بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 204

والظهور إلى الآخرين بغير واقعه.

وخاصة إذا التفت المربّون والمصلحون إلى هذه الحقيقة في دائرة تربية الأفراد على الصدق، وهي أنّ الصادق في كلامه سيكون في مرتبة المقرّبين والصديقين عند اللَّه تعالى، يحشر مع الإنبياء والشهداء يوم القيامة، فبديهي أنّ ذلك سيكون مشجعاً وحافزاً على إقبال الناس نحو الصدق، ويقول القرآن الكريم: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً»[1].

والجدير بالذكر أن توغّل حالة الكذب الذميمة في باطن الإنسان كما هو الحال في الصفات الذميمة الاخرى يبتدأ من صغائر الامور وبالتدريج تجرّه إلى ما هو أخطر وأعظم كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام:«إِتَّقُوا الكِذبَ فِي صَغِيرِ وَكَبيرِ فِي كُلِّ جِدٍّ وَهَزَلٍ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذا كَذِبَ فِي صَغِيرِ إِجتَرأَ عَلَى الكَبِيرِ»[2].

إستثناءات الكذب:

وبالرغم من أنّ الكذب من أهمّ الذنوب وأخطرها بحال الإنسان على المستوى المادي والمعنوي، والفردي والاجتماعي، ولكن مع ذلك هناك موارد عديدة وردت في الروايات الإسلامية وكلمات الفقهاء وعلماء الأخلاق على شكل إستثناء من قبح الكذب.

وهذه الموارد عبارة عن:

1- الكذب لإصلاح ذات البين.

2- الكذب لخداع العدو وفي ميادين القتال.

3- الكذب في مقام التقية.

4- لدفع الظالمين.

5- الكذب في جميع الموارد التي يجد الإنسان نفسه وناموسه في خطر محدق ولا نجاة له إلّابالتوسل بالكذب.

[1]. سورة النساء، الآية 69.

[2]. بجار الانوار، ج 69، ص 235.


صفحه 205

ففي جميع هذه الموارد يمكننا استخلاص قاعدة كلية، وهي أنّه إذا كانت الأهداف الأهم في خطر ولا يجد الإنسان لدفع هذا الخطر إلّابواسطة الكذب فيجوز له ذلك، وبعبارة اخرى: إنّ جميع هذه الموارد مشمولة لقاعدة الأهم والمهم، وعلى سبيل المثال فلو ابتلى الإنسان بجماعة متعصبة وجاهلة ومتوحشة وسألوه عن مذهبه، فلو أنّه قال الحقيقة لهم فأنّهم سوف يسفكون دمه فوراً، فالعقل والشرع هنا لا يبيحان له أن يصدقهم في جوابه بل يجوز له الكذب حينئذٍ لإنقاذ نفسه من شرّهم، أو في الموارد التي يكون هناك اختلاف شديد بين شخصين ويجد الإنسان لحلّ هذا الاختلاف والمشكلة العالقة بينهما طريقاً إلى ذلك بالاستعانة بالكذب (كأن يقول لأحدهما أنّ الشخص الفلاني يحبّك ويذكرك بالخير دائماً في المجالس) ممّا يثير في نفس الطرف الآخر أجواء المحبّة والصفاء والصلح بينهما، وهكذا في أمثال هذه الأهداف المهمّة والغايات الخيّرة، لا أنّ الإنسان وبدافع من منافعه الشخصية والمصالح الجزئية يستخدم الكذب، فهذا الاستثناء لقبح الكذب تدخل في دائرة الضرورة ولا يصح أن تكون مسوّغاً وذريعة بيد الأفراد لاستخدام أداة الكذب في كل مورد من الموارد الجزئية.

وفي الحقيقة فإنّ اباحة الكذب في هذه الموارد الضرورية هي من قبيل حلّية (أكل الميتة) في المواقع الضرورية حيث يجب التناول منها بمقدار الضرورة ولا يسلك الإنسان هذا الطريق إلّافي مواقع الضرورة.

والدليل على هذه الاستثناءات مضافاً إلى القاعدة العقلية المذكورة أعلاه (قاعدة الأهم والمهم) هو الروايات المتعددة المذكورة في المصادر الإسلامية عن المعصومين عليهم السلام:

1- ففي حديث معروف عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«لَيسَ شَي‌ءٌ مِما حَرَّمَ اللَّهُ إلّاوَقَد أَحَلَّهُ لِمَنِ اضطُرَّ إلَيهِ»[1].

2- وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«إحلِفْ بِاللَّهِ كاذِباً ونَجِّ أَخاكَ مِنَ القَتلِ»[2].

[1]. بحار الانوار، ج 101، ص 284.

[2]. وسائل الشيعة، ج 16، ص 134، ح 4، الباب 12 من أبواب كتاب الإيمان.


صفحه 206

3- وفي حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه قال:«كُلُّ الِكذبِ يَكتُبُ عَلَى إبنِ آدَمِ إلّا رَجُلٌ كَذَبَ بَينَ رَجُلَينِ يُصلِحُ بَينَهُما»[1].

4- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«الكِذبُ مَذمُومٌ إلّافِي أَمرَينِ دَفعُ شَرِّ الظَّلَمةِ وَإصلاحُ ذاتِ البَينِ»[2].

5- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«كُلُّ الكِذْبِ مَكتُوبٌ كِذباً لامَحالَةَ إلّا أَنْ يَكذِبَ الرَّجُلُ فِي الحَربِ فَإِنَّ الحَربَ خُدعَةٌ أَو يَكُونَ بَينَ رَجُلَينِ شَحناءَ فَيُصلِحُ بَينَهُما أَو يُحَدِّثُ إِمرأَتَهُ يِرضِيها»[3].

والمراد من الجملة الأخيرة ليس هو أنّ الإنسان متى ما أراد الكذب على زوجته جاز له ذلك، بل ناظرة إلى موارد تكون الزوجة لها توقّعات كثيرة وغير معقولة من زوجها أو أنّ إمكانات الزوج لا تستوعب كلّ هذه التوقّعات ولذلك يتحرّك الزوج في تعامله معها من موقع الكذب والوعد بتحقيق مطالبها ليسكت اعتراضها وليهدّي‌ء من ثورتها ويحتمل أن تنسى ذلك فيما بعد وتنتهي المنازعة فيما بينهما.

ويصدق هذا المعنى أيضاً على توقّعات الزوج غير المنطقية كما وردت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات أيضاً.

طريق الفرار من الكذب (التورية):

التورية (على وزن توصية) تقال للكلام الذي يثير في نفس المستمع معنىً آخر غير ما يقصده القائل، أو بتعبير آخر: الكلام الذي يحتمل وجهين، ويتعلق به الأشخاص الذين يجدون في أنفسهم حرجاً من الكذب، فمن جهة لا يرتكبون ذنب الكذب، ومن جهة اخرى لا يخبرون السامع بسرهم.

[1]المحجة البيضاء، ج 5، ص 245.

[2]بحار الانوار، ج 69، ص 263.

[3]المحجة البيضاء، ج 5، ص 245.


صفحه 207

والأمثلة التالية توضّح هذا المعنى بصورة كاملة:

1- إذا سأل الإنسان: هل إرتكبت المعصية الفلانية، فيقول في مقام الجواب: استغفر اللَّه، (فالمستمع يفهم من هذه العبارة النفي في حين أنّ مراد المتكلّم هو الاستغفار من إرتكابه لذلك العمل).

2- وقد يسأل شخص من آخر: هل أنّ فلاناً قد استغابني وتكلّم عنّي بسوء أمامك؟

فيجيب: وهل أنّ هذا ممكن ومعقول (فالمستمع يفهم من هذا الكلام النفي في حين أنّ مقصود المتكلّم هو الاستفهام لا غير).

3- إذا جاء شخص إلى باب دار شخص آخر وقال: هل أنّ فلاناً موجود في البيت؟

فيقول الآخر في مقام الجواب مشيراً إلى مكان معيّن: كلا ليس هنا (فالمستمع يتصوّر أنّه غير موجود في البيت في حين أنّ مراد القائل أنّه غير موجود في ذلك المكان بالخصوص).

4- وقد سئل من أحد العلماء عن الخليفة الحق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من هو؟ ولم يكن ذلك العالم في حالة تسمح له بالجواب بصورة صحيحة وشفافة فقال في جوابه: (من بنته في بيته).

فتصوّر المستمع أنّ المراد هو أبا بكر الذي كانت إبنته عائشة في بيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في حين أنّ مراد القائل هو أنّه إبنته أي إبنة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فاطمة في بيته، أي بيت علي بن أبي طالب عليه السلام.

5- ونقرأ في قصة محادثة سعيد بن جبير مع الحجّاج عندما سأله الحجاج عدّة أسئلة كذريعة لقتله فكان ممّا سأله: كيف تجدني في نظرك؟ فقال: أنت عادل (والعادل في نظر العرب ترد في معنيين) أحدهما بمعنى العدالة والآخر بمعنى العادل عن الحق، أي الكافر أو الذي يرى عديلًا أو شريكاً للَّه‌تعالى كما ورد ذلك في القرآن الكريم: «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ»[1].

أي يجعلون له عديلًا وشريكاً.

وممّا تقدّم آنفاً يتّضح أنّ التورية ليست من الكذب، لأنّ القائل ليس في نيّته سوى‌

[1]. سورة الأنعام، الآية 1.


صفحه 208

الصدق وإرادة الجانب الصادق من كلماته، رغم أنّ المستمع يتصوّر المعنى الآخر من ذلك الكلام، ومن الواضح أنّ اشتباه المستمع في فهم معنى كلام القائل لا ربط له بالقائل نفسه.

وهنا يتّضح أيضاً أنّه في الموارد التي يجد الإنسان ضرورة للاستفادة من الكذب إذا يمكن من التورية وجب عليه استخدامها للتخلّص من الوقوع في الكذب، وعلى هذا الأساس فإنّ الكذب لا يكون مباحاً في موقع الضرورة إلّافيما لو كانت أبواب التورية موصدة أيضاً، والاصطلاح العلمي أنّه لا تكون لديه مندوحة.

