المؤمنين أيضاً أنّه قال:«لا سُؤدَدَ لِسَّيِّىءِ الخُلقِ»[1].
فالإنسان السيء الخلق لا يكون كبيراً في مجتمعه ودليل ذلك واضح أيضاً، لأنّ من أول شروط تحصيل المكانة الاجتماعية والسيادة والعزّة لدى الأهل والعشيرة هو التعامل الأخلاقي الحسن مع الآخرين ومراعاة الأدب واللّيونة واللطافة، فمن إفتقد رأس المال هذا فإنّه لا يصل إلى ذلك المقام.
7- وورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً قوله:«المُؤمِنُ لَيِّنُ الأرِيكَةَ، سَهلُ الخَلِيقَةَ، والكَافِرُ شَرِسُ الخَلِيقَةَ سَيِّىءُ الطَّرِيقَةَ»[2].
علاج سوء الخلق:
إنّ ما أوردنا في الروايات أعلاه وروايات اخرى كثيرة لم نذكرها حرصاً على الايجاز وعدم الأطالة هو شاهد على أنّ سوء الخلق يعتبر أحد أسوأ الصفات النفسية والأخلاقية في واقع الإنسان وسلوكه الاجتماعي حيث يترتب عليها نتائج وخيمة في حركة الإنسان والمجتمع ويفضي إلى تدمير افق الحياة السعيدة ويبدّل عناصر الخير والسعادة في حياة الإنسان إلى الشر والشقاء.
وعلى هذا فإنّ الأشخاص الذين يعيشون هذه الرذيلة الأخلاقية يجب عليهم علاج أنفسهم بأسرع ما يمكن، والاستفادة من كلمات ونصائح علماء الأخلاق في هذا المجال ومنها قولهم:
إنّ من يبتلى بهذه الصفة الرذيلة يجب عليه أن يفكّر ويتدبّر في عواقبها الوخيمة في كل يوم ويقرأ باستمرار الروايات التي تتحدّث عن آثارها السلبية في الدنيا والآخرة كما تقدمت الإشارة إليها، ويشاهد ما يجري في حياة المبتلين بهذا المرض وكيف أنّ الناس تنفر منهم وتبتعد عنهم وبذلك يعيشون حالة الوحشة والصعوبة في مقابل تحدّيات الواقع فلا
[1]. غرر الحكم.
[2]. المصدر السابق.
يشاركهم أو يواسيهم أحد من الناس فيما يصيبهم من بأساء وضرّاء في حركة الحياة، والخلاصة أنّه يتّعظ من حياة هؤلاء الذين يعيشون العزلة على اللَّه والخلق.
وما يجدر ذكره هو أنّه ينبغي لغرض قلع جذور الصفات الأخلاقية القبيحة من واقع الإنسان وروحه أن يتحرّك الإنسان على مستوى التمرّن وممارسة الرياضة المعنوية والاصرار في سلوك هذا الطريق وإن كان بواسطة التصنّع ليكون حسن الخلق له بصورة عادة وملكة، وفيما إذا وجد في نفسه عناصر وعوامل نفسية تبعث على سوء الخلق فانّه يتحرّك فوراً لازالتها وتطهير نفسه منها وذلك من خلال ممارسة الصلاة والعبادة وزيارة المراقد المقدّسة أو يتحرّك من موقع الترفيه السليم والألعاب المسلّية المشروعة ليدرأ هذا المرض وهذه العوامل السلبية من كيانه وشخصيته.
وكذلك يتحرّك الإنسان في طريق تهديد نفسه من خلال التلقين، وذلك بالايحاء إلى نفسه بأنّه صاحب خلق حسن ويتّصف بحسن التعامل والطيبة واللطف مع الآخرين، فمن شأن هذا التلقين أن يؤثّر أثره بالتدريج فيغرس في قلبه نبتة حسن الخلق ويعمل على تقويتها وتعميقها وإزالة عناصر الشر وعوامل سوء الخلق من ذاته.
وأحياناً يتحقّق سوء الخلق في النفس بسبب الجوع والعطش أو بعض الأمراض البدنية حيث ينبغي على هذا الإنسان أن يعالج هذه المسألة من الأساس والجذور ويحاول الابتعاد عن الناس والتعامل معهم في هذه الحالة الاستثنائية مهما أمكن.
