بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 154

تعالى والصالحين من العباد الذين يتحرّكون في سلوكهم الأخلاقي والاجتماعي تبعاً للأنبياء والأولياء فإنّهم يراعون حق هذه الأمانة ويسعون لأدائها والقيام بهذه المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم، وفي الحقيقة إنّ هؤلاء يمثّلون الهدف الأسمى من وجود عالم الخليقة ووجود الإنسان.

ومن مجموع ما ورد من الآيات أعلاه يتّضح جيداً أهميّة حفظ الأمانة (سواءً الأمانات الإلهيّة أو الإنسانية) وجعله من علامات العقل والإيمان والعدالة.

الأمانة والخيانة في الروايات الإسلامية:

أمّا ما ورد من الأحاديث الشريفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام فإنّه يحكي عن الأهميّة البالغة لهذه المسألة حيث وردت الأمانة تارة بعنوان أنّها من الاصول والمبادي‌ء الأساسية المشتركة بين جميع الأديان السماوية، وتارة اخرى بعنوان أنّها علامة للإيمان، وثالثة بعنوان أنّها سبب نيل الرزق والثروة والثقة والاعتماد لدى الناس وسلامة الدين والدنيا والغنى وعدم الفقر وأمثال ذلك، وفيما يلي نختار من هذه الروايات الشريفة ما يتضمّن هذه المعاني والمفاهيم العميقة:

1- ورد في حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال للإمام علي عليه السلام:«يا أبا الحَسَنِ أَدِّ الأَمانَةَ للِبِرِّ والفاجِرِ فِي ما قَلَّ وَجَلَّ حتّى‌ فِي الخَيطِ وَالمَخِيطِ»[1].

ويقول الإمام علي عليه السلام أنّ النبي قال لي ذلك في الساعة الأخيرة من حياته وكررها عليّ ثلاث مرّات.

2- وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«لا إِيمانَ لِمَنْ لاأَمانَةَ لَهُ»[2].

3- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق أنّه قال:«إنّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ لَم يَبعَثً نَبِيّاً إلّابِصِدقِ‌

[1]. بحار الانوار، ج 74، ص 273.

[2]. المصدر السابق، ج 69، ص 198.


صفحه 155

الحِدِيثِ وَأَداءِ الأَمانَةِ إِلىَ البِرِّ وَالفاجِرِ»[1].

وهذا التعبير يوضّح أنّ جميع الأديان السماوية قد جعلت الصدق والأمانة جزءً مهمّاً من تعليماتها الدينية والإنسانية ومن الاصول الثابتة في الأديان الإلهية.

4- ورد عن الإمام أيضاً على مستوى إمتحان إيمان الناس أنّه قال:«لا تَنظُروا إلى‌ طُولِ رُكُوعِ الرَّجُلِ وَسُجُودِهِ فَإنَّ ذَلِكَ شَي‌ءٌ إِعتادَهُ فَلَو تَرَكَهُ إِستَوحَشَ لِذلِكَ وَلَكِنْ انظُرُوا الى‌ صِدقِ حَدِيثِهِ وَأَداءِ أَمانِتِهِ»[2].

5- ومثل هذا المعنى ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله تعبير شديد حيث قال:«لا تَنظُروا إلى‌ كَثْرَةِ صَلاتِهِم وَصَومِهِم وَكَثْرَةِ الحَجِّ وَالمَعرُوفِ وَطَنطَنَتِهِم بِالَّليلِ وَلَكِنْ انظُرُوا إِلى‌ صِدقِ الحَدِيثِ وَأَداءِ الأَمانَةِ»[3].

والهدف من هذا التعبير ليس هو أنّ هؤلاء لا يهتمّون بصلاتهم وصومهم أو يستخفّون بحجّتهم وإنفاقهم بل الهدف هو أنّ هذه الامور ليست هي العلامة الوحيدة لإيمان الفرد بل هناك ركنان أساسيان لدين الشخص أي الصدق والأمانة.

6- وورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام في هذا المجال تعبير عجيب حيث يقول لشيعته:

«عَلَيكُم بِأَداءِ الأَمانَةِ فَوالَّذي بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله بِالحَقِّ نَبِيَّاً لَو أَنَّ قاتِلَ أَبِي الحُسَينِ ابنِ عَلَيٌّ عليه السلام ائتَمَننِي عَلَى السَّيفِ الَّذِي قَتَلَهِ بِهِ لَأَدَّيتُهُ إِلَيهِ»[4].

7- ومثل هذا المعنى ولكن بتعبير آخر ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً:«إَنَّ ضارِبَ عَلِيٌّ بِالسَّيفِ وَقاتِلَهُ إِذا إِئتَمَننِي وَاستَنصَحَنِي وَاستِشارَنِي ثُمَّ قَبِلتُ ذَلِكَ مِنهُ لأَدَّيتُ إِلَيهِ الأمانَةَ»[5].

8- وفي حديث آخر عن الإمام أيضاً يستفاد أنّ الوصول إلى المقامات السامية حتّى‌

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 104.

[2]. المصدر السابق، ص 105، ح 13.

[3]. بحار الانوار، ج 72، ص 114، ح 5.

[4]. المصدر السابق، ح 3.

[5]. مجموعة ورام، ج 1، ص 20.


صفحه 156

للأئمّة المعصومين عليهم السلام مثل الإمام علي عليه السلام يتم عِبر صدق الحديث وأداء الأمانة، حيث يقول الإمام الصادق لأحد أصحابه ويدعى (عبد اللَّه بن أبي يعفور):«انظُر ما بَلَغَ بِهِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله فَأَلزَمَهُ»ثم قال:«فَإنَّ عَلِيّاً عليه السلام إِنّما بَلَغَ ما بَلَغَ عِندَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه و آله بِصدقِ الحَدِيثِ وَأداءِ الأمانَةِ»[1].

9- ونقرأ في حديث آخر بالنسبة إلى الآثار والنتائج الدنيوية المهمّة للأمانة والخيانة فقد ورد عن علي عليه السلام أنّه قال:«الأمانَهُ تَجُرُّ الرِّزقَ وَالخِيانَةُ تَجُرُّ الفَقرَ»[2].

10- وفي حديث مختصر وعظيم المعنى عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال:«رَأَسُ الإسلامُ الأَمانَةُ»[3]

11- وورد شبيه لهذا الحديث مع اختلاف يسير عن لقمان الحكيم حيث أنّه قال:«يا بُنَيَّ أَدِّ الأَمانَةَ تَسلُمُ لَكَ الدُّنيا وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً»[4].

12- ونختم هذا البحث بحديث شريف آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«لا تَزَالُ امَتِي بِخَيرٍ ما تَحابُوا وَتَهادُّوا وَأَدُّوا الأَمانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ فَاذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ إبتَلَوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ»[5].

هذه الروايات ما هي إلّاموارد مختارة من المصادر الإسلامية الواردة في باب الأمانة وتوضّح جيداً أن هذا المفهوم الأخلاقي على درجة عالية من الأهمية من بين التعليمات الإسلامية، وكذلك الصفة التي تقع في مقابل الأمانة أي الخيانة ومدى اضرارها بدين الإنسان وشخصيته من موقع تخريب الإيمان وأنّها تورث الشقاء والبعد عن اللَّه تعالى، وكل واحدة من هذه الروايات المذكورة آنفاً تشير إلى أحد الأبعاد والآثار البنّاءة للأمانة أو

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 104، ح 5.

[2]. بحار الانوار، ج 78، ص 60.

[3]. غرر الحكم.

[4]. معاني الأخبار، 259؛ بحار الانوار، ج 72، ص 117.

[5]. بحار الانوار، ج 72، ص 115.


صفحه 157

الأبعاد والنتائج السلبية والمخربّة للخيانة، بحيث إنّ الإنسان عند مطالعتها والتأمل والتدبّر فيها يستوحي الكثير من المفاهيم الإسلامية والقيم الأخلاقية والاجتماعية المهمّة والبنّاءة في حركة الحياة والمجتمع.

