بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 157

الأبعاد والنتائج السلبية والمخربّة للخيانة، بحيث إنّ الإنسان عند مطالعتها والتأمل والتدبّر فيها يستوحي الكثير من المفاهيم الإسلامية والقيم الأخلاقية والاجتماعية المهمّة والبنّاءة في حركة الحياة والمجتمع.

فروع الأمانة:

عندما نتحدّث عن الأمانة فإنّ أغلب الناس يتبادر إلى أذهانهم الأمانة في الامور المالية، ولكن كما تقدّم في تفسير الآيات الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام أنّ الأمانة لها مفهوم واسع جدّاً بحيث تستوعب جميع المواهب الإلهيّة والنعم الربانيّة على الإنسان.

هذه النعم والمواهب الإلهيّة المندرجة في مفهوم الأمانة تشتمل على مصاديق لا تعد، فهي ترد بالنسبة إلى القرآن الكريم والإسلام والإيمان والولاية وحتّى إلى أقل النعم والمواهب المادية والمعنوية.

الأحاديث الشريفة التي تؤكد على أنّ الأمانة تورث الغنى، وأنّ الخيانة تورث‌الفقر ناظرة إلى الأمانة المالية والمادية، ولكنّ الآية الشريفة وبعض الروايات التي تشير إلى عرض الأمانة على السموات والأرض لا تقصد الأمانة المادية والمالية قطعاً بل تمتد أبعد من ذلك وتنظر إلى الأمانات المعنوية.

ونقرأ في حديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يحين وقت الصلاة فإنّ حاله يتغيّر وعندما سئل عن ذلك قال:«جاءَ وَقتُ الصَّلاةِ، وَقتُ أَمانَة عَرضَها اللَّهُ عَلَى السَّمواتِ وَالأَرضِ فأَبَينَ أنْ يَحمِلنَها وأَشفَقنَ مِنها»[1].

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَباركَ وَتَعالى‌ خَلَقَ الأَرواحَ قَبَلَ الأَجسادِ بِأَلفَي عامٍ فَجَعَلَ أَعلاها وَأَشرَفَها أَرواحَ مُحَمَّدٍ وَعَليٍّ وَفاطِمَةَ وَالحَسنِ والحُسَينِ وَالأَئِمَةُ بَعدَهُم صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِم فَعَرضَها عَلى السَّمواتِ والأرضِ وَالجِبالِ ...

[1]. نور الثقلين، ج 4، ص 313.


صفحه 158

إلى أن يقول: فولايَتُهُم أَمانَةٌ عِندَ خَلقِي»[1].

ويستفاد من أحاديث اخرى أنّ مفهوم خلافة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌[2]أيضاً مصداق مهم من مصاديق الأمانة.

وكذلك الصلاة والزكاة والحج هي أمانات وودائع إلهيّة.[3]

وكذلك الزوجة أيضاً أمانة إلهيّة[4].

ونقرأ في نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأشعث بن قيس، يقول له:«وإنَّ عَمَلَكَ لَيسَ لَكَ بِطُعمَةٍ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمانَةً»[5].

وكذلك نقرأ في الحديث النبوي الشريف الذي ذكرنا فيما سبق أنّ‌«المَجالِس بِالأمانَةِ»[6]، لأنّ في المجالس الخصوصية تذكر أسرار تخص المجلس.

وحتى ورد في بعض الروايات أنّ غسل الجنابة (بعنوان أنّه تكليف إلهي) هو أمانة إلهية لدى المسلم‌[7].

وعلى أي حال فإنّ الأمانة والخيانة لا تختصان بعمل معيّن ومصداق خاص ومحدود، لأنّ النتائج المترتبة على هاتين الصفتين لا تتحدد بالامانة والخيانة المالية.

معطيات الخيانة والأمانة:

إنّ أهمّ معطيات الأمانة على المستوى الاجتماعي هي مسألة الاعتماد وكسب ثقة الناس، ونعلم أنّ الحياة الاجتماعية مبتنيّة على أساس التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع‌

[1]. بحار الانوار، ج 26، ص 320.