وأحياناً تنقل هذه الرذيلة الأخلاقية الإنسان من رفاقه وأصدقائه من الأراذل والأخلاء السيّىء الخلق، فينبغي عليه أن يقطع أواصر الصداقة مع هؤلاء ويحاول الإرتباط من موقع الصداقة والمودّة مع من هم أهل لذلك ويعيشون الفضيلة وحسن الخلق مع الناس، وهكذا فإنّ أسوأ الناس أخلاقاً إذا تحرّك في اصلاح نفسه في علاج مرضه الأخلاقي من خلال ممارسة هذه التعليمات المذكورة آنفاً وعزم على تحقيق هذه الملكات الأخلاقية في نفسه بإرادة قويّة وسعى لإصلاح نفسه بتصميم راسخ فإنّه سوف يحصل على النتائج المرجوّة حتماً.
المزاح:
لقد ورد في الروايات الإسلامية وكذلك كلمات علماء الأخلاق بحوث واسعة عن (المزاح) حيث يتوصّل الإنسان من خلال مطالعتها ودراستها إلى هذه النتيجة، وهي أن المزاح إذا كان في حدّ الاعتدال ولم يكن ملوّثاً بالإثم والمعصية فإنّه ليس فقط غير قبيح، بل يمكن اعتباره من مصاديق حسن الخلق والأخلاق الفاضلة وحسن المعاشرة مع الناس، ولا شك أن الافراط في ذلك إمّا أن يوقع الإنسان في المعصية والإثم يتحول إلى أحد الرذائل الأخلاقية، وأحياناً يكون خطره أكثر من خطره في الكلام إذا كان من موقع الجد، لأنّ في المزاح نوع من الحرية لا توجد في الكلام الجدّي والذي ينطلق من موقع المسؤولية.
ويستفاد من سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام وعلماء الدين أنّهم كانوا يمارسون المزاح بشكل معتدل في معاشرتهم مع الناس.
وبهذه الإشارة نستعرض بعض الروايات التي تقرر حسن المزاح بصورة عامّة، ثم نستعرض الروايات التي تذم المزاح، ثم نذكر طريق الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات الشريفة:
1- ما ورد في الحديث عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله لَيَسُرُّ الرَّجُلَ مِنْ أَصحابِهِ إِذا رَآهُ مَغمُوماً بِالمُدَاعَبَةِ»[1].
أجل فإنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يستخدم المزاح لتحقيق الأغراض الإنسانية وادخال السرور على القلوب المهمومة والنفوس الكئيبة.
2- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال لأحد أصحابه:«كَيفَ مُداعَبَةِ بَعضُكُم بَعضاً».
قلت: قليل.
فقال الإمام عليه السلام:«أَفَلا تَفعَلُوا فإنّ المُداعَبَةَ مِنْ حُسنُ الخُلقِ وَإنَّك لَتُدخلُ بِها السُّرورَ
[1]. مستدرك الوسائل، ج 8، ص 408.
عَلى أَخِيكَ وَلَقَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يُداعِبُ الرَّجُلَ يُريدُ أَن يَسُرَّهُ»[1].
3- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً أنّه قال:«ما مِنْ مُؤمُنٍ إلّاوَفَيهِ دُعابَةٌ، قلت: وَما الدُّعابَةُ؟ قال: المِزاح»[2].
ويستفاد من هذا التعبير أن المؤمن لا ينبغي أن يكون جافّاً، بل إنّ أغصان حسن الخلق هو المزاح وطبعاً مقرون بالتقوى.
4- ويستفاد من الروايات الشريفة أنّ المعصومين عليهم السلام أحياناً كانوا يتحرّكون لحث الآخرين للتمازح في مجلسهم ليتمّ بذلك إدخال السرور على قلوب المؤمنين، ففي كتاب الكافي للمرحوم (الكليني قدس سره) نقرأ حديثاً شريفاً يرويه عن معمر بن خلّاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام قلت: جعلت فداك الرجل يكون مع القوم فيجري بينهم كلام يمزحون ويضحكون؟
فقال عليه السلام:«لا بأسَ ما لَم يَكُن، فَظَننتُ أَنّه عنى الفحش، ثُمَّ قال: إنّ رَسُولُاللَّهِ صلى الله عليه و آله كانَ يَأتِيهِ الأعرابِي فَيَهدِي لَهُ الهديَّةَ ثُمَّ يَقُولُ مكانَهُ: أَعطِنا ثَمَنَ هَديتِنا فَيضحَكُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله وَكَانَ إِذا اغتَمَّ يَقُولُ: ما فَعَلَ الأَعرابي لَيتَهُ أتانا»[3]
5- وقد ورد في الأحاديث الشريفة نماذج من موارد مزاح النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مع أصحابه منها ما ورد عن امرأة تدعى (ام أيمن) جاءت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقالت: إنّ زوجي يدعوك، فقال: ومن هو أهو الذي بعينه بياض، فقالت: واللَّه ما بعينه بياض، فقال: بلى أنّ بعينه بياضاً، فقالت: لا واللَّه.
فقال صلى الله عليه و آله: ما أحد إلّاوبعينه بياض[4].
وفي مقابل هذه الأحاديث هناك أحاديث كثيرة تنهى عن المزاح منها:
[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 663، ح 3.
[2]. المصدر السابق، ح 2.
[3]. المصدر السابق، ح 1
[4]. تنبيه الخواطر، ج 1، ص 112.
1- في الحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِيّاكُم وَالمَزاحَ فَإنَّهُ يَذهَبُ بِماءِ الوَجهِ وَمَهابَةِ الرِّجالِ»[1].
2- وأيضاً في حديث آخر عن هذا الإمام أنّه قال:«إِذا أَحبَبتَ رَجُلًا فَلا تُمازِحهُ وَلا تُمارِهِ»[2].
3- وفي حديث شريف عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«إِيّاكُم وَالمَزاحَ فَإنَّهُ يَجُرُّ السَّخِيمَةَ وَيُورِثُ الضَّغِينَةَ وَهُو السَّبُّ الأصغَرُ»[3].
4- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«لا تُمازِح فَيُجتَرَءُ عَلَيكَ»[4].
وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ المزاح يبعث على الذهاب بوقار الإنسان والحط من شخصيّته أمام الناس ويسبب العداوة والبغضاء بينهم ويوجب تجرّؤ الجهّال ويعرّض شخصية الإنسان إلى المهانة والضعف والاهتزاز.
ومن خلال مطالعة التعبيرات الواردة في روايات الطائفة الاولى المادحة للمزاح وروايات الطائفة الثانية الناهية عنه يمكن معرفة السبل إلى الجمع بين هاتين الطائفتين، وتوضيح ذلك أنّ المزاح أمر معقّد وأحياناً يتّسم بأنّه أشدّ من حالة الجدية في الكلام وبعبارة اخرى أنّ المزاح أمر رقيق جدّاً بحيث أنّه إذا خرج قليلًا عن حدّ المقرّر، فإنّ له آثار مخرّبة مدمّرة.
إذا كان المزاح في الأطار المقبول ولم يخرج عن حدّ الاعتدال وكان لغرض رفع السأم والتعب والحزن عنهم مع رعاية الجهات الشرعية فإنّه يقع مطلوباً ومورد رضا اللَّه تعالى.
ولكن إذا كان المزاح لغرض الانتقام والسخرية بالطرف الآخر وبدافع الحقد والكراهية وخاصة إذا كان بلباس الجدّية فإنّه لا يحقق الامور المذكورة فحسب، بل إنّ البعض قد يهدف إلى أغراض شيطانية من خلال المزاح فلا شك في أنّه يقع مبغوضاً ومنفوراً وأحياناً
[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 665، ح 16.
[2]. المصدر السابق، ص 664، ح 9.
[3]. المصدر السابق، ص 664، 12.
[4]. المصدر السابق، ص 665، ح 18.
يكون أشدّ من السب والشتم.
وكذلك إذا استخدمت في المزاح كلمات واهنة ومبتذلة فلا شك أنّها تتسبب في هتك حرمة الإنسان وإزهاق شخصيته.
وهكذا إذا كان المزاح أمام أشخاص ليست لهم قابلية على تقبّله أو لا يحفظون حريم شخصيّة الإنسان ممّا يؤدّي إلى جرأتهم وتطاولهم على الكبير فيقولون من موقع المزاح ما يوهن شخصيته ويطعن في احترامه.