فروع الأمانة:

عندما نتحدّث عن الأمانة فإنّ أغلب الناس يتبادر إلى أذهانهم الأمانة في الامور المالية، ولكن كما تقدّم في تفسير الآيات الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام أنّ الأمانة لها مفهوم واسع جدّاً بحيث تستوعب جميع المواهب الإلهيّة والنعم الربانيّة على الإنسان.

هذه النعم والمواهب الإلهيّة المندرجة في مفهوم الأمانة تشتمل على مصاديق لا تعد، فهي ترد بالنسبة إلى القرآن الكريم والإسلام والإيمان والولاية وحتّى إلى أقل النعم والمواهب المادية والمعنوية.

الأحاديث الشريفة التي تؤكد على أنّ الأمانة تورث الغنى، وأنّ الخيانة تورث‌الفقر ناظرة إلى الأمانة المالية والمادية، ولكنّ الآية الشريفة وبعض الروايات التي تشير إلى عرض الأمانة على السموات والأرض لا تقصد الأمانة المادية والمالية قطعاً بل تمتد أبعد من ذلك وتنظر إلى الأمانات المعنوية.

ونقرأ في حديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يحين وقت الصلاة فإنّ حاله يتغيّر وعندما سئل عن ذلك قال:«جاءَ وَقتُ الصَّلاةِ، وَقتُ أَمانَة عَرضَها اللَّهُ عَلَى السَّمواتِ وَالأَرضِ فأَبَينَ أنْ يَحمِلنَها وأَشفَقنَ مِنها»[1].

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَباركَ وَتَعالى‌ خَلَقَ الأَرواحَ قَبَلَ الأَجسادِ بِأَلفَي عامٍ فَجَعَلَ أَعلاها وَأَشرَفَها أَرواحَ مُحَمَّدٍ وَعَليٍّ وَفاطِمَةَ وَالحَسنِ والحُسَينِ وَالأَئِمَةُ بَعدَهُم صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِم فَعَرضَها عَلى السَّمواتِ والأرضِ وَالجِبالِ ...

[1]. نور الثقلين، ج 4، ص 313.


صفحه 158

إلى أن يقول: فولايَتُهُم أَمانَةٌ عِندَ خَلقِي»[1].

ويستفاد من أحاديث اخرى أنّ مفهوم خلافة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌[2]أيضاً مصداق مهم من مصاديق الأمانة.

وكذلك الصلاة والزكاة والحج هي أمانات وودائع إلهيّة.[3]

وكذلك الزوجة أيضاً أمانة إلهيّة[4].

ونقرأ في نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأشعث بن قيس، يقول له:«وإنَّ عَمَلَكَ لَيسَ لَكَ بِطُعمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمانَةً»[5].

وكذلك نقرأ في الحديث النبوي الشريف الذي ذكرنا فيما سبق أنّ‌«المَجالِس بِالأمانَةِ»[6]، لأنّ في المجالس الخصوصية تذكر أسرار تخص المجلس.

وحتى ورد في بعض الروايات أنّ غسل الجنابة (بعنوان أنّه تكليف إلهي) هو أمانة إلهية لدى المسلم‌[7].

وعلى أي حال فإنّ الأمانة والخيانة لا تختصان بعمل معيّن ومصداق خاص ومحدود، لأنّ النتائج المترتبة على هاتين الصفتين لا تتحدد بالامانة والخيانة المالية.

معطيات الخيانة والأمانة:

إنّ أهمّ معطيات الأمانة على المستوى الاجتماعي هي مسألة الاعتماد وكسب ثقة الناس، ونعلم أنّ الحياة الاجتماعية مبتنيّة على أساس التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع‌

[1]. بحار الانوار، ج 26، ص 320.

[2]. المصدر السابق، ج 99، 175.

[3]. المصدر السابق، ص 274.

[4]. المصدر السابق، ج 21، ص 381.

[5]. نهج البلاغة، الرسالة 5.

[6]. المحجة البيضاء، ج 3، ص 327. 0

[7]. بحار الانوار، ج 10، ص 181.


