بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 150

وقد ورد التصريح بهذا المعنى أيضاً في الروايات الإسلامية التي سوف نشير إليها لاحقاً.

أمّا ما ورد في شأن نزول هذه الآية فأنّه يشير بوضوح إلى سعة مفهوم الأمانة أيضاً، لأنّ سبب نزول هذه الآية كما ورد في الروايات هو أنّ النبي صلى الله عليه و آله عندما دخل مكّة منتصراً جاءه (عثمان بن طلحة) خازن الكعبة بأمر من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسلّم إليه مفاتيح الكعبة ليطهرها من الأصنام الموجودة في داخلها، وبعد أن تمّ تطهير الكعبة من الأوثان جاء العباس عمّ النبي صلى الله عليه و آله وطلب من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن يكون خازن بيت اللَّه وأن يسلّمه مفاتيح الكعبة والذي يعتبر منصباً مهمّاً لدى المجتمع العربي والإسلامي آنذاك، ولكن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يوافق على هذا الطلب وأعاد المفتاح إلى (عثمان بن طلحة) ثم تلى هذه الآية الشريفة ( «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...» هذا في حين أنّ عثمان بن طلحة لم يعتنق الإسلام بعد.

«الآية الثالثة»تتحرّك من موقع النهي عن ثلاثة أشياء مخاطبة المؤمنين في هذا النهي وهي: خيانة اللَّه، خيانة الرسول، خيانة أمانات الناس، وتقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ‌[1]وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».

والمشهور بين المفسرين أنّ المقصود بحفظ أمانة اللَّه ورسوله والنهي عن خيانتهما هو عدم إفشاء أسرار المسلمين حيث قام بعض الأفراد من ضعفاء الإيمان إلى إفشاء أسرار المسلمين إلى المشركين بهدف حفظ منافعهم الشخصية ولكنّ اللَّه تعالى أعلم بيّنة ذلك، وكنموذج على هذا المضمون هو قصة (أبو لبابة) الذي أخبر عن بعض الأسرار العسكرية للمسلمين وكشفها لأعدائهم من اليهود من (بني قريظة)، أو قصة حركة النبي لفتح مكّة وإفشاء هذا السر لأبي سفيان، والمراد من الخيانة في أماناتكم الوارد في الآية الشريفة هو

[1]. وردت احتمالات عديدة حول اعراب جملة «وتخونوا أماناتكم» والأنسب ما قيل في هذا المورد أن تخونوا مجزوم ب «لاء» محذوفة ومعطوف على لا تخونوا التي وردت في الجملة، فعليه أنّ الواو، واو عاطفة لا واو حالية بمعنى «مع».


صفحه 151

الأمانات المتداولة بين الناس.

ويرى بعض آخر من المفسّرين أنّ المراد من خيانة اللَّه هي ما يتعلق بالوظائف والواجبات الدينية والشرعية، أمّا الخيانة للنبي فهي ما يتعلق بالسنن والسلوكيات الأخلاقية، وأمّا خيانة أمانات الناس فهي ما يتعلّق بأموالهم المودعة لدى الآخرين.

وهناك احتمال آخر أيضاً أفضل وأشمل من الاحتمالات السابقة، وهو أنّ مفهوم الآية عام وشامل لجميع مصاديق ومفردات الأمانات المعنوية والمادية والمالية وغير المالية، وعلى هذا الأساس فالخيانة محرّمة لجميع أشكال الأمانة: الإلهية منها وأمانة النبي وهو الدين الذي أودعه النبي لدى امته، وكذلك أمانات الناس بيد بعضهم للبعض الآخر سواءً كانت متعلّقة بالامور المالية أو بأسرار المعيشة والحياة الشخصية لدى الأشخاص، ولذلك ورد في الحديث النبوي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال لأبي ذر رضى الله عنه:«يا أبا ذر المَجالِس بِالأمانَةِ وإفشاءِ سرّ أَخِيكَ خِيانَة»[1].

وتوضح الآية 28 من سورة الأنفال هذه اللاحقة لهذه الآية أنّ الخيانة محرّمة حتى لو عرّضت أموال الإنسان ومنافع أولاده إلى الخطر (كما قرأنا في قصة أبي لبابة وأنّ وجود أمواله وأولاده لدى اليهود هو السبب في إفشاءه أسرار المسلمين العسكرية للعدو) فتقول الآية «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» وعلى هذا فالأمانات الإلهية والبشرية ليست شيئاً يمكن التضحية والتساهل معه وخيانة هذه الأمانات بأعذار وتبريرات مختلفة.

«الآية الرابعة»تتعرض للأمانات والودائع المالية لدى الناس وتتحدّث في سياقها عن لزوم تنظيم الوثائق والمستندات بالنسبة إلى هذه الودائع وتقول: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ».

أي يمكنه ذلك بدون كتابة السند أو أخذ الرهن، وفي هذه السورة على الأمين حفظ

[1]. بحار الانوار، ج 74، ص 89.


صفحه 152

الأمانة وردّها إلى صاحبها بالموقع المناسب وعليه أن يخاف اللَّه فيما لو تحدّثت له نفسه بالخيانة.

أنّ تعبير الأمانة في الآية أعلاه يمكن أن يكون إشارة إلى القروض المالية التي يقرضها المسلم لأخيه المسلم من دون كتابة وثيقة أو تأمين وديعة ورهن وذلك بسبب الثقة المتبادلة بين الأفراد، أو أنّها إشارة الى الأموال التي توضع لدى الشخص بعنوان الرهن، أو كليهما، وعلى كل حال فانّ الآية فيها دلالة واضحة على لزوم احترام الأمانة وأدائها في أيّة حالة.

أمّا«الآية الخامسة»والأخيرة من الآيات مورد البحث فتتحدّث أيضاً عن الأمانة الإلهية العظيمة التي عجزت السماوات والأرض والجبال عن حملها وحفظها ولكن الإنسان حملها لوحده وتقول: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا».

فما هي هذه الأمانة العظيمة التي خشيت السماوات مع عظمتها والأرض مع سعتها والجبال مع صلابتها أن يحملنها في حين أنّ الإنسان الضعيف والصغير جدّاً قد حملها؟

ولقد أورد المفسّرون من القدماء والمعاصرين احتمالات كثيرة في تفسير هذه الآية، ولكنّ ما يقرب للنظر هو أنّ المقصود من الأمانة الإلهية الكبيرة هذه هو المسؤولية والتكليف الملقى على عاتق الإنسان حيث لا يتيسّر ذلك إلّابوجود العقل والحرية والإرادة.

أجل فإنّ التكليف والمسؤولية أمام اللَّه تعالى والناس والنفس هي وظيفة ثقيلة لا يكاد يتحملها ولا يليق بحملها أي موجود آخرسوى الإنسان، وبتبع ذلك فقد جعل اللَّه تعالى العقل والحرية والإرادة في عملية الانتخاب هي الثواب والعقاب، ومجموع هذه الصفات الثلاث تبيّن عظمة الإنسان بين المخلوقات بحيث إختاره الله لمقام الخلافة الإلهية وميزه على سائر المخلوقات الاخرى في عالم الوجود.

ولكن هذا الإنسان الظلوم والجهول لم يقدّر هذا المقام الرفيع وتورّط في منزلقات‌


صفحه 153

الشهوة والأهواء الرخيصة وبذلك ظلم نفسه وحرمها من نيل السعادة العظيمة التي تنتظره في حركته التكاملية نحو الحق والانفتاح على اللَّه.

وعلى هذا الأساس فكون الإنسان ظلوماً وجهولًا إنّما هو لم يكن بسبب قبول هذه الأمانة الإلهية، لأنّ قبولها علامة العقل وسبب الافتخار، ومن دون ذلك لا يصل إلى مقام الخلافة الإلهية، بل كونه ظلوماً وجهولًا بسبب عدم حفظ هذه الأمانة وسلوكه طريق الخيانة في أداء هذه المسوؤلية الكبيرة.