ومثل هذه الانحاء من المزاح ليست فقط غير مطلوبة بل أحياناً تقع في دائرة الذنوب الكبيرة أيضاً.
فعلى السالكين طريق الحق والذين يتحرّكون في تهذيب النفس وتزكيتها يجب عليهم الانتباه فلا يشطبون على المزاح تماماً ويحذفونه من حياتهم ويتحوّلوا إلى أشخاص جامدين ويعيشون الجفاف الروحي والعواطف البشرية واللطافة والمحبّة مع الآخرين، ولا يتورّطون مقابل ذلك في الذنوب أو الأعمال المنافية للمروءة عند ممارسة المزاح، فكثيراً ما رأينا بعض الأشخاص المتدينين حسب الظاهر عندما يتحدّثون في مجالسهم ويتمازحون مع الآخرين يطلقون ألسنتهم بالحكايات المبتذلة التي يشمّ منها رائحة الغيبة أحياناً أو التهمة أو إشاعة الفحشاء أو يتسبب كلامهم في إهانة بعض المسلمين وجرح كرامتهم.
وحتى لو كان المزاح يخلو من أي مطلب منافي للشرع، فإنّ الإكثار منه يسّبب آثار سلبية وكما يقول بعض العلماء(المَزاحُ فِي الكلامِ كَالمِلحِ فِي الطَّعامِ)، فلو كان أكثر من اللازم أو أقل منه لما كان الطعام سائغاً وطيّباً.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ من يكثر من المزاح فانّ كلامه الجدّي سوف يكون بدون قيمة، ولا يقبل الناس كلامه الجدّي كما يرام، وهذا المضمون ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين قال:«مَن كَثُرَ هَزَلُهُ بَطَلَ جِدُّهُ»[1].
[1]. غرر الحكم.
والملاحظة الجديرة بالذكر أنّ المزاح أحياناً يهدف إلى أغراض معقولة ومهمّة، فلو كانت هذه الأهداف الجديّة تدخل في المسائل التربوية والبنّاءة لكان مفيداً جدّاً، مثلًا أن يسعى الشخص لافهام الطرف الآخر من خلال المزاح أن يواظب على المسائل الدينية والقيم الأخلاقية، فمثل هذا العمل مفيد جدّاً، ولكن لو كان الهدف الجدّي المتضمّن للمزاح يؤدّي إلى مفسدة أو كان لغرض الانتقام وتخريب شخصية الآخرين، فإنّ ذلك المزاح يكون مبغوضاً ومذموماً جدّاً وذلك بأن يقوم الإنسان بهتك حرمة الأشخاص في لباس المزاح ويهدم شخصيّتهم ويعمل على تسقيطهم بهذه الوسيلة.
6- الأمانة والخيانة
تنويه:
(الأمانة)من أهمّ الفضائل الأخلاقية والقيم الإسلامية والإنسانية والتي وردت كثيراً في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وقد أولاها علماء الأخلاق والسالكون إلى اللَّه تعالى أهميّة كبيرة على مستوى بناء الذات والشخصية، وعلى العكس من ذلك (الخيانة) التي تعدّ من الذنوب الكبيرة والرذائل الأخلاقية في واقع الإنسان وسلوكه الإجتماعي.
الأمانة هي في الحقيقة رأس مال المجتمع الإنساني والسبب في شدّ أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين الناس في نظامهم الاجتماعي وحياتهم الدنيوية والاخروية في حين أنّ الخيانة بمثابة النار المحرقة التي تحرق جميع العلاقات الاجتماعية وتؤدّي إلى الفوضى والفقر والشقاء وبالتالي تخريب الاطر الإنسانية والحضارية في المجتمعات البشرية.
الأمانة من الصفات التي تربط الإنسان من جهة مع اللَّه تعالى وكذلك تربطه مع غيره من أفراد البشر، ومن جهة ثالثة ترسم علاقته مع نفسه أيضاً ومع الطبيعة والبيئة كذلك وقد اعتبرت الكتب السماوية والشرائع الإلهية أنّها أمانة بيد البشر.
إنّ جميع النعم المادية والمواهب المعنوية الإلهية على الإنسان في بدنه ونفسه هي في الحقيقة أمانات بيد الإنسان.