بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 145

6- الأمانة والخيانة

تنويه:

(الأمانة)من أهمّ الفضائل الأخلاقية والقيم الإسلامية والإنسانية والتي وردت كثيراً في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وقد أولاها علماء الأخلاق والسالكون إلى اللَّه تعالى أهميّة كبيرة على مستوى بناء الذات والشخصية، وعلى العكس من ذلك (الخيانة) التي تعدّ من الذنوب الكبيرة والرذائل الأخلاقية في واقع الإنسان وسلوكه الإجتماعي.

الأمانة هي في الحقيقة رأس مال المجتمع الإنساني والسبب في شدّ أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين الناس في نظامهم الاجتماعي وحياتهم الدنيوية والاخروية في حين أنّ الخيانة بمثابة النار المحرقة التي تحرق جميع العلاقات الاجتماعية وتؤدّي إلى الفوضى والفقر والشقاء وبالتالي تخريب الاطر الإنسانية والحضارية في المجتمعات البشرية.

الأمانة من الصفات التي تربط الإنسان من جهة مع اللَّه تعالى وكذلك تربطه مع غيره من أفراد البشر، ومن جهة ثالثة ترسم علاقته مع نفسه أيضاً ومع الطبيعة والبيئة كذلك وقد اعتبرت الكتب السماوية والشرائع الإلهية أنّها أمانة بيد البشر.

إنّ جميع النعم المادية والمواهب المعنوية الإلهية على الإنسان في بدنه ونفسه هي في الحقيقة أمانات بيد الإنسان.


صفحه 146

وهكذا الأموال والثروات المادية والمقامات والمناصب الاجتماعية والسياسية هي أمانات بيد الناس ويجب عليهم مراعاتها من موقع الحفظ وأداء المسؤولية.

الأولاد أمانة أيضاً بيد الوالدين، والطلاب أمانة بيد المعلمين، الماء والتراب والهواء وجميع ما خلقه اللَّه تعالى من الكائنات الطبيعية لتيسير حياة الإنسان في حياته الدنيا كل ذلك يعتبر أمانة غالية بيد الإنسان والتي يعدّ التفريط فيها وعدم أداء حقّها خيانة بالنسبة إلى هذه المواهب ومن الذنوب الكبيرة.

ونظراً إلى سعة مفهوم الأمانة والخيانة وإستيعابها لأبعاد مختلفة وواسعة من حياة الإنسان ندرك جيداً أهميّة هذه الفضيلة الأخلاقية.

بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الحكيمة ما يلقي الضوء على صفة الأمانة والخيانة في حركة الإنسان والمجتمع.

إنّ «الأمانة» وردت في القرآن الكريم مرّات متعددة بصورة مفردة أحياناً وبصورة جمع أحياناً اخرى.

وقد وردت بالنسبة إلى ستة من الأنبياء الكبار بعبارة: «إِنّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ» عن النبي نوح عليه السلام في سورة (الشعراء، 107) والنبي هود عليه السلام (الشعراء، 125) والنبي صالح عليه السلام (الشعراء، 143) والنبي لوط عليه السلام (الشعراء، 162) والنبي شعيب (الشعراء، 178) والنبي موسى (الدخان، 18) وهذا يدلّ دلالة واضحة على أهميّة هذه الفضيلة الأخلاقية إلى جانب مهمّة إبلاغ الرسالة الإلهية، وبدون ذلك لا يمكن لهؤلاء الأنبياء من كسب ثقة الناس واعتمادهم على أقوالهم.

ومضافاً إلى ذلك فهناك آيات متعددة في سور مختلفة تتحدّث عن أهميّة الأمانة ولزوم رعايتها في سلوك الإنسان الفردي والاجتماعي حيث نستعرض الآن هذه الآيات ونفسّرها:

1-«وَالَّذِينَ هُمْ لِامَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ»[1].

[1]. سورة المؤمنون، الآية 8؛ سورةالمعارج، الآية 32.


صفحه 147

1-«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً»[1].

3-«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»[2].

4-«فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ»[3].

5-«إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا»[4]

تفسير وإستنتاج:

«الآية الاولى»تتحرّك من خلال بيان أوصاف المؤمنين الحقيقيين وضمن تبشيرهم بالفلاح والنجاة في الآخرة، وبعد بيان أهميّة الصلاة والأبتعاد عن اللغو والكلام لفارغ وأداء الزكاة واجتناب أي لون من ألوان الانحراف الجنسي يشير القرآن الكريم في الآية الخامسة والسادسة إلى مسألة حفظ الأمانة والالتزام بالعهد ويقول: «وَالَّذِينَ هُمْ لِامَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ».

