بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 235

تفسير واستنتاج:

«الآية الإولى»:من الآيات محل البحث تتعرض لطائفة من المؤمنين الضعيفي الإيمان من موقع الذم والتوبيخ بسبب ترددهم وجبنهم في ميدان القتال وتثاقلهم عن الجهاد في سبيل اللَّه فتقول: «يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمُوتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ».

القرائن تشير إلى أنّ جماعة من المسلمين الجدد الذين لم تكن لهم تجربة كافية في الحرب قد تملكهم الخوف وسيطر عليهم الجبن عندما سمعوا الأمر بالجهاد في سبيل اللَّه، ومع أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال لهم بصراحة: أنا مأمور بأمر من اللَّه تعالى في هذا الطريق، ورغم ذلك فإنّهم يجادلون النبي صلى الله عليه و آله ليثنوه عن عزمه ويعيدوه إلى المدينة وكأنّما يرون الموت على بعد خطوات منهم، وفي الواقع فإنّ ضعف الإيمان والخوف من الموت والشهادة في سبيل اللَّه دفعهم إلى التذرع بالحجج الواهية والتبريرات المختلفة لإضعاف عزم النبي صلى الله عليه و آله، القرآن الكريم يذم هذه الحالة ويصرح في الآيات اللاحقة أنّ مشيئة اللَّه قد قررت تقوية الحق وقطع جذور الكافرين (رغم سيطرة الأوهام والتخيلات على هذه الفئة من ضعفاء الإيمان).

ويستفاد جيداً من هذه الآية أنّ أحد أسباب الجدل والمراء والمناقشات غير المنطقية هو ضعف النفس والخوف من تحديات الواقع والحالة الإنهزامية لدى الشخص في مواجهة الظروف الصعبة.

وقد ورد في التواريخ الإسلامية المعروفة أنّه عندما سمع المسلمون بخبر تحرك جيش قريش من مكة لأنقاذ القافلة التجارية المتحركة في الطريق إلى مكة حيث تعرضت لتهديد المسلمين فانّ جماعة من ضعفاء المسلمين أصروا على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أن يعود إلى مكة لأنّ المسلمين في نظرهم ليست لديهم القدرة الكافية على مواجهة جيش المشركين، وأساساً أنّهم لم يخرجوا طلباً للحرب والقتال.

ويذكر أنّ أبا بكر قام فقال: يا رسول اللَّه، إنّها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، وما


صفحه 236

ذلّت منذ عزّت، ولم تخرج على هيئة حرب ..

فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: اجلس، فجلس، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: اشيروا عليَّ.

فقام عمر فقال: مثل مقالة أبي بكر.

فأمره النبي صلى الله عليه و آله بالجلوس فجلس.

ثم قام المقداد فقال: يا رسول اللَّه، إنّها قريش وخيلاؤها، وقد آمنّا بك وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند اللَّه، واللَّه لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا (نوع من الشجر الصلب) وشوك الهراس لخضناه معك، ولا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى: إذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقول: إذهب أنت وربّك فقاتلا، وإنّا معكم مقاتلون ... الخ.

فأشرق وجه النبي صلى الله عليه و آله ودعا له وسرّ لذلك‌[1]

والعجيب أنّ إبن هشام في سيرته والطبري أوردا قصة الشورى التي شكلها النبي صلى الله عليه و آله قبيل غزوة بدر ولكن عندما وصلا إلى كلام الخليفة الأول والثاني قالا بكثير من التلخيص:

«قالَ أَبُوبَكُر وَاحْسَنَ، ثُمَّ قامَ عُمَرُ بْنَ الْخَطابِ وَقالَ وَأَحْسَنَ».

واكتفيا بذلك دون أن يذكرا كلام الأول والثاني في حين أنّه لو كان الأول والثاني قد أحسنا في كلامهما لكان المفروض من هذين المؤرخين أن يذكرا مقولتهما، والحال أنّهما ذكرا كلام المقداد بتمامه، ومن هنا يتبين أنّ نقل هذين المؤرخين لا يخلو من تعصب مذهبي بإمكانه تزييف الحقائق التاريخية.

«الآية الثانية»:تتحدث عن جميع الأشخاص الذين يتحركون في حياتهم من موقع العناد والتعصب وعدم النضج الفكري والنفسي وتقول:

«وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذا الْقُرآنِ لِلناسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْانْسانُ اكْثَرَ شَى‌ءٍ جَدَلًا».

فلأجل هداية الناس فقد صرفنا وذكرنا في القرآن الكريم قصص الأوائل وحوادث‌

[1]. المغازي للواقدي، ج 1، ص 48؛ قاموس الرجال، ج 9، ص 15.