[2]. المصدر السابق، ج 99، 175.

[3]. المصدر السابق، ص 274.

[4]. المصدر السابق، ج 21، ص 381.

[5]. نهج البلاغة، الرسالة 5.

[6]. المحجة البيضاء، ج 3، ص 327. 0

[7]. بحار الانوار، ج 10، ص 181.


صفحه 159

لحل المشاكل والتخفيف من تحدّيات الواقع والظروف القاهرة والاستفادة الأفضل من مواهب الحياة والطبيعة، ولهذا فإنّ مسألة الثقة والاعتماد لها دور أساس في تأصيل هذا المفهوم الاجتماعي لأنّه لولا وجود الاعتماد المقابل فإنّ المجتمع سيتحوّل إلى جهنّم لا يطاق، ويتعامل الأفراد بينهم من موقع التوحّش والأنانية، ويسود قانون الغاب في مثل هذا المجتمع، وبدلًا من أن تتكاتف القوى والطاقات على مستوى بناء المجتمع والتصدي لتحدّيات الظروف القاهرة فإنّ هذه القوى سوف تتحرّك بالجهة المقابلة لتعميق التوحّش والتنفّر في المجتمع.

وبعبارة اخرى: إنّ المجتمع البشري سيفقد كل شي‌ء بدون وجود حالة الاعتماد المتقابل بالرغم من توفّر كافة الأمانات والمواهب الطبيعية الاخرى، وبعكس ذلك‌إنّ المجتمع الذي تتوفّر فيه حالة الاعتماد المتقابل سيحصل على كل شي‌ء بالرغم من فقدانه للإمكانات والموارد الطبيعية.

وهذا الاعتماد الاجتماعي يرتكز على ركنين:

1- الأمانة.

2- الصدق.

وما ورد في الروايات المذكورة آنفاً أنّ الأمانة تورث الغنى وعدم الحاجة والخيانة تورث الفقر فإنّ ذلك إنّما يشير إلى هذا الدليل.

وأمّا ما ورد في الروايات الشريفة أنّ جميع الأنبياء الإلهيين جعلوا من الأمانة وصدق الحديث محوراً لتعليماتهم فهو أيضاً ناظر إلى هذا المعنى.

ويذكر الكليني في (الكافي) قصّة جميلة في هذا الصدد ويقول: عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن كثير بن يونس، عن عبدالرحمن بن سيّابة قال: لما هلك أبي سيّابة، جاء رجل من إخوانه إليَّ فضرب الباب عليَّ، فخرجت إليه فعزّاني، وقال لي: هل ترك أبوك شيئاً فقلت له: لا، فدفع إليَّ كيساً فيه ألف درهم وقال لي: أحسن حفظها وكُلْ فضلها، فدخلت إلى امّي وأنا فرح، فأخبرتها، فلمّا كان بالعشيّ، أتيت صديقاً كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري، وجلت في حانوت فرزق اللَّه جلّ وعزّ فيها خيراً كثيراً، وحضر


صفحه 160

الحج، فوقع في قلبي، فجئت إلى امّي وقلت لها: إنّه قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكّة؟

فقالت لي: فردّ دارهم فلان عليه فهاتها، وجئت بها إليه فدفعتها إليه فكأني وهبتها له، فقال: لعلّك استقللتها فأزيدك؟

قلت: لا، ولكن قد وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك، ثم خرجت فقضيت نسكي، ثمّ رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبداللَّه عليه السلام- وكان يأذن إذناً عاماً- فجلست في مواخير الناس وكنت حدثاً، فأخذ الناس يسألونه ويجيبهم، فلما خفّ الناس عنه، أشار إليَّ فدنوت إليه، فقال لي: ألك حاجة؟ فقلت: جُعلتُ فداك أنا عبدالرحمن بن سيّابة، فقال لي: ما فعل أبوك؟ قلت: هلك، قال: فتوجّع وترحّم، ثم قال: قال لي: أفترك شيئاً قلت: لا، قال: فمن أين حججت؟ قال: فابتدأت وحدثته بقصّة الرجل، قال فما تركني أفرغ منها حتّى قال لي: فما فعلت في الألف؟ قال: قلت: رددتها على صاحبها، قال: فقال لي: قد أحسنت، قال لي: ألا اوصيك؟ قلت: بلى جُعلت فداك.

قال عليه السلام:«عَلَيكَ بِصدقِ الحَديثِ، وَأَداءِ الأمانَةِ تُشرك النّاسَ فِي أَموالِهِم هكذا- وجمع بين أصابعه-»،فحفظت ذلك عنه، فزكيّت ثلاثمائة ألف درهم‌[1].

ونحن أيضاً رأينا في حياتنا أشخاصاً مثل هؤلاء الأشخاص فقد كان هناك تاجر متدّين في النجف الأشرف يعرفه الكثير من المعاصرين أيضاً وبسبب إشتهاره بالأمانة فإنّ الناس كانوا يودعون عنده أموالهم وودائعهم مطمئنون إلى حد أنّ الكثير من العلماء والفضلاء وطلّاب العلوم الدينية كانوا يسجّلون سندات بيوتهم بإسمه لأنّه كان يمتلك الجنسيةالعراقية ولعلّه كان عند وفاته قد بلغ عدد البيوت المسجّلة باسمه ما يربو على الخمسماة بيت لهؤلاء العلماء والطلّاب ولم يواجه أي واحد منهم مشكلة في هذا المورد.

ومن جهة اخرى عندما تسود الأمانة في المجتمع وفي العائلة فإنّها ستكون سبباً لمزيد من الهدوء والسكينة الفكرية والروحية، لأنّ مجرّد احتمال الخيانة فإنّ ذلك يسبب القلق والخوف للأفراد بحيث يعيشون حالة من الإرتباك في علاقاتهم مع الآخرين ومن الخطر

[1]. فروع الكافي، ج 5، ص 134 (مع التلخيص).


صفحه 161

المحتمل الذي ينتظر أموالهم أو أنفسهم أو أغراضهم أو مكانتهم الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ الاستمرار في مثل هذه الحياة المربكة والموحشة عسير جدّاً وقد يورثهم الكثير من الأمراض الجمسية والروحية أيضاً.

ومن جهة ثالثة فإنّ الأمانة تقلل كثيراً من نفقات المعيشة ومصاريف الحياة وتسبب في الاقتصاد في الوقت والعمر والمال، لأنّ الخيانة إذا فتحت طريقها إلى المجتمع فانّ المسؤولين وأصحاب المواقع الاجتماعية يضطرون إلى تخصيص نفقات باهظة لإيجاد سجّلات خاصة ومحاسبين ومفتشين لدرء احتمال الخيانة في حساباتهم، وأحياناً يضطرون إلى إيجاد مفتشين على المفتشين الأوائل لضبط أعمالهم ويشرفوا على حساباتهم، ومع ذلك فانّ مثل هذه الامور لا تستطيع أن تحلّ المشاكل الناشئة من الخيانة تماماً، ولكن على أي حال يقتضي الواقع المفروض تخصيص هذه النفقات للتصدّي إلى هذه المشكلة، ونشاهد في مجتمعنا الحالي أيضاً مثل هذه الامور الأليمة بالنسبة إلى الامور المالية وعدم الأمن الاقتصادي وكثرة من يلقى في السجن بسبب زوال الثقة وعدم الاعتماد المتقابل بين الناس، ولو أنّ أفراد المجتمع تحلّوا بقليل من الصدق والأمانة بدلًا من هذه النفقات والمصروفات والجهود المهدورة، فاننا سوف لا نبتلى بمثل هذا الاسراف الفضيع وإتلاف الثروات الاجتماعية الكبيرة.

ومن جهة رابعة فإنّ الأمانة قد تسبب في كسب المحبّة وتعميق أواصر الصداقة بين الأفراد، في حين أنّ الخيانة تعتبر عاملًا للكثير من الجرائم والحوادث السلبية وأشكال الخلل الاجتماعي، وإذا طالعنا وثائق المحاكم والسجون لرأينا أنّ الكثير من هذه الجرائم معلولة لحالة الخيانة، وعندما ندرس ظاهرة كثرة الطلاق وحالة إنحلال الأُسر وتلاشي العوائل نرى أنّ الكثير من هذه الحالات يعود إلى خيانة أحد الزوجين بالنسبة للآخر.