صفحه 159

لحل المشاكل والتخفيف من تحدّيات الواقع والظروف القاهرة والاستفادة الأفضل من مواهب الحياة والطبيعة، ولهذا فإنّ مسألة الثقة والاعتماد لها دور أساس في تأصيل هذا المفهوم الاجتماعي لأنّه لولا وجود الاعتماد المقابل فإنّ المجتمع سيتحوّل إلى جهنّم لا يطاق، ويتعامل الأفراد بينهم من موقع التوحّش والأنانية، ويسود قانون الغاب في مثل هذا المجتمع، وبدلًا من أن تتكاتف القوى والطاقات على مستوى بناء المجتمع والتصدي لتحدّيات الظروف القاهرة فإنّ هذه القوى سوف تتحرّك بالجهة المقابلة لتعميق التوحّش والتنفّر في المجتمع.

وبعبارة اخرى: إنّ المجتمع البشري سيفقد كل شي‌ء بدون وجود حالة الاعتماد المتقابل بالرغم من توفّر كافة الأمانات والمواهب الطبيعية الاخرى، وبعكس ذلك‌إنّ المجتمع الذي تتوفّر فيه حالة الاعتماد المتقابل سيحصل على كل شي‌ء بالرغم من فقدانه للإمكانات والموارد الطبيعية.

وهذا الاعتماد الاجتماعي يرتكز على ركنين:

1- الأمانة.

2- الصدق.

وما ورد في الروايات المذكورة آنفاً أنّ الأمانة تورث الغنى وعدم الحاجة والخيانة تورث الفقر فإنّ ذلك إنّما يشير إلى هذا الدليل.

وأمّا ما ورد في الروايات الشريفة أنّ جميع الأنبياء الإلهيين جعلوا من الأمانة وصدق الحديث محوراً لتعليماتهم فهو أيضاً ناظر إلى هذا المعنى.

ويذكر الكليني في (الكافي) قصّة جميلة في هذا الصدد ويقول: عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن كثير بن يونس، عن عبدالرحمن بن سيّابة قال: لما هلك أبي سيّابة، جاء رجل من إخوانه إليَّ فضرب الباب عليَّ، فخرجت إليه فعزّاني، وقال لي: هل ترك أبوك شيئاً فقلت له: لا، فدفع إليَّ كيساً فيه ألف درهم وقال لي: أحسن حفظها وكُلْ فضلها، فدخلت إلى امّي وأنا فرح، فأخبرتها، فلمّا كان بالعشيّ، أتيت صديقاً كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري، وجلت في حانوت فرزق اللَّه جلّ وعزّ فيها خيراً كثيراً، وحضر


صفحه 160

الحج، فوقع في قلبي، فجئت إلى امّي وقلت لها: إنّه قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكّة؟

فقالت لي: فردّ دارهم فلان عليه فهاتها، وجئت بها إليه فدفعتها إليه فكأني وهبتها له، فقال: لعلّك استقللتها فأزيدك؟

قلت: لا، ولكن قد وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك، ثم خرجت فقضيت نسكي، ثمّ رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبداللَّه عليه السلام- وكان يأذن إذناً عاماً- فجلست في مواخير الناس وكنت حدثاً، فأخذ الناس يسألونه ويجيبهم، فلما خفّ الناس عنه، أشار إليَّ فدنوت إليه، فقال لي: ألك حاجة؟ فقلت: جُعلتُ فداك أنا عبدالرحمن بن سيّابة، فقال لي: ما فعل أبوك؟ قلت: هلك، قال: فتوجّع وترحّم، ثم قال: قال لي: أفترك شيئاً قلت: لا، قال: فمن أين حججت؟ قال: فابتدأت وحدثته بقصّة الرجل، قال فما تركني أفرغ منها حتّى قال لي: فما فعلت في الألف؟ قال: قلت: رددتها على صاحبها، قال: فقال لي: قد أحسنت، قال لي: ألا اوصيك؟ قلت: بلى جُعلت فداك.

قال عليه السلام:«عَلَيكَ بِصدقِ الحَديثِ، وَأَداءِ الأمانَةِ تُشرك النّاسَ فِي أَموالِهِم هكذا- وجمع بين أصابعه-»،فحفظت ذلك عنه، فزكيّت ثلاثمائة ألف درهم‌[1].