ومن هنا يتّضح أيضاً خطأ ما ذهب إليه الغزالي من عدّه التورية من مصاديق الكذب، ولكنّه قال بأنّ قبحها وفسادها أدقّ من مصاديق الكذب الاخرى، إلّاأن يكون مراده من التورية أمر آخر بحيث تعدّ من مصاديق الكذب واقعاً.

وعلى أيّة حال فإنّ قبح الكذب وفساده إلى درجة كبيرة بحيث أنّ الإنسان لابدّ له من إجتنابه بالمقدار الممكن حتّى لو تمكّن إجتنابه عن طريق التورية.

ونلاحظ في كلمات الأنبياء الواردة في القرآن الكريم والروايات الشريفة أنّهم قد يتخلّصون من الكذب بالتورية في بعض الحالات من قبيل ما نراه من محاججة إبراهيم عليه السلام لقومه من عَبَّدْة الأوثان عندما سألوه عن الشخص الذي إرتكب عملية تحطيم الأوثان والأصنام فقال في مقام الجواب: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ»[1].

فرغم أنّ السامع لهذا الكلام يمكن أن يفهم منه أنّ إبراهيم عليه السلام نسب تحطيم الأصنام إلى كبيرهم أي الصنم الكبير ولكنّ جملة (إن كانوا ينطقون) جاءت بعنوان شرط للمراد من الكلام، أي أنّهم لو كانوا ينطقون فإنّ هذا الفعل من فعل كبيرهم.

وكذلك جملة «إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ» التّي قالها عمال يوسف لأخوته، فمع ملاحظة الآيات السابقة قد ينعكس إلى الذهن أنّ هؤلاء الأخوة هم الذين سرقوا مكيال الملك في حين أنّ مرادهم هو سرقة الأخوة ليوسف من أبيهم في كنعان.

وخلاصة الكلام أنّ التورية والتكلّم بكلام يحتمل وجهين ليس من مصاديق الكذب‌

[1]. سورة الأنبياء، الآية 63.


صفحه 209

اطلاقاً رغم أنّ السامع قد يفهم منه شي‌ء آخر غير ما يقصده المتكلّم وغير ما يتطابق مع الواقع، ويكون مراد المتكلم صحيحاً ومتطابقاً للواقع، وأمّا من يرى في معيار الصدق والكذب هو ظاهر الكلام لا المراد والمقصود القلبي للمتكلم فيمكن أن يعتبر التورية نوع من الكذب الخفيف في حين أنّها ليست كذلك، فمعيار الصدق والكذب هو المراد الجدّي للمتكلم الذي يتطابق مع محتوى ومضمون العبارة.

مثلًا قد يسأل شخص من آخر: هل أنّ هذا اللباس قد أهداه لك الشخص الفلاني؟ في حين أنّ المخاطب قد لا يكون راغباً في نفي هذا المطلب بصراحة فيقول في جوابه من موقع التورية: أطال اللَّه عمره، فيحسب السامع من هذا الكلام أنّ المتكلم قد أجاب بالإيجاب في حين أنّ المتكلم لم يكن يقصد ذلك بل دعا إلى ذلك الشخص فقط.


صفحه 210

9- الوفاء بالعهد ونقض العهد

تنويه:

رأينا سابقاً أنّ أهم رأسمال وأقوى دعامة في حياة المجتمع الانساني هو الأعتماد المتبادل بين الأفراد، فكل شي‌ء يؤدّي إلى تقوية هذا الإعتماد والثقة المتبادلة فانّ ذلك من شأنه أن يحقق للجميع السعادة والتطور الحضاري والإنساني، وعلى العكس من ذلك فانّ كلّ شي‌ء يفضي إلى ارباك هذا العنصر المهم فأنّه يؤدّي إلى إنحطاط المجتمع وسقوطه.

ومن أهم الامور التي تعمل على تقوية دعائم الثقة العامة والخاصة بين الأفراد هو (الوفاء بالعهد والميثاق) الذي يعد من الفضائل الأخلاقية المهمة في حركة الإنسان التكاملية، وبعكس ذلك (نقض العهد) الذي يعد من أسوأ الخصال والرذائل الأخلاقية.

إنّ لزوم الوفاء بالعهد يعدّ ركناً من أركان الفطرة الإنسانية السليمة، وبتعبير آخر إنّ هذا المفهوم هو من الأمور الفطرية غير القابلة للإنكار.

والفطرة هي من الامور التي يدركها كل إنسان ويقبلها كل شخص بدون الحاجة إلى دليل وبرهان، من قبيل حسن العدل وقبح الظلم وكذلك أهمية الوفاء بالعهد وقبح نقض العهد حيث تعتبر من أوضح الامور الفطرية لدى الناس، وكل إنسان عندما يراجع وجدانه يرى صحة هذه المفاهيم ويسلم بها من موقع القبول والإذعان الوجداني، ولهذا السبب فانّ هذه‌


صفحه 211

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة