الاسراف والكذب في الآية الثانية هو من جهة أنّ الفراعنة تحرّكوا من موقع عصيان الأمر الإلهي وظلمهم لبني اسرائيل وقتل أولادهم، فهؤلاء سلكوا طريق الاسراف وكذّبوا بنبوّة موسى عليه السلام.
«الآية الرابعة»تستعرض اسلوب المنافقين في التظاهر بالإيمان والعمل الصالح وتتحدّث عن (ثعلبة بن حاطب الأنصاري) الذي كان قد عاهد اللَّه تعالى أنّه إذا رزقه مالًا كثيراً فإنّه سيتصدّق على الفقراء والمساكين ولكنّ سلوكه العملي كان مخالفاً لقوله ووعده حيث نقض عهده مع اللَّه تعالى بعد أن رزقه المال والثروة وأصبح من الموسرين، ويقول اللَّه تعالى في هذه الآية: «فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ».
ثم تضيف الآية أنّ ذلك كان بسبب نقضهم للعهد وكذبهم على اللَّه تعالى: «بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ».
والجدير بالذكر أنّ نقض العهد مع اللَّه تعالى يعتبر نوع من الكذب العملي.
وعلى أية حال فالآية أعلاه تصرح بأنّ نقض العهد كذب يورث الإنسان روح النفاق في قلبه إلى آخر حياته، وما أشدّ هذه العقوبة في دائرة أركان الشخصية ودعائمها.
أمّا العلاقة بين هذين الذنبين (نقض العهد والكذب) وبين النفاق فواضحة، لأنّ النفاق ليس شيئاً سوى اختلاف الظاهر والباطن وأن يكون الإنسان ذا لسانين كما في اصطلاح الروايات، ونقض العهد والكذب أيضاً هو عبارة عن التظاهر بالتمسك والانضباط بالوعد وبالميثاق من موقع المسؤولية والتعهد القلبي في حين أنّ الواقع الباطني لا يتطابق مع هذا الظاهر الخادع.
أجل، فإنّ الكثيرين من أمثال ثعلبة بن حاطب الأنصاري عندما يعيشون حالة الضيق والعسر في حركة الحياة يلجأون إلى اللَّه تعالى بجميع وجودهم وكيانهم ليحل لهم مشكلاتهم ويبذلون له العهود والمواثيق والنذور في هذا السبيل، ولكن عندما يستجيب اللَّه تعالى لهم وتنفرج الأزمة ويحصلون على ما يريدون يتعاملون مع عهودهم ومواثيقهم من
موقع النسيان والتغافل، وهذا هو المصداق لنقض العهد والكذب والنفاق في عملية التعامل مع الحياة والواقع (نسأل اللَّه تعالى أن يحفظنا من شرّ هذه الآثام والسلوكيات الدنيئة).
«الآية الخامسة»تتحدّث عن صفات وأعمال المنافقين القبيحة وتسلّط الضوء خاصة على مسألة الكذب وتقول: «فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُم اللَّهُ مَرضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ».
فهذه الآية لم تتحدّث بشكل دقيق عن نوع الكذب الذي كانوا يرتكبونه ولعله إشارة إلى الكذب الذي أشارت إليه الآية السابقة، ومن ذلك إدّعائهم الإيمان باللَّه في حين أنّهم غير مؤمنين في قلوبهم، والآخر الخداع والغش الذي كانوا يمارسونه مع المؤمنين ويستغفلونهم في عملية التعامل معهم، والأهم من ذلك أنّهم كانوا يستفيدون من كل فرصة في سبيل تكذيب الرسالة الإلهية والرسول الكريم، ولكن على أيّة حال، فإنّ هذه الآية تقول: إنّ العذاب الأليم الذي ينتظر هؤلاء هو بسبب كذبهم، وهذا يدل على أنّ أشدّ وأشنع أعمال المنافقين هو أنّهم كانوا يرتكبون الكذب ويخترعون الإفك، بالرغم من أنّهم كانوا يرتكبون ذنوباً كثيرة إلى جانب الكذب.