ونحن أيضاً رأينا في حياتنا أشخاصاً مثل هؤلاء الأشخاص فقد كان هناك تاجر متدّين في النجف الأشرف يعرفه الكثير من المعاصرين أيضاً وبسبب إشتهاره بالأمانة فإنّ الناس كانوا يودعون عنده أموالهم وودائعهم مطمئنون إلى حد أنّ الكثير من العلماء والفضلاء وطلّاب العلوم الدينية كانوا يسجّلون سندات بيوتهم بإسمه لأنّه كان يمتلك الجنسيةالعراقية ولعلّه كان عند وفاته قد بلغ عدد البيوت المسجّلة باسمه ما يربو على الخمسماة بيت لهؤلاء العلماء والطلّاب ولم يواجه أي واحد منهم مشكلة في هذا المورد.

ومن جهة اخرى عندما تسود الأمانة في المجتمع وفي العائلة فإنّها ستكون سبباً لمزيد من الهدوء والسكينة الفكرية والروحية، لأنّ مجرّد احتمال الخيانة فإنّ ذلك يسبب القلق والخوف للأفراد بحيث يعيشون حالة من الإرتباك في علاقاتهم مع الآخرين ومن الخطر

[1]. فروع الكافي، ج 5، ص 134 (مع التلخيص).


صفحه 161

المحتمل الذي ينتظر أموالهم أو أنفسهم أو أغراضهم أو مكانتهم الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ الاستمرار في مثل هذه الحياة المربكة والموحشة عسير جدّاً وقد يورثهم الكثير من الأمراض الجمسية والروحية أيضاً.

ومن جهة ثالثة فإنّ الأمانة تقلل كثيراً من نفقات المعيشة ومصاريف الحياة وتسبب في الاقتصاد في الوقت والعمر والمال، لأنّ الخيانة إذا فتحت طريقها إلى المجتمع فانّ المسؤولين وأصحاب المواقع الاجتماعية يضطرون إلى تخصيص نفقات باهظة لإيجاد سجّلات خاصة ومحاسبين ومفتشين لدرء احتمال الخيانة في حساباتهم، وأحياناً يضطرون إلى إيجاد مفتشين على المفتشين الأوائل لضبط أعمالهم ويشرفوا على حساباتهم، ومع ذلك فانّ مثل هذه الامور لا تستطيع أن تحلّ المشاكل الناشئة من الخيانة تماماً، ولكن على أي حال يقتضي الواقع المفروض تخصيص هذه النفقات للتصدّي إلى هذه المشكلة، ونشاهد في مجتمعنا الحالي أيضاً مثل هذه الامور الأليمة بالنسبة إلى الامور المالية وعدم الأمن الاقتصادي وكثرة من يلقى في السجن بسبب زوال الثقة وعدم الاعتماد المتقابل بين الناس، ولو أنّ أفراد المجتمع تحلّوا بقليل من الصدق والأمانة بدلًا من هذه النفقات والمصروفات والجهود المهدورة، فاننا سوف لا نبتلى بمثل هذا الاسراف الفضيع وإتلاف الثروات الاجتماعية الكبيرة.

ومن جهة رابعة فإنّ الأمانة قد تسبب في كسب المحبّة وتعميق أواصر الصداقة بين الأفراد، في حين أنّ الخيانة تعتبر عاملًا للكثير من الجرائم والحوادث السلبية وأشكال الخلل الاجتماعي، وإذا طالعنا وثائق المحاكم والسجون لرأينا أنّ الكثير من هذه الجرائم معلولة لحالة الخيانة، وعندما ندرس ظاهرة كثرة الطلاق وحالة إنحلال الأُسر وتلاشي العوائل نرى أنّ الكثير من هذه الحالات يعود إلى خيانة أحد الزوجين بالنسبة للآخر.

وفي بعض الروايات إشارة لطيفة إلى هذا المعنى حيث يقول النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:«لا تَزَالُ امَتِي بِخَيرٍ ما تَحابُوا وَتَهادُّوا وَأَدُّوا الأَمانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقامُوا