بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 200

هناك إعتماد على تحقيقات ودراسات الآخرين فتتوقف حركة التطور الحضاري والعلمي في المجتمع البشري.

وهناك نتائج سلبية ومضرات كثيرة اخرى تترتب على الكذب في حركة الحياة الفردية.

ومضافاً إلى هذه النتائج والآثار في حركة الحياة للإنسان فانّ هناك مضرات معنوية تترتب على الكذب وردت الإشارة إليها في الروايات الشريفة ومن ذلك:

أنّ الملائكة تبتعد عن الإنسان كما قرأنا ذلك سابقاً في الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حيث قال:«إِذا كَذِبَ العَبدُ تَباعَدَ المَلَكُ مِنهُ مَسيرَةَ مِيلٍ مِنْ نَتِنِ ما جاءَ بِهِ»[1].

والآخر إنّ الكاذب يحرم من صلاة الليل كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «انَّ الَّرجُلَ لَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ فَيُحرَمُ بِها صَلاةَ الْلَيْلِ، فَاذا حُرِمَ صَلاةُ اللَيْلِ حُرِمَ بِها الرِّزْقُ»[2].

والثالث أنّ الكذب يؤدّي إلى عدم قبول بعض العبادات، كما ورد في الصوم في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«فَإذا صُمتُم فَاحفَظُوا أَلسِنَتَكُم عَنِ الكِذبِ وَغُضُّوا أَبصارَكُم»[3].

وهذا الحديث يدلّ على أنّ مثل هذه الأعمال المنافية للأخلاق تقلّل من قيمة الصوم.

والآخر أنّ الكذب يتسبب في قطع البركات الإلهية على الإنسان كما نقرأ ذلك في الحديث الشريف عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:«إِذا كَذِبَ الولاةُ حُبِسَ المَطرُ»[4].

وقد وردت بعض الآثار السلبية للكذب في الروايات والتي لها بعد معنوي مضافاً إلى البعد الاجتماعي والظاهري، ومن ذلك ما يستفاد من الروايات المتعددة من أنّ الكذب يتسبب في حرمان الإنسان من الرزق ويؤدّي به إلى الوقوع في هوّة الفقر والمسكنة.

[1]. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 357.

[2]. بحار الانوار، ج 69، ص 360.

[3]. وسائل الشيعة، ج 7، 119، ح 13.

[4]. مسند الإمام الرضا عليه السلام، ج 1، ص 280.


صفحه 201

ففي الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين قال:«إعتِيادُ الكِذبِ يُورثُ الفَقرَ»[1].

وفي حديث آخر عن رسول اللَّه أنّه قال:«الكِذْبُ يُنقِّصُ الرِّزقَ»[2].

وهذا النقصان في الرزق يمكن أن يكون له نتائج وخيمة في دائرة الرزق المعنوي أو في العلاقات الاجتماعية، لأنّ الكذب يسلب اعتماد الناس وثقتهم من هذا الشخص الكاذب، وبذلك سوف تتحدّد فعّاليته الاقتصادية ويتراجع نشاطه الاقتصادي وبالتالي يؤدّي إلى نقصان رزقه المادي أيضاً.

دوافع الكذب:

إنّ الكذب كما هو في سائر الصفات الرذيلة له أسباب ودوافع مختلفة وأهمّها:

1- ضعف الإيمان والعقيدة، لأنّه لو كان الكاذب عالماً بأنّ اللَّه تعالى قادر رحيم وعالم بأمره فإنّه لا يجد في نفسه حاجة إلى الكذب في سبيل تحصيل المال أو نيل الجاه والمقام، ولا يرى أنّ توفيقه في حركة الحياة مرتبط بالكذب ولا يخاف من الفقر ولا من تفرق الناس من حوله وزوال موقعيته الاجتماعية وقدرته على الكسب والرزق بل يرى ذلك مرتبط باللَّه تعالى فلا يحتاج إلى الكذب في نيل تحصيلها ولذلك ورد في الرواية الشريفة عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:«جانِبُوا الكِذْبَ فإنَّ الكِذْبَ مُجانِبُ الإيمانَ»[3].

2- والآخر من دوافع الكذب هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الحالة من ضعف الشخصية والحقارة يضطرون إلى التستر على ضعفهم ودناءتهم من خلال استخدام الكذب، وقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«لا يَكذِبُ الكَاذِبُ إِلّا مِنْ مَهانَةِ نَفسِهِ عَلَيهِ»[4].

3- ومن دوافع الكذب أيضاً حالات الحسد والبخل والتكبّر والغرور والعداوة بالنسبة

[1]. بحار الانوار، 69، ص 261.

[2]. ميزان الحكمة، 17463.

[3]. بحار الانوار، ج 66، ص 386.

[4]. كنز العمال، ح 8231، (ج 3، ص 625).


صفحه 202

إلى الآخرين حيث يدفعه ذلك إلى إتهامهم بما ليس فيهم أو التحدّث عنهم من موقع الكذب، وما دامت هذه الحالات السلبية تعتلج في ذات الإنسان وباطنه فإنّه سوف لا يجد خلاصاً من الكذب.

ولهذا نرى أنّ المنافقين يتوسلون بحبل الكذب للتغطية على واقعهم السي‌ء كما تقدّمت الإشارة إليه سابقاً.

4- وممّا يورث الكذب لدى البعض هو الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والتلّوث بأنواع الذنوب والانحراف عن خط الحق والفطرة بحيث يصل به الحال إلى أن يقول: إنني إذا لم أكذب فسوف لا أستطيع التعامل مع الآخرين ونيل الموفقية في حركة الحياة الاجتماعية من الكسب والتجارة وأمثال ذلك.

5- الدوافع الاخرى لشيوع الكذب هو العلاقة الشديدة بالدنيا وحفظ المقامات الاجتماعية وحتّى أنّه قد يتوسل إلى ذلك بالكذب على اللَّه ورسوله.

ونقرأ في الخطبة 147 من نهج البلاغة قول أميرالمؤمنين عليه السلام:«وإِنّه سَيأتِي عَلَيكُم بَعدِي زَمانٌ لَيسَ فِيهِ شَي‌ءٌ أَخفَى‌ وَلا أَظهَرَ مِنَ الباطِلِ وَلا أَكثَرَ مِنَ الكِذبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ».

طرق علاج الكذب:

لابدّ لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية وقطع جذورها من واقع النفس من سلوك الطريق المستخدم لعلاج سائر الرذائل الأخلاقية الاخرى، أي التعرّف في البداية على جذورها ودوافعها، فما لم يستطع الإنسان من إقتلاع جذور هذه الرذيلة من نفسه فإنّ هذه الشجرة الخبيثة سوف تبقى وتشتد في المستقبل، فلو كان الدافع للكذب هو ضعف الإيمان والاعتقاد بالنسبة إلى التوحيد الأفعالي، فيجب عليه تقوية دعائم الإيمان في نفسه وباطنه وليعلم أنّ اللَّه تعالى قادر على كلّ شي‌ء وأنّ مفاتيح الرزق والموفقية والعزّة والكرامة بيده فقط، ولذلك يتسنى‌ له جبران عناصر الضعف في دائرة الإيمان وبالتالي يصدّه ذلك عن الكذب، وإذا كان الدافع لذلك هو الحسد والبخل والتكبّر والغرور وأمثال ذلك من الحالات‌


صفحه 203

السلبية في دائرة الأخلاق، فيجب عليه السعي لعلاجها، وليعلم أنّه ما لم يقطع عن نفسه جذور هذه الحالات السلبية ويداوي هذه الأمراض الأخلاقية فإنّه لا يتسنى‌ له أن يعيش الصدق والكرامة والشرف في حياته الفردية والاجتماعية.

ومن جانب آخر يجب عليه التفكّر في الآثار السيئة والأضرار الوخيمة للكذب والتي تسبب له الفضيحة في الدنيا والآخرة، ومن المعلوم أنّ كل شخص يتفكّر ويتدبّر جيداً فيما ذكرناه سابقاً من هذه الأضرار للكذب وخاصة ما ورد في الروايات الشريفة في هذا الباب فإنّ ذلك سيكون رادعاً قوياً له عن سلوك هذا الطريق المنحرف.

إنّ لقادة المجتمع وكبار الأشخاص في الاسرة دوراً مهمّاً في دفع الناس والأفراد نحو سلوك طريق الصدق، لأنّه لو رأى الناس أو أفراد الاسرة أنّ كبيرهم وقائدهم لا يتحرّك في تعامله مع الآخرين إلّامن موقع الصدق، فإنّهم سوف يتحرّكون كذلك في تعاملهم وسلوكهم الاجتماعي، بخلاف ما لو رأوا أنّ الكبار يتعاملون مع الآخرين بالكذب والدجل والخداع، فإنّ أفراد المجتمع والاسرة سرعان ما يتلوثوا بهذه الصفة الرذيلة.

كما نقرأ في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ضمن بيانه عدم تلقين الناس الكذب حيث يقول:«لا تُلَقِّنُوا النّاسَ فَيَكذِبُونَ فَإنَّ بَنِي يَعقُوبَ لَمْ يَعلَمُوا إِنَّ الذِّئبَ يَأَكُلُ الإِنسانَ فَلَمّا لَقَّنَهُم إِنِّي أَخافُ أَنْ يَأَكُلُهُ الذِّئبُ، قَالُوا أَكَلَهُ الذِّئبُ»[1].

أجل، فإنّ ترك الأولى هذا قد صار ذريعة بيد أبناء يعقوب ليتحرّكوا من موقع الكذب في مواجتهم للمشكلة.

وأحد الطرق المؤثرة في علاج الكذب هوإيجاد قوّة الشخصية لدى الأفراد لأنّه كما سبقت الإشارة إليه أنّ أحد العوامل المهمّة للكذب هو الشعور بالحقارة وضعف الشخصية، فالكاذب يريد جبران هذا النقص من خلال الكذب، فلو أنّه كان يجد الثقة في نفسه ويعيش حالة قوة الشخصية ويرى أنّه قادر على كسب المقامات العالية في المجتمع بما لديه من قابليات وملكات إيجابية فلا يجد في نفسه حاجة إلى اختلاق شخصية كاذبة عن نفسه‌

[1]. كنز العمال، ج 3، ص 624، ح 8228.


صفحه 204

والظهور إلى الآخرين بغير واقعه.

وخاصة إذا التفت المربّون والمصلحون إلى هذه الحقيقة في دائرة تربية الأفراد على الصدق، وهي أنّ الصادق في كلامه سيكون في مرتبة المقرّبين والصديقين عند اللَّه تعالى، يحشر مع الإنبياء والشهداء يوم القيامة، فبديهي أنّ ذلك سيكون مشجعاً وحافزاً على إقبال الناس نحو الصدق، ويقول القرآن الكريم: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً»[1].

والجدير بالذكر أن توغّل حالة الكذب الذميمة في باطن الإنسان كما هو الحال في الصفات الذميمة الاخرى يبتدأ من صغائر الامور وبالتدريج تجرّه إلى ما هو أخطر وأعظم كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام:«إِتَّقُوا الكِذبَ فِي صَغِيرِ وَكَبيرِ فِي كُلِّ جِدٍّ وَهَزَلٍ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذا كَذِبَ فِي صَغِيرِ إِجتَرأَ عَلَى الكَبِيرِ»[2].

إستثناءات الكذب:

وبالرغم من أنّ الكذب من أهمّ الذنوب وأخطرها بحال الإنسان على المستوى المادي والمعنوي، والفردي والاجتماعي، ولكن مع ذلك هناك موارد عديدة وردت في الروايات الإسلامية وكلمات الفقهاء وعلماء الأخلاق على شكل إستثناء من قبح الكذب.

وهذه الموارد عبارة عن:

1- الكذب لإصلاح ذات البين.

2- الكذب لخداع العدو وفي ميادين القتال.

3- الكذب في مقام التقية.

4- لدفع الظالمين.

5- الكذب في جميع الموارد التي يجد الإنسان نفسه وناموسه في خطر محدق ولا نجاة له إلّابالتوسل بالكذب.

[1]. سورة النساء، الآية 69.

[2]. بجار الانوار، ج 69، ص 235.


صفحه 205

ففي جميع هذه الموارد يمكننا استخلاص قاعدة كلية، وهي أنّه إذا كانت الأهداف الأهم في خطر ولا يجد الإنسان لدفع هذا الخطر إلّابواسطة الكذب فيجوز له ذلك، وبعبارة اخرى: إنّ جميع هذه الموارد مشمولة لقاعدة الأهم والمهم، وعلى سبيل المثال فلو ابتلى الإنسان بجماعة متعصبة وجاهلة ومتوحشة وسألوه عن مذهبه، فلو أنّه قال الحقيقة لهم فأنّهم سوف يسفكون دمه فوراً، فالعقل والشرع هنا لا يبيحان له أن يصدقهم في جوابه بل يجوز له الكذب حينئذٍ لإنقاذ نفسه من شرّهم، أو في الموارد التي يكون هناك اختلاف شديد بين شخصين ويجد الإنسان لحلّ هذا الاختلاف والمشكلة العالقة بينهما طريقاً إلى ذلك بالاستعانة بالكذب (كأن يقول لأحدهما أنّ الشخص الفلاني يحبّك ويذكرك بالخير دائماً في المجالس) ممّا يثير في نفس الطرف الآخر أجواء المحبّة والصفاء والصلح بينهما، وهكذا في أمثال هذه الأهداف المهمّة والغايات الخيّرة، لا أنّ الإنسان وبدافع من منافعه الشخصية والمصالح الجزئية يستخدم الكذب، فهذا الاستثناء لقبح الكذب تدخل في دائرة الضرورة ولا يصح أن تكون مسوّغاً وذريعة بيد الأفراد لاستخدام أداة الكذب في كل مورد من الموارد الجزئية.

وفي الحقيقة فإنّ اباحة الكذب في هذه الموارد الضرورية هي من قبيل حلّية (أكل الميتة) في المواقع الضرورية حيث يجب التناول منها بمقدار الضرورة ولا يسلك الإنسان هذا الطريق إلّافي مواقع الضرورة.

والدليل على هذه الاستثناءات مضافاً إلى القاعدة العقلية المذكورة أعلاه (قاعدة الأهم والمهم) هو الروايات المتعددة المذكورة في المصادر الإسلامية عن المعصومين عليهم السلام:

1- ففي حديث معروف عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«لَيسَ شَي‌ءٌ مِما حَرَّمَ اللَّهُ إلّاوَقَد أَحَلَّهُ لِمَنِ اضطُرَّ إلَيهِ»[1].

2- وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«إحلِفْ بِاللَّهِ كاذِباً ونَجِّ أَخاكَ مِنَ القَتلِ»[2].

[1]. بحار الانوار، ج 101، ص 284.

[2]. وسائل الشيعة، ج 16، ص 134، ح 4، الباب 12 من أبواب كتاب الإيمان.


صفحه 206

3- وفي حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«كُلُّ الِكذبِ يَكتُبُ عَلَى إبنِ آدَمِ إلّا رَجُلٌ كَذَبَ بَينَ رَجُلَينِ يُصلِحُ بَينَهُما»[1].

4- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«الكِذبُ مَذمُومٌ إلّافِي أَمرَينِ دَفعُ شَرِّ الظَّلَمةِ وَإصلاحُ ذاتِ البَينِ»[2].

5- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«كُلُّ الكِذْبِ مَكتُوبٌ كِذباً لامَحالَةَ إلّا أَنْ يَكذِبَ الرَّجُلُ فِي الحَربِ فَإِنَّ الحَربَ خُدعَةٌ أَو يَكُونَ بَينَ رَجُلَينِ شَحناءَ فَيُصلِحُ بَينَهُما أَو يُحَدِّثُ إِمرأَتَهُ يِرضِيها»[3].

والمراد من الجملة الأخيرة ليس هو أنّ الإنسان متى ما أراد الكذب على زوجته جاز له ذلك، بل ناظرة إلى موارد تكون الزوجة لها توقّعات كثيرة وغير معقولة من زوجها أو أنّ إمكانات الزوج لا تستوعب كلّ هذه التوقّعات ولذلك يتحرّك الزوج في تعامله معها من موقع الكذب والوعد بتحقيق مطالبها ليسكت اعتراضها وليهدّي‌ء من ثورتها ويحتمل أن تنسى ذلك فيما بعد وتنتهي المنازعة فيما بينهما.

ويصدق هذا المعنى أيضاً على توقّعات الزوج غير المنطقية كما وردت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات أيضاً.

طريق الفرار من الكذب (التورية):

التورية (على وزن توصية) تقال للكلام الذي يثير في نفس المستمع معنىً آخر غير ما يقصده القائل، أو بتعبير آخر: الكلام الذي يحتمل وجهين، ويتعلق به الأشخاص الذين يجدون في أنفسهم حرجاً من الكذب، فمن جهة لا يرتكبون ذنب الكذب، ومن جهة اخرى لا يخبرون السامع بسرهم.

[1]المحجة البيضاء، ج 5، ص 245.

[2]بحار الانوار، ج 69، ص 263.

[3]المحجة البيضاء، ج 5، ص 245.


صفحه 207

والأمثلة التالية توضّح هذا المعنى بصورة كاملة:

1- إذا سأل الإنسان: هل إرتكبت المعصية الفلانية، فيقول في مقام الجواب: استغفر اللَّه، (فالمستمع يفهم من هذه العبارة النفي في حين أنّ مراد المتكلّم هو الاستغفار من إرتكابه لذلك العمل).

2- وقد يسأل شخص من آخر: هل أنّ فلاناً قد استغابني وتكلّم عنّي بسوء أمامك؟

فيجيب: وهل أنّ هذا ممكن ومعقول (فالمستمع يفهم من هذا الكلام النفي في حين أنّ مقصود المتكلّم هو الاستفهام لا غير).

3- إذا جاء شخص إلى باب دار شخص آخر وقال: هل أنّ فلاناً موجود في البيت؟

فيقول الآخر في مقام الجواب مشيراً إلى مكان معيّن: كلا ليس هنا (فالمستمع يتصوّر أنّه غير موجود في البيت في حين أنّ مراد القائل أنّه غير موجود في ذلك المكان بالخصوص).

4- وقد سئل من أحد العلماء عن الخليفة الحق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من هو؟ ولم يكن ذلك العالم في حالة تسمح له بالجواب بصورة صحيحة وشفافة فقال في جوابه: (من بنته في بيته).

فتصوّر المستمع أنّ المراد هو أبا بكر الذي كانت إبنته عائشة في بيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في حين أنّ مراد القائل هو أنّه إبنته أي إبنة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فاطمة في بيته، أي بيت علي بن أبي طالب عليه السلام.

5- ونقرأ في قصة محادثة سعيد بن جبير مع الحجّاج عندما سأله الحجاج عدّة أسئلة كذريعة لقتله فكان ممّا سأله: كيف تجدني في نظرك؟ فقال: أنت عادل (والعادل في نظر العرب ترد في معنيين) أحدهما بمعنى العدالة والآخر بمعنى العادل عن الحق، أي الكافر أو الذي يرى عديلًا أو شريكاً للَّه‌تعالى كما ورد ذلك في القرآن الكريم: «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ»[1].

أي يجعلون له عديلًا وشريكاً.

وممّا تقدّم آنفاً يتّضح أنّ التورية ليست من الكذب، لأنّ القائل ليس في نيّته سوى‌

[1]. سورة الأنعام، الآية 1.