ومن الواضح أنّ المقصود بالمرض في هذه الآية هو مرض النفاق الذي يعدّ مرضاً أخلاقياً ناشئاً من انفصام شخصية المنافق واهتزاز وجدانه بحيث يعيش بين الناس بلسانين ووجهين وظاهره يختلف عن باطنه.
«الآية السادسة»تتحرّك على مستوى بيان قسم خاص من أقسام الكذب، وهو الكذب على اللَّه تعالى، حيث تخاطب الآية الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وتقول: «قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَايُفْلِحُونَ».
أساساً فانّ الكذب لا يجتمع مع الفلاح والموفقّية في حركة الحياة وخاصّة إذا كان الكذب على اللَّه والأنبياء الإلهيين، والمراد من الكذب على اللَّه في هذه الآية (وبقرينة
الآيات السابقة لها) هو أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ الملائكة هم بنات اللَّه، وقيل أنّ المراد هو دعوى المسيحيين بأنّ المسيح ابن اللَّه، وكذلك دعوى اليهود بأنّ عزير إبن اللَّه، وعلى أية حال فانّ نسبة هذه الامور إلى اللَّه تعالى من الكذب الفاضح والجلي، لأنّ اللَّه تعالى ليس بجسم ولا يتصف بالعوارض الجسمانيّة وليست له زوجة وأبناء.
وأساساً فانّ فلسفة وجود الابن تكون معقولة في دائرة نظام الخلقة على مستوى الإنسان وحاجاته الفطرّية والطبيعية، فانّ الإنسان يحتاج إلى الأبناء لبقاء النسل والقيام بمعونته وإسناده في حركة المعيشة الشاقّة أمام تحدّيات الواقع والحياة، أمّا مفهوم الأبن بالنسبة إلى اللَّه تعالى وهو الغني على الاطلاق والقادر على كل شيء فلا معنى له في دائرة العقل والمنطق.
ومن الجدير بالتأمّل أنّ الآية المذكورة اعتبرت عمل المشركين مصداقاً للكذب والإفتراء، وهذا يعني أنّ الكذب له مفهوم واسع يستوعب في مضمونه الإفتراء أيضاً (وكما في الأصطلاح أنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق) فالكذب هو أن يتحدّث الإنسان بكلام مخالف للواقع سواءً كان يتحدّث عن شخص معيّن أو شيء آخر، ولكنّ التهمة والإفتراء هو نسبة عمل قبيح وغير واقعي إلى شخص معيّن، فهنا يتحقق مصداق الكذب ومصداق التهمة أيضاً.
ونفس مضمون هذه الآية ورد في الآية 116 من سورة النحل حيث تقول الآية: «إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَايُفْلِحُون»
«الآية السابعة»والأخيرة من الآيات مورد البحث تستعرض واقعة المباهلة المعروفة والتي تستبطن في طيّاتها الكلام عن قسم خاص من أقسام الكذب، أي نسبة الكذب إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ويترتّب على ذلك لعنة اللَّه على الكاذبين حيث تقول الآية: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ».
(المباهلة) في الأصل من مادّة بهل (على وزن سهل) بمعنى الترك للشىء، وقد ورد في التفاسير أنّ المباهلة تعني في المصطلح الديني أن تجتمع فئتان كل واحد منهما على مذهب معيّن فيتحاجون وأخيراً يتلاعنون ويدعون اللَّه تعالى بأن ينزل لعنته على الطرف الآخر الكاذب، وأي فئة تحقّق في موردها اللّعن ونزل عليها العذاب فهذا دليل على حقّانيّة الطرف الآخر، وقد حدث ذلك في صدر الإسلام بين نبي الإسلام صلى الله عليه و آله ونصارى نجران، فعند ما تقررّت المباهلة بينهما جاء النبي صلى الله عليه و آله ومعه الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام إلى ساحة المباهلة وكانت تبدوا على سيماهم المباركة آثار إستجابة الدعاء، فتراجع النصارى عن إدّعائهم وصالحوا النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على أمور مذكورة بالتفصيل في التفاسير الشريفة ذيل هذه الآية ولذلك لا حاجة إلى الإطالة والتفصيل.