وفي بعض الروايات إشارة لطيفة إلى هذا المعنى حيث يقول النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:«لا تَزَالُ امَتِي بِخَيرٍ ما تَحابُوا وَتَهادُّوا وَأَدُّوا الأَمانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقامُوا


صفحه 162

الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ فَاذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ إبتَلَوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ»[1].

ومن جهة خامسة فإنّ مفهوم الأمانة يمتد ويتسع ليشمل الموارد والمسائل العلمية، فإنّ تطور العلوم والمعارف البشرية كان بسبب وجود العلماء الذين كانوا يتحرّكون من موقع الأمانة والصدق في تحقيقاتهم ومطالعاتهم وتجاربهم العلمية فكانوا يقدّمون للآخرين ما اكتسبوه من تجارب ثمينة وعلوم جديدة بأمانة وصدق، وهذا هو الذي أدّى إلى التطور الحضاري والعلمي في عالمنا المعاصر في حين أنّه لو لم يكن أصل الأمانة في المطالعات العلمية فإنّ ذلك قد يفضي إلى التيه العلمي ويتسبب في اضلال الناس ووقوعهم في التخبط الثقافي والعلمي.

ونقرأ في هذا الصدد حديث عن الإمام الصادق عليه السلام يقول:«كُلُّ ذِي صَناعَهٍ مُضطَرٌّ إِلى‌ ثَلاثِ خِلالٍ يَجتَلِبُ بِها المَكسَبَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حاذِقاً بِعَمَلِهِ مُؤَدِّياً لِلأَمانَةِ فَيهِ، مُستَمِيلًا لَمَنْ إِستَعمَلَهُ»[2].

والجدير بالذكر أنّ الأمانة تدعو الإنسان إلى صدق الحديث أيضاً كما أنّ صدق الحديث يدعو الإنسان إلى الأمانة في الجهة المقابلة، لأنّ صدق الحديث نوع من الأمانة في القول، والأمانة نوع من الصدق في العمل، وعلى هذا الأساس فإنّ هاتين الصفتين يرتبطان بجذر مشترك ويعبّران عن وجهين لعملةٍ واحدة، ولذلك ورد في الأحاديث الإسلامية عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«الأمانَةُ تُؤدِّي إِلى الصُّدقِ»[3].

وفي حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال:«إذا قَويَتْ الأَمانَةُ كَثُرَ الصّدقُ»[4].

دوافع الأمانة والخيانة:

[1]بحار الانوار، ج 72، ص 115.

[2]المصدر السابق، ج 75، ص 236.

[3]غرر الحكم.

[4]المصدر السابق.


صفحه 163

إنّ أغلب الأشخاص الذين يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الخيانة ويفضّلونها على الأمانة فأنّهم يعيشون ضيق الافق في منافعهم ومصالحهم ويفكّرون في المنافع العاجلة فحسب، لأنّ الخيانة تؤفّر لهم في الكثير من الموارد هذه المنافع العاجلة وتحقق لهم بعض المصالح الفردية على حساب اهتزاز كرامتهم المعنوية ومن دون أن يتفكّروا في العواقب الوخيمة لهذا السلوك في المستقبل على المستوى الدنيوي والاخروي ومكانتهم الاجتماعية.

هؤلاء الأفراد يعيشون في سجن الحرص والطمع فلذلك قليلًا ما يفكّرون في عواقب الخيانة، لأنّ المنافع العاجلة حجبت أعينهم وعقولهم عن مشاهدة ما يترتب على ذلك من سلبيات كثيرة في المستقبل.

