بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 244

وما يترتب على ذلك من المفاسد والاضرار الكثيرة، نرى أنّ الروايات الإسلامية قد نهت عن الجدال والمراء بشدّة خاصّة إذا كان بالنسبة إلى الامور الدينيّة ومن ذلك:

1- ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«ما ضَلَّ قَومٌ بَعدَ أَنْ هَداهُمُ اللَّهُ إلّااوتُوا الجَدَلَ»[1].

2- وهذا المضمون ورد أيضاً في حديث آخر مع تفاوتٍ يسير عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أيضاً حيث قال:«ما ضَلَّ قَومٌ إلّاأَوثَقُوا بالجَدَلَ»[2].

3- وقد ورد في حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي دِينِهِ اولئِكَ مَلعُونُونَ عَلى‌ لِسانِ نَبِيِّهِ»[3].

4- وفي حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال:«الجَدَلُ فِي الدِّينِ يُفسِدُ اليَقِينَ»[4].

5- في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِيّاكُم وَالخُصُومَةَ فِي الدِّينِ فَإنَّها تُشغِلُ القَلبَ عَنْ ذِكرِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ وَتُورثُ النِّفاقِ، وَتَكسِبُ الضَّغائِنَ، وَتَستَجِيرُ بالكِذبَ»[5].

والتعبير بالخصومة في الدين رغم أنّها لا تنطوي تحت عنوان الجدال ولكنّها من الموارد الشبيهة بهذا المعنى.

6- ونظير هذا المعنى ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال:«إِيَّاكَ وَالخُصُومَةَ فَإنَّها تُورثُ الشَّكَّ وَتَحبِطُ العَمَلَ وَتُردِي بِصاحِبِها»[6].

7- ومن نصائح لقمان الحكيم لابنه في ترك الجدال:«يا بُنَيَّ لاتُجادلِ العُلَماءَ فَيَمقُتُوكَ»[7].

8- ونقرأ في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام:«مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالجَدَلِ تَزَندَقَ»[8].

[1]. احياء العلوم، ج 3، ص 1553.

[2]. بحار الانوار، ج 2، ص 138، ح 52.

[3]. المصدر السابق، ص 129، ح 13.

[4]. غرر الحكم.

[5]. بحار الانوار، ج 2، ص 128، ح 6.

[6]. المصدر السابق، ص 134، ح 30.

[7]. مجموعة الورام، ج 1، ص 117، (باب ما جاء في المراء والمزاح).

[8]. المحجة البيضاء، ج 1، ص 107.


صفحه 245

9- قال الإمام على بن موسى الرضا عليه السلام لأحد أصحابه:«أَبلِغْ عَنِّي أَولِيائِي السَّلامَ وَقَلْ لَهُم أَنْ لايَجعَلُوا لِلشِّيطانِ عَلى‌ أَنفُسِهِم سَبِيلًا وَمُرهُم بِالصِّدقِ فِي الحَدِيثِ وَأَداءِ الأَمانَةِ وَمُرهُم بِالسُّكُوتِ وَتَركِ‌الجِدالِ فِيما لايَعنِيهم»[1].

10- نختم هذا البحث بحديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عن نسبة الإيمان والمراء والجدال، حيث يقول:«لا يَستَكمِلُ عَبدٌ حَقِيقَةَ الإِيمانِ حتَّى‌ يَدَعَ المِراءَ وَالجَدَلَ وإِن كانَ مُحِقّاً»[2].

أمّا المراء الذي سبق وأن قلنا بالفرق بينه وبين الجدال فحاصل الكلام هو أنّ الجدال يعني كل شكل من أشكال الشجار اللفظي والنزاع الكلامي، في حين أنّ المراء يأتي بمعنى المباحثة في شي‌ء يكون فيه شك وترديد، فتارة تكون هذه المباحثة بدافع من طلب الحق وتوضيح المطلب، واخرى تكون بدافع من التعصّب‌واللّجاجة وإظهار التفوّق والفضل على الطرف الآخر، وهذه الحالة مذمومة جداً، وفي الروايات الإسلامية ينصب الذم على هذا النوع من المباحثة اللفظية، رغم عدم وجود تفاوت كبير بينه وبين الجدال.

1- ورد في الحديث الشريف معنى المراء بما تقدم أعلاه، فعن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال:«لا يَستَكمِلُ عَبدٌ حَقِيقَةَ الإِيمانِ حتَّى‌ يَدَعَ المِراءَ وَالجَدَلَ وإِن كانَ مُحِقّاً»[3].

وهذا إشارة إلى أنّ المناقشة والمنازعة اللفظية من موقع اللجاجة وبدافع من إظهار التفوّق والفخر على الآخر حتّى في المسائل الحقّة تكون سبباً في سقوط الإنسان على المستوى الأخلاقي والعقائدي.

2- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً بواسطة عدّة أشخاص من الصحابة الذين قالوا: دخل رسول اللَّه يوماً علينا ونحن نتمارى في شي‌ء من أمر الدين فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله ثم قال:«إِنّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبلَكُم بِهذا، ذَرُوا المِراءَ فَإِنَّ المُؤمِنَ لإ

[1]ميران الحكمة، ج 1، ص 273.

[2]المحجة البيضاء، ج 5، ص 208.

[3]بحار الانوار، ج 2، ص 139، ح 53.


صفحه 246

يُمارِي، ذَرُوا المِراءَ فَإنَّ المِماري قَدْ تَمَّتْ خَسارَتُهُ، ذَرُوا المِراءَ فَانا المِماري لاأَشفَعُ لَهُ يَومَ القِيامَةِ، ذَرُوا المِراءَ فَانا زَعِيمٌ بِثَلاثَةِ أَبياتٍ فِي الجَنَّةِ فِي رِياضِها وَأَوسَطِها وَأَعلاها لِمَنْ تَرَكَ المِراءِ وَهُوَ صادِقٌ، ذَرُوا المِراءَ فَإنَّ أَوَّلَ ما نَهانِي عَنهُ رَبِّي بَعدَ عِبادَةِ الأَوثانِ المِراءُ»[1].

3- وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«ذَرُوا المِراءَ فَإنّه لاتَفهَمُ حِكمَتُهُ وَلا تُؤمَنُ فِتنَتَهُ»[2].

وهو إشارة إلى أنّ الشخص المماري يرى أنّه لم يعرف نفسه ولا الآخرين، ومثل هذا الشخص يعيش أجواء الحرمان من إدراك الحقائق الدينية قطعاً.

5- وجاء في حديث آخر أنّ رجلًا قال للإمام الحسين عليه السلام اجلس اناظرك في الدين، فأجابه الإمام:«يا هذا أَنَا بَصِيرٌ بِدِينِي مَكشُوفٌ عَلَيَّ هُداي فَإن كُنتَ جاهِلًابِدِينِكَ فَاذهَبْ وَاطلُبهُ، مالِي وَللمُماراتِ وإِنَّ الشَّيطانَ لِيُوسوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُناجِيهِ وَيَقُولُ ناظِرِ النَّاسَ فِي الدِّينِ كَي لايَظُنُّوا بِكَ العَجزَ وَالجَهلَ»[3].

6- وفي حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«أَربَعٌ يُمِتْنَ القُلُوبَ الذِّنبُ عَلى‌ الذَّنبِ وَكَثرَةُ مُناقشَةِ النِّساءِ يَعنِي مُحادَتَهُنَّ وَمُماراتُ الأَحمَقِ تَقُولُ وَيَقُولُ وَلا يَرجَعُ إِلى‌ خَيرٍ وَمُجالَسَةُ المَوتى‌، فَقِيلَ: يا رَسُولُ اللَّهِ وَما المَوتى‌، قَالَ: كُلُّ غَنِيٍ مُترَفٌ»[4].

7- جاء عن أميرالمؤمنين قوله:«إِيّاكُم وَالمِراءِ وَالخُصُومَةَ فَإِنَّهُما يَمرُضانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخوانِ وَينبِتُ عَلَيهِما النِّفاقِ»[5].

[1]بحارالانوار، ج 2، ص 139، ح 50.

[2]المصدر السابق، ص 134، ح 31.

[3]المصدر السابق، ح 32.

[4]. المصدر السابق، ص 128، ح 10.

[5]. المصدر السايق، ص 139، ح 56.


صفحه 247

8- ولهذا فقد ورد في حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال في خطاب له أمام حشدٍ من المسلمين:«أَورَعُ النّاسِ مَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كانَ مُحِقاً»[1].