والمراد من قوله: «فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»، لبيان عظمة الكذب وأنّه يستحق نزول اللّعنة على صاحبه.
والآية أعلاه والتي إستعرضت تأكيدات قرآنية مهمّة بالنسبة إلى قبح الكذب وآثاره المشؤمة وعواقبه الوخيمة توضّح جيداً أنّ هذا الذنب إلى أي درجة من القبح والشر في دائرة المفاهيم القرآنية، فينبغي على المؤمنين في المجتمع الإسلامي أن يعيشوا حالة التنفّر والكراهية لهذا النوع من السلوك الخاطيء والخلق الذميم ويتحرّكوا على مستوى تطهير مجتمعهم من شر هذه الخطيئة.
الكذب في الروايات الإسلامية:
ونقرأ في الروايات الإسلامية تعابير مثيرة ومدهشة تتحدث عن قبح الكذب وشناعته وفيما يلى نماذج منها:
1- يستفاد من بعض الروايات أنّ الكذب مفتاح الذنوب، كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلشّرَّ اقْفالًا وَجَعَلَ مَفاتِيحَ تِلْكَ الأَقْفالِ الشَّرابَ، وَالْكِذْبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرابِ»[1].
[1]. اصول الكافي، ج 3، ص 339.
2- وورد في حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قوله:«جُعِلَتِ الْخَبائِثُ كُلُّها فِي بَيْتٍ وَجُعِلَ مِفْتاحُهُ الْكِذْبَ»[1].
والعلّة في ذلك جليّة، وهي أنّ الإنسان الكاذب عندما يجد نفسه في معرض الفضيحة فأنّه يتحرك في عمليّة التغطية على نقائصه ومعايبه من موقع الكذب والخداع، وبعبارة اخرى: إنّ الكذب يبيح له إرتكاب أنواع الذنوب من دون أن يخاف الفضيحة، في حين أنّ الإنسان الصادق سيجد نفسه مضطراً إلى ترك سائر الذنوب لأنّ الصدق لا يسوغ له إرتكاب الذنب، والخوف من الفضيحة بسبب الصدق يدعوه إلى ترك الذنوب.
وكما سبق وأن ذكرنا الحديث المعروف عن الرجل الذي جاء إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وهو ملّوث بأنواع الذنوب وطلب منه النبي صلى الله عليه و آله أن يترك الكذب فقط فقبل منه ذلك، وكان هذا سبباً في أن يترك جميع الذنوب[2].
3- ويستفاد من الأحاديث الاخرى أنّ الكذب لا ينسجم اطلاقاً مع الإيمان كما نقرأ في الحديث الشريف:«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَكُونُ الْمُؤمِنُ جُبانَاً؟ قالَ: نَعَمُ؛ قَيلَ وَيَكُونُ بَخِيلًا؟ قالَ نَعم، قِيلَ يَكُونُ كَذاباً قالَ: لَا»[3].
ونفس هذا المضمون ورد بصورة اخرى عن أميرالمؤمنين عليه السلام حيث يقول:«لا يَجِدُ الْعَبْدُ طَعْمَ الإِيِمانِ حَتّى يَتْرُكَ الْكِذْبَ هَزْلَهُ وَجِدَّهُ»[4].
ولكن لماذا لا ينسجم الكذب مع الإيمان؟ لأنّ الكذب إمّا أن يكون لغرض تحصيل الإنسان لمنفعة معيّنة أو للخلاص من مشكلة وأزمة، فلو كان إيمان الإنسان قوياً ومستحكماً في القلب فأنّه يرى أنّ الخير والشر كلاهما بيد اللَّه تعالى وهو الذي بأمكانه حلّ مشكلاته وإنقاذه من الازمات التي يمر بها في مواجهة تحدّيات الواقع والحياة وهو الذي يدفع عن الإنسان أنواع البلايا والمخاطر، فلو أنّ الإنسان تمسك بغصن من أغصان التوحيد
[1]. بحار الانوار، ج 69، ص 263.
[2]. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 357.
[3]. جامع السعادات، ج 2، ص 322.
[4]. اصول الكافي، ج 2، ص 34، ح 11.
الأفعالي واعتقد بذلك بصدق فلا يجد نفسه بحاجة إلى التمسّك بذيل الكذب حينئذٍ.
4- ونقرأ في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله:«وَشَرُّ الْقُولِ الْكِذُبُ»[1]، لأنّ آثاره السلبية والمدّمرة أشد من كل ذنب آخر.
5- ونقرأ أيضاً في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام حيث يقرّر أنّ الكذب من أعظم الخطايا ويقول:«أَعْظَمُ الْخِطايا عِنْدَ اللَّهِ الْلِسانُ الْكَذُوبِ وِشَرُّ النَّدامَةِ نَدامَةُ يَوْمِ الْقِيامَةِ»[2].
6- وورد في حديث آخر أنّ الكذب مصدر الفجور ومنبع الفحشاء وسبب الدخول في النار كما في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حيث يقول:«إِيَّاكُم وَالكِذبَ فإنَّ الكِذبَ يَهدِي إِلَى الفُجُورِ وَإنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النّارِ»[3].
7- إنّ الكذب لا يتناغم ولا ينسجم مع العقل كما ورد هذا المضمون في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال:«إِنَّ العاقِلَ لايَكذِبُ وَإِن كانَ فَيهِ هَواهُ»[4].
8- إنّ الكذب يبعد ملائكة الرحمة عن هذا الإنسان الكاذب ففي حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«إِذا كَذِبَ العَبدُ تَباعَدَ المَلَكُ مِنهُ مَسيرَةَ مِيلٍ مِنْ نَتِنِ ما جاءَ بِهِ»[5].
لأنّ الإنسان إذا تحرّك في تعامله مع الآخرين من موقع الكذب، فإنّه يتظاهر في نفس الحال بمظهر الصدق في حين أنّ باطنه يختلف عن ذلك، وهذا الاختلاف بين الظاهر والباطن نوع من أنواع النفاق، ولذلك كان الكذب من جملة الأعمال الشائعة لدى المنافقين.
10- إن الكاذب يخسر اعتماد الناس وثقتهم به كما نقرأ ذلك في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام:«مَنْ عُرِفَ بِالكِذبِ قَلَّتْ الثِّقَةُ بِهِ»[6].
[1]. نهج البلاغة، الخطبة 84.
[2]. المحجة البيظاء، ج 5، ص 243، وورد شبيه هذه الحديث مع تفاوت يسير في كنز العمال عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله (كنز العمال، ج 3، ص 619، ح 8203).
[3]. كنز العمال، ح 8219.
[4]. بحار الانوار، ج 75، ص 305.
[5]. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 357.
[6]. غرر الحكم.
والنقطة المقابلة لذلك وردت أيضاً في كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال:«مَنْ تَجَنَّبَ الكِذبَ صَدَّقَتْ أَقوالُهُ»[1].
11- ونختم هذا البحث الطويل بحديث آخر من الأحاديث الحكيمة لأمير المؤمنين عليه السلام حيث يحذّر الناس من الصداقة والتعامل مع الكاذبين ويقول:«وَإِيَّاكَ وَمُصادَقَةَ الكَذَّابِ فَإِنَّهُ كَالسَّرابِ يُقَرِّبُ عَلَيكَ البَعِيدَ وَيُبَعِّدُ عَلَيكَ القَرِيبَ»[2].
ويستفاد من الروايات أعلاه أنّ الكذب منبع الذنوب والمعاصي المختلفة وعنصر اهتزاز الإيمان باللَّه والثقة بين الناس ويعتبر أشنع أقسام الكلام وفرع من فروع النفاق ويفسد العلاقة بين أفراد المجتمع ويعمل على هدم إتّحادهم ومروءتهم وقلّما نجد مثل هذه الآثار الذميمة لذنب آخر من الذنوب الفردية والاجتماعية.