أجل فإنّ الأمانة التي من شأنها أن توصله إلى ذروة السعادة الحقيقية في حال حفظها، فإنّ خيانتها يتسبب كذلك في سقوط هذا الإنسان في مستنقع الذلّة والمسكنة والشقاء حتى أنّه يكون مصداق‌(بَل هُم أَضَلُ مِنَ الأنعامِ والدّوابِ).

وبعبارة اخرى: أنّ السموات والأرض والجبال مع عظمتها وسعتها ليست لها القابلية على قبول هذه الأمانة الإلهية، وأعلنت عدم صلاحيتها لذلك بحالتها التكوينية وبلسان حالها، ولكن الإنسان وبسبب وجود هذه القابلية والقوى الكريمة التي منحه اللَّه تعالى إيّاها أصبح لائقاً تكوينياً لقبول هذه المنحة والأمانة الإلهية، وهذا بحدّ ذاته إفتخار عظيم للإنسان من بين المخلوقات.

ولكن بما أنّ أكثر الناس لم يراعوا حق هذه الأمانة الإلهية ولم يتحرّكوا في سبيل حفظها وأدائها فلذلك إستحقوا عنوان الظلوم والجهول، لأنّهم ظلموا أنفسهم أشدّ الظلم بحرمانها من نيل هذا الإفتخار العظيم الذي منحه اللَّه تعالى للإنسان وعاشوا الغفلة عن هذه الموهبة الإلهية العظيمة وتركوها وراء ظهورهم.

وفي ذيل هذه الآية نجد إشارة إلى هذه النقطة المهمّة، وهي أنّ الخيانة في الأمانة إنّما تنشأ من الظلم والجهل، وهذا هو ما نسعى لتحقيقه وتقريره في هذا البحث الأخلاقي، أجل فانّ حفظ الأمانة يدل على العقل والعدالة، بينما الخيانة هي دليل على الظلم والجهالة.

وممّا تقدّم آنفاً يتّضح جيداً أنّ المراد من كون الإنسان ظلوماً وجهولًا هم الأشخاص الذين يعيشون حالة الكفر أو الذين يعيشون ضعف الإيمان والتقوى، وإلّا فإنّ أولياء اللَّه‌


صفحه 154

تعالى والصالحين من العباد الذين يتحرّكون في سلوكهم الأخلاقي والاجتماعي تبعاً للأنبياء والأولياء فإنّهم يراعون حق هذه الأمانة ويسعون لأدائها والقيام بهذه المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم، وفي الحقيقة إنّ هؤلاء يمثّلون الهدف الأسمى من وجود عالم الخليقة ووجود الإنسان.

ومن مجموع ما ورد من الآيات أعلاه يتّضح جيداً أهميّة حفظ الأمانة (سواءً الأمانات الإلهيّة أو الإنسانية) وجعله من علامات العقل والإيمان والعدالة.

الأمانة والخيانة في الروايات الإسلامية:

أمّا ما ورد من الأحاديث الشريفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام فإنّه يحكي عن الأهميّة البالغة لهذه المسألة حيث وردت الأمانة تارة بعنوان أنّها من الاصول والمبادي‌ء الأساسية المشتركة بين جميع الأديان السماوية، وتارة اخرى بعنوان أنّها علامة للإيمان، وثالثة بعنوان أنّها سبب نيل الرزق والثروة والثقة والاعتماد لدى الناس وسلامة الدين والدنيا والغنى وعدم الفقر وأمثال ذلك، وفيما يلي نختار من هذه الروايات الشريفة ما يتضمّن هذه المعاني والمفاهيم العميقة:

1- ورد في حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال للإمام علي عليه السلام:«يا أبا الحَسَنِ أَدِّ الأَمانَةَ للِبِرِّ والفاجِرِ فِي ما قَلَّ وَجَلَّ حتّى‌ فِي الخَيطِ وَالمَخِيطِ»[1].

ويقول الإمام علي عليه السلام أنّ النبي قال لي ذلك في الساعة الأخيرة من حياته وكررها عليّ ثلاث مرّات.

2- وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«لا إِيمانَ لِمَنْ لاأَمانَةَ لَهُ»[2].

3- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق أنّه قال:«إنّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ لَم يَبعَثً نَبِيّاً إلّابِصِدقِ‌

[1]. بحار الانوار، ج 74، ص 273.

[2]. المصدر السابق، ج 69، ص 198.


صفحه 155

الحِدِيثِ وَأَداءِ الأَمانَةِ إِلىَ البِرِّ وَالفاجِرِ»[1].

وهذا التعبير يوضّح أنّ جميع الأديان السماوية قد جعلت الصدق والأمانة جزءً مهمّاً من تعليماتها الدينية والإنسانية ومن الاصول الثابتة في الأديان الإلهية.

4- ورد عن الإمام أيضاً على مستوى إمتحان إيمان الناس أنّه قال:«لا تَنظُروا إلى‌ طُولِ رُكُوعِ الرَّجُلِ وَسُجُودِهِ فَإنَّ ذَلِكَ شَي‌ءٌ إِعتادَهُ فَلَو تَرَكَهُ إِستَوحَشَ لِذلِكَ وَلَكِنْ انظُرُوا الى‌ صِدقِ حَدِيثِهِ وَأَداءِ أَمانِتِهِ»[2].

5- ومثل هذا المعنى ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله تعبير شديد حيث قال:«لا تَنظُروا إلى‌ كَثْرَةِ صَلاتِهِم وَصَومِهِم وَكَثْرَةِ الحَجِّ وَالمَعرُوفِ وَطَنطَنَتِهِم بِالَّليلِ وَلَكِنْ انظُرُوا إِلى‌ صِدقِ الحَدِيثِ وَأَداءِ الأَمانَةِ»[3].

والهدف من هذا التعبير ليس هو أنّ هؤلاء لا يهتمّون بصلاتهم وصومهم أو يستخفّون بحجّتهم وإنفاقهم بل الهدف هو أنّ هذه الامور ليست هي العلامة الوحيدة لإيمان الفرد بل هناك ركنان أساسيان لدين الشخص أي الصدق والأمانة.

6- وورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام في هذا المجال تعبير عجيب حيث يقول لشيعته:

«عَلَيكُم بِأَداءِ الأَمانَةِ فَوالَّذي بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله بِالحَقِّ نَبِيَّاً لَو أَنَّ قاتِلَ أَبِي الحُسَينِ ابنِ عَلَيٌّ عليه السلام ائتَمَننِي عَلَى السَّيفِ الَّذِي قَتَلَهِ بِهِ لَأَدَّيتُهُ إِلَيهِ»[4].

7- ومثل هذا المعنى ولكن بتعبير آخر ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً:«إَنَّ ضارِبَ عَلِيٌّ بِالسَّيفِ وَقاتِلَهُ إِذا إِئتَمَننِي وَاستَنصَحَنِي وَاستِشارَنِي ثُمَّ قَبِلتُ ذَلِكَ مِنهُ لأَدَّيتُ إِلَيهِ الأمانَةَ»[5].

8- وفي حديث آخر عن الإمام أيضاً يستفاد أنّ الوصول إلى المقامات السامية حتّى‌

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 104.

[2]. المصدر السابق، ص 105، ح 13.

[3]. بحار الانوار، ج 72، ص 114، ح 5.

[4]. المصدر السابق، ح 3.

[5]. مجموعة ورام، ج 1، ص 20.


صفحه 156

للأئمّة المعصومين عليهم السلام مثل الإمام علي عليه السلام يتم عِبر صدق الحديث وأداء الأمانة، حيث يقول الإمام الصادق لأحد أصحابه ويدعى (عبد اللَّه بن أبي يعفور):«انظُر ما بَلَغَ بِهِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله فَأَلزَمَهُ»ثم قال:«فَإنَّ عَلِيّاً عليه السلام إِنّما بَلَغَ ما بَلَغَ عِندَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه و آله بِصدقِ الحَدِيثِ وَأداءِ الأمانَةِ»[1].

9- ونقرأ في حديث آخر بالنسبة إلى الآثار والنتائج الدنيوية المهمّة للأمانة والخيانة فقد ورد عن علي عليه السلام أنّه قال:«الأمانَهُ تَجُرُّ الرِّزقَ وَالخِيانَةُ تَجُرُّ الفَقرَ»[2].

10- وفي حديث مختصر وعظيم المعنى عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال:«رَأَسُ الإسلامُ الأَمانَةُ»[3]

11- وورد شبيه لهذا الحديث مع اختلاف يسير عن لقمان الحكيم حيث أنّه قال:«يا بُنَيَّ أَدِّ الأَمانَةَ تَسلُمُ لَكَ الدُّنيا وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً»[4].

12- ونختم هذا البحث بحديث شريف آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«لا تَزَالُ امَتِي بِخَيرٍ ما تَحابُوا وَتَهادُّوا وَأَدُّوا الأَمانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ فَاذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ إبتَلَوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ»[5].

هذه الروايات ما هي إلّاموارد مختارة من المصادر الإسلامية الواردة في باب الأمانة وتوضّح جيداً أن هذا المفهوم الأخلاقي على درجة عالية من الأهمية من بين التعليمات الإسلامية، وكذلك الصفة التي تقع في مقابل الأمانة أي الخيانة ومدى اضرارها بدين الإنسان وشخصيته من موقع تخريب الإيمان وأنّها تورث الشقاء والبعد عن اللَّه تعالى، وكل واحدة من هذه الروايات المذكورة آنفاً تشير إلى أحد الأبعاد والآثار البنّاءة للأمانة أو

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 104، ح 5.

[2]. بحار الانوار، ج 78، ص 60.

[3]. غرر الحكم.

[4]. معاني الأخبار، 259؛ بحار الانوار، ج 72، ص 117.

[5]. بحار الانوار، ج 72، ص 115.


صفحه 157

الأبعاد والنتائج السلبية والمخربّة للخيانة، بحيث إنّ الإنسان عند مطالعتها والتأمل والتدبّر فيها يستوحي الكثير من المفاهيم الإسلامية والقيم الأخلاقية والاجتماعية المهمّة والبنّاءة في حركة الحياة والمجتمع.

فروع الأمانة:

عندما نتحدّث عن الأمانة فإنّ أغلب الناس يتبادر إلى أذهانهم الأمانة في الامور المالية، ولكن كما تقدّم في تفسير الآيات الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام أنّ الأمانة لها مفهوم واسع جدّاً بحيث تستوعب جميع المواهب الإلهيّة والنعم الربانيّة على الإنسان.

هذه النعم والمواهب الإلهيّة المندرجة في مفهوم الأمانة تشتمل على مصاديق لا تعد، فهي ترد بالنسبة إلى القرآن الكريم والإسلام والإيمان والولاية وحتّى إلى أقل النعم والمواهب المادية والمعنوية.

الأحاديث الشريفة التي تؤكد على أنّ الأمانة تورث الغنى، وأنّ الخيانة تورث‌الفقر ناظرة إلى الأمانة المالية والمادية، ولكنّ الآية الشريفة وبعض الروايات التي تشير إلى عرض الأمانة على السموات والأرض لا تقصد الأمانة المادية والمالية قطعاً بل تمتد أبعد من ذلك وتنظر إلى الأمانات المعنوية.

ونقرأ في حديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يحين وقت الصلاة فإنّ حاله يتغيّر وعندما سئل عن ذلك قال:«جاءَ وَقتُ الصَّلاةِ، وَقتُ أَمانَة عَرضَها اللَّهُ عَلَى السَّمواتِ وَالأَرضِ فأَبَينَ أنْ يَحمِلنَها وأَشفَقنَ مِنها»[1].

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَباركَ وَتَعالى‌ خَلَقَ الأَرواحَ قَبَلَ الأَجسادِ بِأَلفَي عامٍ فَجَعَلَ أَعلاها وَأَشرَفَها أَرواحَ مُحَمَّدٍ وَعَليٍّ وَفاطِمَةَ وَالحَسنِ والحُسَينِ وَالأَئِمَةُ بَعدَهُم صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِم فَعَرضَها عَلى السَّمواتِ والأرضِ وَالجِبالِ ...

[1]. نور الثقلين، ج 4، ص 313.