صفحه 237

التاريخ البشري وحياة الأقوام التي عاشت الظلم والجور، ولكن الإنسان يعيش حالة الجدل أمام الحق وبذلك يقطع على نفسه طريق الوصول إلى الحقيقة ويوصد أبواب نور المعرفة أمامه ويستفاد جيداً من هذا التعبير أنّ الأشخاص الذين يعيشون الطفولة الفكرية وعدم النضج في شخصيتهم هم أكثر الموجودات جدلًا ومراءاً، وعلى أية حال فانّ هذا التعبير يشير إلى أنّ الإنسان إذا إنحرف عن فطرته السليمة فأنّه يتّجه صوب الجدل ويتحرك في خط المراء والباطل ويقف أمام الحق بدافع من التعصبات والأهواء الذاتية ويوصد طريق الهداية أمامه، وهذا يمثل أكبر بلاء على الإنسان في طول التاريخ البشري.

وتستعرض‌«الآية الثالثة»:تعريفاً واضحاً للمجادلة بالباطل وتبيّن مصير أهل الجدل والمراء وتقول: «وَمِنَ الناسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ».

ورغم أنّ شأن نزول هذه الآية كما ذكره جماعة من المفسرين أنها نزلت في (النظر بن الحارث) الذي كان من المشركين المعاندين والمتعصبين جداً وكان يتحدث عن القرآن بكلمات واهية ويتصور أنّ الملائكة هم بنات اللَّه، ولكن من الواضح أنّ مفهوم هذه الآية عام وشامل لجميع الأشخاص الذين يناقشون ويجادلون بدافع من التعصب والعنادومن دون علم ومعرفة.

واللطيف أنّ الآية تذكر في آخرها أنّ هؤلاء المجادلين يتحركون في خط الشيطان المتمرد ويتبعونه، وهذا التعبير يشير إلى أنّ الجدال بالباطل هو طريق الشيطان، بل إنّ الشيطان الرجيم ينفذ في كل شخص يسعى لإثبات وجهة نظره من موقع التعصب والعناد فيسيره إلى حيث يريد.

أما وصف الشيطان بأنّه (مريد) أي المتمرد، فهو يبين هذه الحقيقة، وهي أنّ الذين يتحركون من موقع الجدل والمراء هم في صف واحد مع المتمردين على اللَّه والحق ويمثلون جبهة واحدة مقابل جبهة الحق.

والمراد من جملة (يجادل في اللَّه) هو الجدال في صفة من صفات اللَّه أو في أصل وجود


صفحه 238

اللَّه أو في قدرته وعلمه أو في أفعاله، وعلى أيّة حال فإنّ الآية الشريفة تنطلق من موقع الذم الشديد للجدال بالباطل.

قد ورد وهذا المعنى نفسه مع بعض الإضافات كذلك في (الآية الثامنة) من سورة الحج حيث تقول الآية: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدىً وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ»

وهذه إشارة إلى أنّ البحث والنقاش إذا كان مقترناً مع العلم والمعرفة، أو مع هداية أولياء الدين والإنبياء الإلهيين، أو يكون مستنداً إلى كتاب من الكتب السماوية فليس لا ضرر فيه فحسب بل يمكنه أن يكون مفتاحاً لحل الكثير من المشاكل والأزمات الفكرية والعقائدية.

ولكن عندما لا تكون هذه العناصر الثلاثة الإيجابية على طاولة البحث والنقاش (أي العلم الشخصي، وهداية الأولياء، والإستناد إلى الكتب السماوية) فانّ الجدال سوف ينزلق في طريق الأهواء والتعصبات ويتحرك الإنسان معه في خط الباطل والإنحراف وبالتالي لا تكون نتيجته سوى الضلال والشقاء.

ويستفاد من الآية التاسعة من هذه السورة التي وردت بعد هذه الآية محل البحث أنّ أحد دوافع الجدال بالباطل هو التكبر والغرور والعجب والذي يتسبب في إضلال الآخرين أيضاً، فمثل هؤلاء الأشخاص يكون مصيرهم إلى الفضيحة في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة كما تقول الآية: «ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ».

«الآية الخامسة»:من الآيات محل البحث وضمن وصفها وتعريفها لمفهوم المجادلة بالباطل تشير إلى أحد الدوافع والجذور الأصلية لهذه الرذيلة الأخلاقية في واقع الإنسان وتقول: «إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ» هؤلاء لا يوجد في قلوبهم سوى التكبر والغرور حيث يريدون تحقيق نظراتهم من وحي الأهواء والتعصّب ولكنّهم لا يصلون إلى مرادهم ومقصودهم: «إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ».

