوي فما لم يصل الإنسان إلى حد الاعتدال في قواه الأربعة ... العلم والغضب والشهوة والعدالة، فإنّه لا يصل إلى مقام الجمال الباطني.
ولا شك أنّ عامل (الوراثة) يوثّر في سلوك الإنسان الأخلاقي حيث يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:«حُسنُ الخُلقِ بُر هانُ كَرمِ الأعراقِ»[1].
ويقول عليه السلام في مكان آخر:«أطهَرُ النّاسِ أَعراقَاً أَحسَنُهُم أَخلاقاً»[2].
[1]. غرر الحكم، ح 4855.
[2]. المصدر السابق، ح 3032.
وهناك ملاحظة ينبغي الالتفات إليها في البحوث الأخلاقية وهي، أنّ الفضائل الأخلاقية لا يمكن إكتسابها وتحصيلها من دون التوفيق الإلهي والامداد الربّاني، فيجب الاستمداد من اللَّه تعالى في سبيل تحصيل هذه الملكات الأخلاقية الفاضلة وغرسها وتنميتها في واقع الإنسان وروحه.
ونقرأ في حديث شريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«الأخلاقُ مَنائِحُ مِن اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ فَإذا أَحَبَّ عَبداً مَنَحَهُ خُلُقاً حَسَناً وَإِذا أَبغَضَ عَبدَاً مَنَحَهُ خُلقاً سَيِّئاً»[1].
سيرة الأولياء:
ومن أفضل الطرق لكسب فضيلة حسن الخلق وملاحظة نتائجها الإيجابية على واقع الإنسان هو التحقيق في سيرة الأولياء العظام.
1- نقرأ في حديث عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله دَائِمُ البُشر، سَهلُ الخُلق، لَينُ الجَانبِ، لَيسَ بِفَظٍّ ولا غلِيظٍ ولا سَخّابٍ، ولا فَحّاشٍ، ولا عيّابٍ، ولا مَدّاحٍ، ولا يَتَغافَلُ عَمّا لايَشتَهِي، ولا يُؤيس مِنهُ، قَد تَركَ نَفسَهُ مِنْ ثَلاث: كَانَ لايَذُّمُ أَحداً، ولا يُعيّرُه، ولا يَطلُبُ عَورَتَهُ، ولايَتَكَلَّمُ إِلّا فَيما يَرجُو ثَوابَهُ، إِذا تَكَلَّمَ أَرقَ جُلساؤُهُ كَأَنّما عَلى رُؤوسِهِم الطَّيرُ، وإذا تَكَلَّمَ سَكَتُوا وإذا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لايُسارِعُون عِندَهُ بِالحَديثِ، مَن تَكَلَّمَ نَصتُوا لَهُ حَتّى يَفرَغَ حَدِيثُهُم عِندَهُ حَديث إِلَيهم، يَضحَكُ ممّا يَضحَكُونَ مِنهُ، وَيَتَعَجَّبُ ممّا يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ، يُصبِّرُ الغريبَ عَلى الجَفوةِ فِي المنطِقِ، وَيَقُولُ: (إِذا رَأَيتُم صاحِبَ الحَاجَة يَطلُبُها فَأَرفِدُهُ)، ولا يَقبَلُ الثَّناءَ إلّامِنْ مُكافيء، ولا يَقطَعُ عَلَى أَحدٍ حَدِيثَهُ حَتّى يَجُوزَهُ فَيَقطَعُهُ بِانتهاء أَو قِيام»[2].
2- ونقرأ في حالات الإمام علي عليه السلام في الرواية المعروفة أنّ الإمام كان قاصداً الكوفة فصاحب رجلًا ذميّاً فقال له الذمّي: أين تريد يا عبداللَّه، قال: اريد الكوفة، فلما عدل الطريق
[1]. بحار الانوار، ج 68، ص 394، ح 64.
[2]. جلالء الأفهام، لابن قيم الجوزي، ص 92.
بالذمّي عدل معه علي عليه السلام، فقال له الذمي: أليس زعمت تريد الكوفة؟ قال: بلى.
فقال له الذمي: فقد تركت الطريق، فقال عليه السلام: قد علمت، فقال له: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟
فقال له علي عليه السلام:«هذا مِن تمام الصُّحبةِ أَن يُشيِّعَ الرّجلُ صاحِبهُ هُنيئةً إذا فارَقَهُ وَكَذلِكَ أَمرنا نَبيِّنُا».
فقال له الذمي: هكذا أمركم نبيّكم؟ فقال: نعم، فقال له الذمّي: لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، وأنا أشهد على دينك، فرجع الذمّي مع الإمام علي عليه السلام، فلما عرفه أسلم»[1].
3- وفي حديث آخر في تفسير الإمام الحسن العسكري أنّه قال: حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء وقد بعثتني إليكِ فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك فثنت فأجابت ثم ثلثت إلى عشرة فأجابت ثم خجلت في الكثرة فقالت: لا أشق عليك يا ابنة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قالت فاطمة: هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟ فقالت: لا، فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملأ ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليَّ، سمعت أبي صلى الله عليه و آله يقول:«علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد اللَّه ..»[2].
وهذا الصبر العجيب والتعامل المليء بالمحبّة واللطف وهذا التشبيه الجميل الباعث على إزالة الحياء من السائل من كثرة سؤاله كل واحدة منها مثال جميل على حسن خلق الأولياء العظام حيث ينبغي أن يكون درساً بليغاً وعبرة نافعة في طريق إرشاد الناس إلى سلوك مثل هذه الممارسات الأخلاقية.
4- وممّا ورد عن حلم الإمام الحسن عليه السلام أنّ شامياً رآه راكباً (في بعض أزقة المدينة)
[1]. سفينة البحار، ج 2، ص 692 الطبعة الحديثة.
[2]. بحار الانوار، ج 2، ص 3.
فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السلام فسلّم عليه وضحك فقال:
«أيُّها الشّيخ أَظُنُّك غَريباً، وَلَعلَّك شُبّهت، فَلَو استَعتَبتَنا أَعتَبناكَ، وَلَو سَأَلتَنا أَعطَيناكَ، وَلَو استَرشَدتَنا أَرشدناك، وَلَو استَحمَلتَنا أَحملناكَ، وإن كُنتَ جائِعاً أَشبَعنَاك، وَإِن كُنتَ عُرياناً كَسوناك، وإِن كُنتَ مُحتاجاً أَغنَيناكَ، وإِن كُنتَ طِريداً آويناكَ، وإن كانَ لَكَ حاجَةً قَضيناها لَكَ، فَلَو حَركتَ رَحلَكَ إِلينا وَكُنتَ ضَيفَنا إِلى وَقتِ إرتحالِك كانَ أَعود عَلَيكَ، لأنَّ لَنا مَوضِعاً رَحِباً وَجاهاً عَريضاً وَمالًا كَثَيراً».
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال أَشهدُ أَنّك خَليفة اللَّه في أرضه، اللَّهُ أَعلَمُ حيثُ يَجعلُ رسالتهُ وكنتَ أَنت وأبوك أبغضُ خلق اللَّه إليَّ، والآن أَنت وأبُوكَ أحبُّ خلق اللَّهِ إليَّ، وَحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً لمحبتهم[1].
5- وجاء في كتاب «تحف العقول»: أنّ رجلًا من الأنصار جاء إلى الإمام الحسين عليه السلام يريد أن يسأله حاجة، فقال عليه السلام:«يا أخا الأنصار صُن وجَهك عَن بَذلِ المسألةِ وارفع حاجتَك فِي رقعةٍ فإنّي آت فِيها ما ساركَ إن شاء اللَّه»، فكتب الأنصاري: يا أبا عبداللَّه إنّ لفلان عليَّ خمسمائة دينار وقد الجّ بي فكلّمه ينظرني إلى ميسرة، فلما قرأ الإمام الحسين عليه السلام الرقعة، دخل إلى منزله فأخرج صرّة فيها ألف دينار وقال عليه السلام له: «أَما خمسمائة فاقض بِها دينك وأمّا خمسمائة فاستعن بِها على دَهرِكَ ولا تَرفع حاجتَكَ إلّاإِلى أحد ثلاث: إِلى ذِي دين، أَو مروّة، أو حسب، فأمّا ذو الدين فَيصُون دِينُهُ، وأَمّا ذو المُروة فإنّه يستحي لمروّته، أَمّا ذو الحسب فيعلم أنّك لم تكرم وجهكَ أن تَبذلُه فِي حاجتِكَ فَهو يَصون وَجهكَ أن يردَك بِغير قضاءِ حاجتِك»[2].
6- ونقرأ في حالات الإمام زين العابدين أنّه وقف على علي بن الحسين عليه السلام رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه فلم يكلّمه، فلما انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل وأنا احب أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منّي ردي عليه.
[1]. بحار رالانوار، ج 43، ص 344.
[2]. تحف العقول، ص 178.
فقالوا له: نفعل ولقد كنّا نحبّ أن تقوله له ونقول، قال: فأخذ نعليه ومشى وهو يقول:
«... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الُمحْسِنِينَ»[1].
فعلمنا أنّه لا يقول له شيئاً قال: فخرج إلينا متوثباً للشر وهو لا يشك أنّه إنّما جاءه مكافياً له على بعض ما كان منه فقال له علي بن الحسين عليه السلام:«يا أَخي إنَّكَ كُنتَ قَد وَقفتَ عليَّ آنفاً قُلتَ وَقُلتَ فإن كُنتَ قَد قُلتَ ما فيَّ فأنا استغفرُ اللَّهَ مِنهُ وإن كُنتَ قُلتَ ما لَيس فيَّ فَغفرَ اللَّهُ لَكَ».
قال (الراوي) فقبل الرجل بين عينيه وقال: بلى قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحق به.
قال الراوي الحديث: والرجل هو الحسن بن الحسن عليه السلام[2].
7- ونقرأ في حالات الإمام الباقر: عن محمد بن سليمان عن أبيه قال: كان رجل من أهل الشام يختلف على أبي جعفر عليه السلام (الإمام الباقر) وكان مركزه بالمدينة يختلف إلى مجلس أبي جفعر يقول له: يا محمد ألا ترى أنّي إنّما أغشى مجلسك حياء منك ولا أقول أنّ أحداً في الأرض أبغض إليَّ منكم أهل البيت، وأعلم أنّ طاعة اللَّه وطاعة رسوله وطاعة أميرالمؤمنين في بغضكم ولكن أراك رجلًا فصيحاً لك أدب وحسن لفظ، فإنّما اختلافي إليك لحسن أدبك.
وكان أبو جعفر عليه السلام يقول له خيراً ويقول: لن تخفى على اللَّه خافية فلم يلبث الشامي إلّا قليلًا حتى مرض واشتدّ وجعه، فلمّا ثقل دعا وليّه وقال له: إذا أنت مددت عليَّ الثوب فأت محمد بن علي عليه السلام وسله أن يصلّي عليَّ واعلمه إنّي أنا الذي أمرتك بذلك.
قال: فلمّا أن كان في نصف الليل ظنّوا أنّه قد برد وسجّوه، فلمّا أن أصبح الناس خرج وليّه إلى المسجد، فلمّا أن صلّى محمد بن علي عليه السلام وتورّك وكان إذا صلّى عقب في مجلسه، قال له: يا أبا جعفر إنّ فلان الشامي قد هلك وهو يسألك أن تصلي عليه.
فقال أبوجعفر عليه السلام: كلّا إنّ بلاد الشام بلاد صرد والحجاز بلاد حر لهبها شديد انطلق فلا
[1]. سورة آل عمران، الآية 134.
[2]. منتهى الآمال،
تعجلنّ على صاحبك حتى آتيكم ثم قام عليه السلام من مجلسه فأخذ وضوءاً ثم عاد فصلّى ركعتين ثم مدّ يده تلقاء وجهه ما شاء اللَّه ثمّ خرّ ساجداً حتّى طلعت الشمس ثم نهض فانتهى إلى منزل الشامي، فدخل عليه فدعاه فأجابه ثم أجلسه وأسنده ودعا له بسويق فسقاه وقال لأهله: املؤوا جوفه وبرّدوا صدره بالطعام البارد. ثمّ انصرف عليه السلام، فلم يلبث إلّا قليلًا حتّى عوفي الشامي فأتى أبا جعفر عليه السلام فقال: اخلني فأخلاه، فقال: أشهد أنّك حجّة اللَّه على خلقه وبابه الذي يؤتى منه فمن أتى من غيرك خاب وخسر وضلّ ضلالًا بعيداً.
قال له أبو جعفر عليه السلام: وما بدا لك؟
قال: أشهد أنّي عهدت بروحي وعاينت بعيني فلم يتفاجأني إلّاومناد ينادي اسمعه بأذني ينادي وما أنا بالنائم ردّوا عليه روحه فقد سألنا ذلك محمد بن علي.
فقال له أبوجعفر عليه السلام:«أَما عَلِمتَ أَنّ اللَّهَ يُحبُّ العَبدَ ويُبغِضُ عَمَلهُ ويُبغض العبد ويحبّ علمه؟»، (أي كما أنّك كنت مبغوضاً لدى اللَّه لكنّ عملك وهو حبّنا مطلوباً عنده تعالى).
قال الراوي: فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر عليه السلام[1].
8- ورد في الحديث المعروف في حالات الإمام الصادق المذكور في مقدمة (توحيد المفضل) أنّ المفضل بن عمر قال كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة وبين القبر والمنبر وأنا مفكّر فيما خصّ اللَّه به سيّدنا محمداً من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرّفه به وحباه لا يعرفه الجمهور من الامّة، وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته وخطر مرتبته، فإنّي لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه، فلمّا استقرّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلّم ابن أبي العوجاء؟ فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العزّ بكماله، وحاز الشرف بجميع خصاله، ونال الحظوة في كل أحواله، فقال له صاحبه: إنّه كان فيلسوفاً إدّعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى، وأتى على ذلك بهجرات بهرت العقول، وضّلت فيها الأحلام، وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر فرجعت خاسئات وهي حسير، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء
[1]. منتهى الآمال، ص 63 (بتلخيص).
دخل الناس في دينه أفواجاً فقرن اسمه باسم ناموسه، فصار يهتف به على رؤوس الصوامع في جميع البلدان ...
فقال ابن أبي العوجاء: دع ذكر محمد، فقد تحيّر فيه عقلي، وضلّ في أمره فكري، وحدثنا في ذكر الأصل الذي يمشي به، ثمّ ذكر ابتداء الأشياء وزعم أنّ ذلك باهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، ولا صانع له ولا مدبّر، بل الأشياء تتكوّن من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال.
قال المفضّل: فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً، فقلت: يا عدوّ اللَّه ألحدت في دين اللَّه، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغ بك إلى حيث انتهيت.
فقال ابن أبي العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد (الصادق)، فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدّى في جوابنا، وإنّه للحلوم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، ويسمع كلامنا ويصغي إلينا ويستعرف حجّتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا أن قد قطعناه أدحض حجّتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجّة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردّاً، فان كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه[1].
9- ونقرأ في حالات الإمام موسى بن جعفر أنّ رجلًا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذيه ويشتم علياً عليه السلام قال: وكان قد قال له بعض حاشيته دعنا نقتله فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي وزجرهم أشدّ الزجر وسأل عن العمري فذكر له أنّه يزرع بناحية من نواحى المدينة، فركب إليه في مزرعته فوجده فيها فدخل المزرعة بحماره فصاح به العمري لا تطأ زرعنا فوطئه بالحمار حتى وصل إليه فنزل فجلس عنده وضاحكه وقال له: كم غرمت في زرعك هذا قال له: مائة دينار قال: فكم ترجو أن يصيب، قال له: أنا لا أعلم الغيب، قال: إنّما
[1]. بحار الانوار، ج 3، ص 57 و 58 (مع التلخيص).