هؤلاء وبسبب ضعف الإيمان وعدم الالتفات إلى القدرة الإلهيّة المطلقة التي تكفّلت برزق الناس جميعاً ووعدت من يعيش الأمانة والصدق منهم بالثواب العاجل والآجل فإنّهم قد حجبوا بصيرتهم عن ذلك جميعاً وتحرّكوا من موقع التغافل عن الوجدان وعن تحذيرات الشرع وتورّطوا في شراك الخيانة وفخاخ الشيطان.

وعلى هذا الأساس يمكننا في هذا الصدد ذكر دوافع الخيانة فيما يلي:

1- ضعف الإيمان وإهتزاز العقيدة وعدم التوجّه إلى حالة التوحيد الأفعالي للَّه‌تعالى وحاكميته المطلقة على جميع الأشياء.

2- غلبة الأهواء والشهوات وحبّ الدنيا.

3- تسلّط حالة الحرص والطمع على الإنسان.

4- عدم التفكّر في نتائج الخيانة في حركة الحياة المادية والمعنوية.

5- ترك السعي المستمر والعمل الدؤوب لتحصيل المقاصد الدنيوية بطرق مشروعة وذلك بسبب التكاسل وحبّ الراحة وضعف الإرادة.

وعند الإلتفات إلى هذه الامور تتّضح النقطة المقابلة لها، وهي دوافع الأمانة وذلك:

إنّ الأمانة تنبع من الإيمان واليقين بقدرة اللَّه تعالى وعلمه المطلق والاعتماد عليه في جميع الامور.


صفحه 164

الأمانة تعدّ من معطيات العقل والتدبّر السليم والإلتفات إلى عواقب الامور ونتائج الأفعال.

الأمانة هي دليل على أنّ الإنسان يعيش الواقع الحاضر ويرى حقائق الامور ويترك الخوض في الأوهام والخرافات والتصورات الزائفة.

الأمانة تنبع من شخصية الإنسان السامية وتمثّل نتيجة لحالة التفاني والتعالي في الروح الإنسانية، لأنّ مثل هذا الإنسان لا يكون مستعداً لئن يبيع شخصيته ووجدانه لتحصيل المال والمقام وزخارف الدنيا عن طريق الخيانة.

وبكلمة واحدة فإنّ الأمانة وليدة الفهم والشعور والعقل والإيمان والاخلاص وأصالة الشخصية، وأحياناً يكون الفقر والظلم عاملان من عوامل الخيانة، فمن لا يحصل على حقوقه المشروعة في المجتمع من الطرق الصحيحة ويقع تحت طائلة الفقر والعوز فإنّه قد يؤدّي به إلى التلّوث بالخيانة، ولهذا نرى أن التعاليم الدينية أكّدت على أن يموّل القاضي من بيت المال بشكل تام كيما يحفظ أمانته في القضاء بين الناس، ونقرأ في عهد الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر أنّه يقول:«وَافسَحْ لَهُ فِي البَذلِ ما يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعطِهِ مِنَ المَنزِلَةِ لَديكَ ما لايَطمَعُ فِيهِ غَيرُهُ مِنْ خاصَّتِكَ لَيأَمَنَ بِذَلِكَ إِغتِيالَ الرِّجالَ لَهُ عِندَكَ فَانظُر فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً»[1].

ونختم هذا البحث بحديث مهم عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصدد يشير فيه إلى مصادر الخيانة المتنوعة ويوصي بالتوجّه إليها لحفظ الأمانة في واقع الإنسان والمجتمع فيقول:«مَنْ اؤتُمِنَ عَلى‌ أَمانَةٍ فَأَدّاها فَقَد حَلَّ أَلفَ عُقدَةٍ مِنْ عُقَدِ النّارِ، فَبادِرُوا بِأَداءِ الأَمانَةِ، فَإنَّ مَنْ اؤتِمِنَ عَلى‌ أَمانَةٍ وَكَّلَ بِهِ إبلِيسَ مِائةَ شَيطانٍ مِنْ مَردَةِ أَعوانِهِ لِيُضِلُّوهُ وَيُوسوِسُوا إِلَيهِ حتّى يُهلِكُوه إلّامَنْ عَصَمُ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ»[2].

[1]. نهج البلاغة، الرسالة 53.

[2]. بحار الانوار، ج 72، ص 114.