كلمة (سلطان) تستعمل في مثل هذه الموارد بمعنى‌ الدليل والحجّة والبرهان والتي‌


صفحه 239

وردت في الآية السابقة وتشمل العلم الشخصي، وهداية الأولياء، وإرشاد الكتب السماويّة، ومن الملفت للنظر أنّ الآية تقول: أنّ المصدر الأصلي للمجادلة والعناد هو حالة التكبر التي يعيشها هؤلاء الأشخاص حيث يريدون التوصّل إلى غاياتهم وطموحاتهم الدنيوّية من خلال المجادلة بالباطل ولكنّهم بدلًا أن يحققوّا ذلك لأنفسهم في حياتهم فأنّهم سوف يعيشون الذّلة والمهانة.

وبما أنّ هذه الرذيلة الأخلاقيّة هي أحد المصائد الخطرة للشيطان الرجيم فانّ الآية الكريمة تقول في ختامها: «فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»

وتنطلق‌«الآية السادسة»:لتتحدّث عن المشركين الذّين يتحرّكون في شركهم وكفرهم من موقع الأصرار والعناد ويجادلون النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في عمليّة تبرير أعمالهم وسلوكيّاتهم الخاطئة وعندما يقول لهم القرآن الكريم: إنّكم وما تعبدون من دون اللَّه حصب جهنّم فأنّهم يجادلون في ذلك ويقولون: «وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ».

ثمّ إنّ القرآن الكريم يضيف إلى ذلك أنّ هؤلاء يدركون الحقيقة جيّداً ولكنّهم يتكلّمون معك من موقع الجدل والخصام والعناد: «مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ».

ثمّ يبيّن القرآن الكريم الفرق بين المسيح والأصنام فيقول بالنسبة إلى المسيح: «إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ»[1].

وهو إشارة إلى أنّ المسيح هو عبدٌ من عبيد اللَّه لا يقبل أن يعبده النصارى‌ أبداً، ولو أنّ بعض الناس إنحرف عن جادّة الصواب وتصوّر أنّ المسيح أحد الأقانيم الثلاثة في مقام الالوهيّة فلا ذنب على‌ المسيح نفسه ولا ينبغي أن يكون من أهل النار، وعليه فانّ هذا المثل لا يقبل المقارنة مع الأصنام أو الأشخاص من أمثال فرعون وجملة: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» تشير إلى أنّ أحد مصادر ودوافع الجدال بالباطل هو حالة الخصومة والعداوة التي يعيشها الإنسان الجاهل وغير المنطقي، والغالب أنّه يعلم أنّه يسير في خط الباطل‌

[1]. سورة الزخرف، الآية 59.


صفحه 240

ولكنّ الحقد والعداوة لا يسمحان له بالتسليم في مقابل الحق والإذعان للحقيقة.

«الآية السابعة»:وبعد الإشارة إلى حرمة الميتة والأنعام التي ذبحت للاصنام أو ما ذبح بدون أن يذكر إسم اللَّه عليه فتقول «وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ»[1].

ثمّ تشير إلى أنّ الشياطين يوحون إلى أتباعهم بمفاهيم خاطئة لتبرير أفعالهم وتقول:

«وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ».

المجادلة بالباطل هنا كما يذكر جماعة من المفسّرين الكبار أمثال الطبرسي وأبو الفتوح الرازي وسيد قطب هو أنّهم كانوا يقولون أننا إذا أكلنا من لحوم الميتة، فإنّ ذلك بسبب أنّ اللَّه تعالى قد قتلها وبالتالي فهي أفضل من لحوم الحيوانات التي نقتلها بأيدينا، وفي الحقيقة فانّهم أهملوا تحريم الميتة الوارد في الشريعة الإلهية من هذا الموقع الزائف.

وهذا التبرير السخيف والباطل لأكل الميتة هو ما أوحى به شياطين الإنس والجن لأوليائهم وأتباعهم ليعينوهم على مجادلة كلام الحق بمثل هذه التبريرات الزائفة ويقارنوا بين اللّحوم الملّوثة والميتة مع اللّحوم الطاهرة التي ذبحت على اسم اللَّه تعالى ويفضّلون الاولى على الثانية.

ويستفاد من هذه العبارة أنّ مثل هذه المجادلة بالباطل تنطلق من دوافع شيطانية.

ويستفاد من بعض الروايات أنّ هذه التبريرات الواهية قد كتبها بعض المجوس في كتاب وأرسلها إلى المشركين من قريش.

«الآية الثامنة»:تتحدّث عن الجدال في حالة الاحرام للحج وتقول: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ».

ونعلم أنّ حالة الاحرام هي حالة معنويّة وروحانية سامية تصعد بالإنسان إلى حيث القرب الإلهي وأن يعيش أجواء الملكوت، ولهذا السبب فإنّ الكثير من الأعمال المباحة

[1]. سورة الأنعام، الآية 121.


صفحه 241

تصبح ممنوعة في حالة الاحرام هذه، بل إنّ بعض الامور المحرّمة تتضاعف حرمتها في هذه الحالة المقدّسة.

والمعروف حرمة 25 عمل أثناء الإحرام وأحدها هو الجدال، ورغم أنّ المشهور بين الفقهاء هو أنّ المراد من الجدال هنا هو قول (بلى واللَّه) أو قول (لا واللَّه) فالأول لإثبات المطلب والثاني لنفي المطلب، والمراد من الفسوق الكذب والتهمة والسب والشتم وإظهار التفوق على الآخرين في حال الإحرام، ولكن لا يبعد أن تكون كلمة (جدال) شاملة لكل أنواع المجادلة والمخاصمة الكلامية، وعلى أية حال فإنّ المنع من الجدال في حال الإحرام يشير إلى أنّ هذا العمل يتقاطع بشدّة مع هذه العبادة الروحانية المهمّة وتبعد الإنسان عن اللَّه تعالى.

وتتابع الآية بالقول في جملة خبريّة بأنّه (لا جدال في الحج) ممّا يبيّن تأكيداً أكثر على هذا الموضوع وكأنّها تقول: (إنّ هذا العمل يتنافى مع روح الحج).

«الآية التاسعة»:تتحدّث عن (المراء) وهو كلام يشبه الجدال وتقول: «أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ».

وبديهي إنّ الهداية تتفرع في واقعها على أن يكون الإنسان طالباً للحق بحيث يقبله من أي مكان ويتقبّله برحابة صدر دون أن يجد في نفسه تعصّباً وتكبراً عليه، وكلّما عاش الإنسان حالة الكبر والغرور والتعصّب فإنّ ذلك من شأنه أن يكون مانعاً جدياً من التسليم أمام الحق وأن ينزلق الإنسان في وادي الضلالة والانحراف الشديد.

أمّا الفرق بين الجدال والمراء وكذلك النقاط المشتركة بينهما فسيأتي لاحقاً.

«الآية العاشرة»:والأخيرة من الآيات مورد البحث تتحدّث عن عناد قوم لوط وأنّ نبيّهم الكريم حذّرهم من عذاب اللَّه وأنّ هذا العذاب ينتظرهم بالتأكيد إذا استمروا على غيّهم وعصيانهم، فلم يقبلوا كلامه وقاموا بوجهه من موقع المجادلة والمراء، تقول الآية: «وَلَقَدْ


صفحه 242

أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ».

وكان هذا هو السبب في أن يبقى قوم النبي لوط عليه السلام في حجاب الغفلة والجهل إلى أن صدر أمر اللَّه تعالى بعذابهم فأصاب الزلزال الشديد مدنهم وأمطرت عليهم السماء حجارة فلم يبق من بيوتهم وأجسامهم إلّاالدمار والخراب، أجل فإنّ هذه هي نتيجة الجدال والمراء في مقابل الحق.

هذه الآيات الشريفة توضح جيداً أخطار هاتين الرذيلتين الأخلاقيتين وتبيّن كيف أنّ الإنسان وبسبب الجدال والمراء يتأخر عن قافلة الهداية والرشاد ويكون من أتباع الشيطان ويلبس ثياب ولايته ويتحرّك في الضلال البعيد ويقع بالتالي في دوامة العذاب الإلهي الخالد.

الفرق ين الجدال والمراء والخصومة:

إنّ كلمة (جدل) و (جدال) كما يقول الراغب في مفرداته (جدلت الحبل) أي شددته والجدل شدّة الفتل، وكأنّ المجادل يريد من خلال كلامه الجاد مع الخصم أن يبعده بالقوة من أفكاره وعقائده.

وذكر البعض أنّ (الجدال) في الأصل بمعنى المصارعة والسعي للتغلب على الآخر وطرحه على الأرض، وبما أنّ الشجار اللفظي والكلامي يشبه هذا المعنى إلى حدٍ كبير استخدمت هذه الكلمة في هذا المعنى.

وبالطبع فإنّ الجدال على قسمين: الجدال بالحق والجدال بالباطل، والأول ممدوح والثاني مذموم، ومن ذلك نجد أنّ القرآن الكريم يقول في مورد: «وَجادِلهُم بِالّتِي هِي أَحسَن»[1].

وهنا نجد أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مأمور بجدالهم بالحق وورد ذلك إلى جانب الحكمة والموعظة الحسنة.

[1]. سورة النحل، الآية 125.