ونفس هذا التعبير ورد في سورة المعارج الآية 32 ضمن بيان أوصاف الإنسان الجميلة والفضائل الأخلاقية ومنها الأمانة والوفاء بالعهد.

والملفت للنظر أنّ (الأمانات) الواردة في هذه الآية ذكرت بصورة الجمع وهي إشارة إلى أنّ الأمانة لها أنواع وأشكال مختلفة والكثير من المفسّرين ذكروا أنّ مفهوم الأمانة في هذه الآية لا يقتصر على الأمانة المالية بل يشمل الأمانات المعنوية كالقرآن الكريم والدين الإلهي والعبادات والوظائف الشرعية وكذلك النعم الإلهية المختلفة على الإنسان في حركة الحياة المادية والمعنوية.

[1]. سورة النساء، الآية 58.

[2]. سورة الانفال، الآية 27.

[3]. سورة البقرة، الآية 283.

[4]. سورة الأحزاب، الآية 72.


صفحه 148

ومن هنا يتّضح أنّ المؤمن الواقعي والإنسان الذي يتمتع باللّياقة الكاملة هو الذي يتحرّك في سلوكه من موقع مراعاة الأمانة بصورها المختلفة ويهتم بالحفاظ عليها من موقع المسؤولية وأداء الوظيفة.

أمّا عطف الوفاء بالعهد على حفظ الأمانة فيبيّن هذه الحقيقة، وهي أنّ هذين المفهومين يعودان إلى جذر واحد ويشتركان في الأصل، لأنّ نقض العهد يعتبر نوع من الخيانة في العهد والميثاق، ورعاية الأمانة نوع من الوفاء بالعهد والميثاق أيضاً.

وتعبير (راعون) مأخوذ من مادة (رعاية) وهي من مادة (رعى) التي يراد بها رعي الأغنام ومراقبتها في عملية سوقها إلى حيث الماء والكلاء في الصحراء، وهذا إنّما يدلّ على أنّ المقصود من هذه العبارة في الآية الكريمة هو أكثر من أداء الأمانة في مفهومها الظاهري، أي النظر والمحافظة والمراقبة للشي‌ء من جميع الجوانب.

وبديهي أنّ الأمانة تارة تكون ذات بعد فردي وتسلّم بيد شخص معين (كالأمانات المالية التي يودعها الإنسان لدى الآخرين) وتارة اخرى لها بعد جماعي مثل حفظ القرآن الكريم من التحريف والدفاع عن الإسلام والمحافظة على كيان الدول الإسلامية، فهي كلّها أمانات وضعت بيد المسلمين وعليهم أن يتحرّكوا بصورة جماعية ويتكاتفوا فيما بينهم من أجل حفظ وصيانة هذه الأمانات الإلهية.

وتتحرك‌«الآية الثانية»لتثبيت أمرين إلهيين:

الأول:يتحدّث عن أداء الأمانة.

الثاني:يتحدّث عن الحكم بالعدل فتقول الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً».

ومع أنّ مسألة الحكومة العادلة أو التحكيم الصحيح والسليم بين الناس له مكانة سامية في نظر القرآن الكريم، ولكن في نفس الوقت ورد الأمر بأداء الأمانة قبله وهذا يبيّن الأهميّة


صفحه 149

العظيمة للأمانة وأنّ لها مفهوم عام يستوعب في مضمونه التحكيم بين الناس من موقع العدل وأنّه أحد مصاديق أداء الأمانة، لأنّ الأمانة بمفهومها العام تشمل جميع المقامات والمناصب الاجتماعية التي تعتبر أمانات إلهية، وكذلك أمانات بشرية من قبل الناس بيد أصحاب المناصب هذه.

والتأكيدات الواردة في ذيل الآية الشريفة تقرّر من جهة أنّ الأمر بالأمانة والعدالة ما هي إلّا موعظة إلهية حسنة للناس، ومن جهة اخرى تحذّر الجميع بأنّ اللَّه تعالى يراقب أعمالكم وسلوكياتكم، وهذا يعطي أهميّة مضاعفة على هذين المفهومين وهما رعاية الأمانة والعدالة.

ونقرأ في التفسير الكبير للفخر الرازي أنّ الأمانة لها ثلاث موارد وفروع:

الأمانة الإلهية، وأمانة الناس، وأمانة النفس، ثم يتطرّق الفخر الرازي إلى شرح كل واحدة من هذه الفروع والأغصان للأمانة بالتفصيل ومن جملتها أداء الواجبات وترك المحرمات حيث يعتبرها من موارد الأمانات الإلهية، ويقسّمها إلى تقسيمات عديدة، منها أمانة اللسان، أمانة العين والاذن (أي أنّ الإنسان يجب أن لا يتحرّك بالمعصية، والعين لا تنظر بنظر الخيانة، والاذن لا تسمع الكلام المحرّم).

أمّا الأمانات البشرية فهي من قبيل الودائع التي يضعها بعض الناس لدى البعض الآخر وكذلك ترك التطفيف في الميزان وترك الغيبة ورعاية العدالة من جهة الحكّام والامراء وعدم تحريك العوام من موقع التعصّب للباطل وأمثال ذلك، أمّا أمانة الإنسان بالنسبة إلى نفسه فيرى الفخر الرازي أنّ على الإنسان أن يختار لها خير الدين والدنيا ولا يستسلم لدوافع الشهوة والغضب وما يترتب عليهما من ذنوب وآثام.[1]

إنّ سعة مفهوم الأمانة وشمولها لكثير من الوظائف المهمّة والنعم الكثيرة قد ورد في الكثير من التفاسير المهمّة، منها تفسير (أبو الفتوح الرازي) و (القرطبي) وتفسير (في ظلال القرآن) وتفسير (مجمع البيان) وغيرها من التفاسير الاخرى.

[1]. تفسير فخر الرازي، ج 10، ص 139 ذيل الآية المبحوثة.


صفحه 150

وقد ورد التصريح بهذا المعنى أيضاً في الروايات الإسلامية التي سوف نشير إليها لاحقاً.

أمّا ما ورد في شأن نزول هذه الآية فأنّه يشير بوضوح إلى سعة مفهوم الأمانة أيضاً، لأنّ سبب نزول هذه الآية كما ورد في الروايات هو أنّ النبي صلى الله عليه و آله عندما دخل مكّة منتصراً جاءه (عثمان بن طلحة) خازن الكعبة بأمر من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسلّم إليه مفاتيح الكعبة ليطهرها من الأصنام الموجودة في داخلها، وبعد أن تمّ تطهير الكعبة من الأوثان جاء العباس عمّ النبي صلى الله عليه و آله وطلب من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن يكون خازن بيت اللَّه وأن يسلّمه مفاتيح الكعبة والذي يعتبر منصباً مهمّاً لدى المجتمع العربي والإسلامي آنذاك، ولكن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يوافق على هذا الطلب وأعاد المفتاح إلى (عثمان بن طلحة) ثم تلى هذه الآية الشريفة ( «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...» هذا في حين أنّ عثمان بن طلحة لم يعتنق الإسلام بعد.

«الآية الثالثة»تتحرّك من موقع النهي عن ثلاثة أشياء مخاطبة المؤمنين في هذا النهي وهي: خيانة اللَّه، خيانة الرسول، خيانة أمانات الناس، وتقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ‌[1]وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».

والمشهور بين المفسرين أنّ المقصود بحفظ أمانة اللَّه ورسوله والنهي عن خيانتهما هو عدم إفشاء أسرار المسلمين حيث قام بعض الأفراد من ضعفاء الإيمان إلى إفشاء أسرار المسلمين إلى المشركين بهدف حفظ منافعهم الشخصية ولكنّ اللَّه تعالى أعلم بيّنة ذلك، وكنموذج على هذا المضمون هو قصة (أبو لبابة) الذي أخبر عن بعض الأسرار العسكرية للمسلمين وكشفها لأعدائهم من اليهود من (بني قريظة)، أو قصة حركة النبي لفتح مكّة وإفشاء هذا السر لأبي سفيان، والمراد من الخيانة في أماناتكم الوارد في الآية الشريفة هو

[1]. وردت احتمالات عديدة حول اعراب جملة «وتخونوا أماناتكم» والأنسب ما قيل في هذا المورد أن تخونوا مجزوم ب «لاء» محذوفة ومعطوف على لا تخونوا التي وردت في الجملة، فعليه أنّ الواو، واو عاطفة لا واو حالية بمعنى «مع».


صفحه 151

الأمانات المتداولة بين الناس.

ويرى بعض آخر من المفسّرين أنّ المراد من خيانة اللَّه هي ما يتعلق بالوظائف والواجبات الدينية والشرعية، أمّا الخيانة للنبي فهي ما يتعلق بالسنن والسلوكيات الأخلاقية، وأمّا خيانة أمانات الناس فهي ما يتعلّق بأموالهم المودعة لدى الآخرين.

وهناك احتمال آخر أيضاً أفضل وأشمل من الاحتمالات السابقة، وهو أنّ مفهوم الآية عام وشامل لجميع مصاديق ومفردات الأمانات المعنوية والمادية والمالية وغير المالية، وعلى هذا الأساس فالخيانة محرّمة لجميع أشكال الأمانة: الإلهية منها وأمانة النبي وهو الدين الذي أودعه النبي لدى امته، وكذلك أمانات الناس بيد بعضهم للبعض الآخر سواءً كانت متعلّقة بالامور المالية أو بأسرار المعيشة والحياة الشخصية لدى الأشخاص، ولذلك ورد في الحديث النبوي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال لأبي ذر رضى الله عنه:«يا أبا ذر المَجالِس بِالأمانَةِ وإفشاءِ سرّ أَخِيكَ خِيانَة»[1].

وتوضح الآية 28 من سورة الأنفال هذه اللاحقة لهذه الآية أنّ الخيانة محرّمة حتى لو عرّضت أموال الإنسان ومنافع أولاده إلى الخطر (كما قرأنا في قصة أبي لبابة وأنّ وجود أمواله وأولاده لدى اليهود هو السبب في إفشاءه أسرار المسلمين العسكرية للعدو) فتقول الآية «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» وعلى هذا فالأمانات الإلهية والبشرية ليست شيئاً يمكن التضحية والتساهل معه وخيانة هذه الأمانات بأعذار وتبريرات مختلفة.

«الآية الرابعة»تتعرض للأمانات والودائع المالية لدى الناس وتتحدّث في سياقها عن لزوم تنظيم الوثائق والمستندات بالنسبة إلى هذه الودائع وتقول: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ».

أي يمكنه ذلك بدون كتابة السند أو أخذ الرهن، وفي هذه السورة على الأمين حفظ

[1]. بحار الانوار، ج 74، ص 89.


صفحه 152

الأمانة وردّها إلى صاحبها بالموقع المناسب وعليه أن يخاف اللَّه فيما لو تحدّثت له نفسه بالخيانة.

أنّ تعبير الأمانة في الآية أعلاه يمكن أن يكون إشارة إلى القروض المالية التي يقرضها المسلم لأخيه المسلم من دون كتابة وثيقة أو تأمين وديعة ورهن وذلك بسبب الثقة المتبادلة بين الأفراد، أو أنّها إشارة الى الأموال التي توضع لدى الشخص بعنوان الرهن، أو كليهما، وعلى كل حال فانّ الآية فيها دلالة واضحة على لزوم احترام الأمانة وأدائها في أيّة حالة.

أمّا«الآية الخامسة»والأخيرة من الآيات مورد البحث فتتحدّث أيضاً عن الأمانة الإلهية العظيمة التي عجزت السماوات والأرض والجبال عن حملها وحفظها ولكن الإنسان حملها لوحده وتقول: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا».

فما هي هذه الأمانة العظيمة التي خشيت السماوات مع عظمتها والأرض مع سعتها والجبال مع صلابتها أن يحملنها في حين أنّ الإنسان الضعيف والصغير جدّاً قد حملها؟

ولقد أورد المفسّرون من القدماء والمعاصرين احتمالات كثيرة في تفسير هذه الآية، ولكنّ ما يقرب للنظر هو أنّ المقصود من الأمانة الإلهية الكبيرة هذه هو المسؤولية والتكليف الملقى على عاتق الإنسان حيث لا يتيسّر ذلك إلّابوجود العقل والحرية والإرادة.

أجل فإنّ التكليف والمسؤولية أمام اللَّه تعالى والناس والنفس هي وظيفة ثقيلة لا يكاد يتحملها ولا يليق بحملها أي موجود آخرسوى الإنسان، وبتبع ذلك فقد جعل اللَّه تعالى العقل والحرية والإرادة في عملية الانتخاب هي الثواب والعقاب، ومجموع هذه الصفات الثلاث تبيّن عظمة الإنسان بين المخلوقات بحيث إختاره الله لمقام الخلافة الإلهية وميزه على سائر المخلوقات الاخرى في عالم الوجود.

ولكن هذا الإنسان الظلوم والجهول لم يقدّر هذا المقام الرفيع وتورّط في منزلقات‌