بقيت هنا نقاط مهمّة نذكرها بشكل مختصر:
الآثار السلبية للكذب:
بالرغم من أنّ الآيات والروايات المذكوره آنفاً قد درست هذه المسألة بشكل مفصّل وكشفت الستار عن نقاط مهمّة فيها، ولكن أهميّة هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أكثر وأعمق.
وأول:أثر من الآثار المضرّة والسلبية للكذب هي الفضيحة وذهاب ماء الوجه وانهيار المكانة الاجتماعية للشخص الكاذب وسلب الثقة منه لدى الناس.
وكما يقول المثل المعروف: (الكاذب قرين النسيان) فإنّ التجارب تثبت أنّ الكلام الكاذب لا يمكن أن يستمر لمدّة طويلة في حجبه الحقيقة عن الناس، وقد تطوى المسألة في زاوية النسيان إذا لم تكن ذات أهميّة، ولكن إذا كانت المسألة مهمّة فإنّ الحقيقة سوف
[1]. غررالحكم.
[2]. نهج البلاغة، القصار الكلمات، الكلمة 38.
تتجلّى في دائرة ويفتضح الكاذب حينئذٍ لا من أجل أنّ الكاذب ينسى ما قاله سابقاً، بل من أجل أنّ الكذب بنفسه لا يتأطر بأطار الحافظة، لأنّ الحادثة الواقعة في الخارج ترتبط بسلسلة من الحوادث الاخرى ومن موقع العلّة والمعلول وترتبط بما حولها من الحوادث بروابط عديدة وحتميّة، فالشخص الذي يصوغ حادثة مختلقة يجد نفسه مضطراً إلى أن يربطها بما قبلها وبعدها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص والحوادث المحيطة بها وكل ذلك يجب أن يختلقة بما ينسجم مع هذه الحالة الكاذبة، وبما أنّ هذه الروابط ليس لها حد وحصر، وعلى فرض أنّه استطاع أن يختلق عدّة حوادث وروابط منسجمة مع بعضها إلّا أنّه قد يترك ثغرات في كلامه حيث يتّضح من ذلك كذبه مثل ما رأينا من قصّة يوسف عليه السلام حيث جاء الأُخوة بقميصه الدامي إلى أبيهم واختلقوا قصّة أكل الذئب له، ولكنّهم نسوا أن يمزقوا القميص من عدّة أماكن، وهكذا إتّضح كذبهم من بقاء القميص سالماً، أو مثل زوجة عزيز مصر عندما إدّعت كذباً بأنّ يوسف كان يقصد بها سوء ولكنّها نسيت أنّ قميص يوسف عليه السلام قد قُدَّ من خلفه، وهذا دليل واضح على كذبها وأنّها هي التي كانت تلحق يوسف عليه السلام لا العكس.
وفي هذا العصر فإنّ المحققين في عالم الجريمة يستطيعون بكل سهولة ومن خلال الأسئلة المتعددة عن الحادثة ولوازمها وخصوصياتها أن يكشفوا صدق أو كذب المدّعي بحيث نادراً ما يفلت منهم كاذب دون أن يفتضح، أجل فإنّ الكاذب ليست له حافظة قويّة، وسوف يفتضح سريعاً على أيّة حال.
الثاني:من النتائج السلبية للكذب هو أنّه يجر الإنسان إلى أن يكذب مرّات عديدة أو يرتكب ذنوباً اخرى للتغطية على كذبته الاولى أو يرتكب حماقات خطيرة لهذا الغرض.
الثالث:من مضرّات الكذب هو أنّه يبيح للشخص الكاذب أن يغطي على خطيئته وإثمه ولو بشكل مؤقت ويتستر على سلوكياته المنحرفة في حين أنّه لو كان يتحرّك من موقع الصدق فإنّه يجد نفسه مضطراً إلى ترك هذه الأعمال القبيحة.
الرابع:من مضرّات الكذب هو أنّه يدفع بصاحبه إلى أن يسلك في خط النفاق ويصبح من