9- وفي رواية عن الإمام أميرالمؤمنين صلى الله عليه و آله أنّه قال:«جِماعُ الشَّرِّ اللِّجاجُ وَكَثرَةُ المِمارَاةِ»[2].

10- ونختم هذا البحث بحديث آخر عن سلمان الفارسي عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«لا يُؤمِنُ رَجُلُ حَتّى‌ يُحِبُّ أَهلِ بَيتِي وَحَتّى‌ يَدَعَ المِراءَ وَهُوَ مُحِقٌّ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطابِ:

ما عَلامَةُ حُبِّ أَهلِ بَيتِكَ؟ قالَ: هذا، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى‌ عَليِّ بنِ‌أَبِي طالِبٍ عليه السلام»[3].

ولا شك أنّ هذين الموضوعين يرتبطان ببعضهما برابطة وثيقة حيث ذكرهما النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في كلامه مقترنين، ولعل هذه الرابطة من جهة أنّ دلائل فضل الإمام علي وأهل بيته عليهم السلام إلى درجة من الوضوح والبداهة بحيث يقبلها كل إنسان يتحرّك من موقع الإنصاف ويبتعد عن الجدال والمراء والخصومة ويهدف إلى طلب الحقيقة.

إنّ الروايات الشريفة في ذمّ المراء كثيرة جدّاً، وما ذكر من الروايات العشر أعلاه إنّما هي نماذج وعيّنات من هذا الباب والنظر الدقيق في هذه الأحاديث والروايات يكفي لكي يحيط الإنسان بأخطار هذا الخلق الذميم وعواقبه الوخيمة وآثاره المخرّبة على المستوى الفردي والاجتماعي.

الآثار السلبية للجدال والمراء:

إنّ التأكيدات الكثيرة الواردة في الآيات القرآنية والروايات المتواترة الإسلامية في ذم الجدال والمراء والخصومة في المباحثات الكلامية إنّما هي من أجل أنّ أول نتائج هذا العمل المضرّة وهذا الخلق السي‌ء هو التستّر والتغطية على الحقائق بحيث يجعل بين الإنسان وبين الحقيقة حجاباً سميكاً وسحابة سوداء على بصيرة الإنسان بحيث لا يدرك معها أوضح البديهيّات ويتحرّك في مناقشاته من موقع إنكار الامور الضرورية أو يدافع عن‌

[1]. المصدر السابق، ص 127، ح 3.

[2]. غرر الحكم.

[3]. سفينة البحار، مادة «مَرَء» بحار الانوار، ج 27، ص 107، ح 79.


صفحه 248

بعض المواضيع التي تدعو للسخريّة، وليس هذا إلّابسبب أنّ الإنسان عندما تتصاعد عنده روح الجدال وتشتد حرارة الكلام فيه فأنّه يقوم بإنكار كل ما لا يراه مصيباً في نفسه ولا يتوافق مع كلامه.

وبما مرّ علينا من الروايات الشريفة تقرّر أنّ الخصومة والجدال والمراء تمرض القلب فإنّه من الممكن أن تكون إشارة إلى هذا المعنى، لأنّ القلب يأتي بمعنى العقل، ومرض القلب بمعنى عدم درك الحقائق والواقعيات، ولذا رأينا في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الأشخاص الذين يعيشون الجدال والمراء تكون عاقبتهم ومصيرهم إلى الكفر، أو أنّ الجدال يسبب الشك في دين اللَّه وفساد اليقين، كل هذا إشارات لطيفة إلى ما تقدّم آنفاً من أضرار الجدال والمراء.

والآخر من الآثار السلبية لهذه الصفة الأخلاقية الذميمة هوإيجاد العداوة والبغضاء بين الأصدقاء ونسيان ذكر اللَّه تعالى وجرّ الإنسان إلى الكثير من أنواع الكذب في الكلام حيث مرّت الإشارة إلى ذلك في الأحاديث الشريفة السابقة، والسبب في ذلك واضح، لأنّ الشخص الذي يريد إثبات تفوّقه على أقرانه من خلال الجدال والمراء فإنّه يعمل على تحريك الطرف الآخر ضدّه ليحمى‌ وطيس النقاش وغالباً ما نجد في كلامه عناصر التحقير والسخرية بالطرف الآخر، وهذه من أسوأ أسباب النفاق وإيجاد العداوة بين الأشخاص وحتّى أنّه أحياناً ومن أجل تبرير كلامه يتوسّل بأنواع الكذب، وهذا بحد ذاته بلاء كبير آخر، ومجموع هذه الامور تؤدّي بالإنسان إلى الابتعاد عن اللَّه تعالى ويسقط في فخاخ الشيطان وشراكه وبالتالي يكون مصيره إلى الهلاك المعنوي والسقوط الإنساني.

ولهذا قرأنا في الأحاديث السابقة أنّ الإنسان لا يصل إلى حقيقة الإيمان إلّاإذا ترك المراء والجدال حتى لو كان محقّاً، لأنّ النزاع اللفظي حتى في مسائل الحق والدين يتسبب في إيجاد أنواع الخصومات والعدوان وأحياناً يجر الإنسان إلى ارتكابه الكثير من الذنوب من قبيل: تحقير المؤمن وإهانته بالكلام أو بالإشارة باليد والعين والكذب والتكبّر وحبّ التفوّق وأمثال ذلك.


صفحه 249

مضافاً إلى هذا أنّ الجدال والمراء يذهب وقار الإنسان ويكسر من شخصيته ومروءته بحيث ينفتح عليه لسان الجهلاء إذا اشترك في مجادلة معهم ويتسبب في هتك حرمته والإهانة له، وإذا جادل العلماء فإنّه يذوق مرارة الهزيمة ويفتضح أمره ويكشف عن جهله وحقارته.

ومن مجموع ما مرّ وكما قرأنا في الروايات السابقة أنّ الجدال والمراء يعدّ أحد الامور الأربعة التي تؤدّي إلى مرض قلب الإنسان وروحه.

فما أحسن بالإنسان أن يتباحث مع الآخرين من موقع المحبّة والصداقة والتواضع وبدافع من طلب الحق والحقيقة حيث يؤدّي ذلك إلى زيادة علمه ومعرفته والاستفادة من علوم الآخرين لإيضاح الحقيقة أكثر وحل المشاكل العلميّة العويصة والقيود المعرفيّة التي بأمكانها أن توصل الإنسان إلى أجواء المعرفة والإطّلاع على المجهول، وهذا هو الجدال بالحق.

دوافع الجدال والمراء:

ونظراً إلى وجود علاقة وثيقة بين الصفات الرذيلة في واقع الإنسان حيث ترتبط غالباً فيما بينها بعلاقة العلّة والمعلول، يتّضح من ذلك أنّ هذه الصفة الذميمة، أي الجدال والمراء والخصومة من موقع الجهالة، تنشأ من صفات قبيحة اخرى:

1- إنّ من العوامل المهمّة للجدال والمراء هو حالة الكبر والغرور في النفس والتي لا تسمح للإنسان أن يذعن أمام الحق، بل تدفعه لغرض حفظ التفوّق على الطرف الآخر إلى سلوك طريق الجدال والمراء وإنكار ما يتّضح له أنّه الحق، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه الكرام عليهم السلام:«إِنّ مِنَ التَّواضُعِ أَنْ يَرضى‌ الرَّجُلُ بِالمَجلِسِ دُونَ المَجلِسِ وَأَنْ يُسَلِّمَ عِلى‌ مَنْ يَلقى‌ وَأَنْ يَترُكَ المِراءَ وَإِنْ كانَ مُحِقَّاً وَلا يُحِبَّ أَنْ يُحمَدَ عَلَى التَّقوى‌»[1].

[1]. بحار الانوار، ج 2، ص 131، ح 20.


صفحه 250

2- وأحد الدوافع الاخرى للجدال والمراء والنزاعات اللّفظية هو الظهور بمظهر العالم المتفوّق وإظهار الفضل على الآخرين، وهذه الحالة متداولة كثيراً في أجواءنا الاجتماعية وخاصّة في المجلس الذي يحضره جماعة من العوام ويريد هذا الشخص أن يظهر نفسه وفضيلته أمامهم أو يريد أن يفتح له مكاناً بين أرباب العلم والمعرفة، وجاء في الحديث الشريف الذي ذكرناه سابقاً عن الإمام الحسين عليه السلام قوله:«وإِنَّ الشَّيطانَ لِيُوسوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُناجِيهِ وَيَقُولُ ناظِرِ النَّاسَ فِي الدِّينِ كَي لايَظُنُّوا بِكَ العَجزَ وَالجَهلَ»[1].

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقسّم طلّاب العلم إِلى ثلاثة أقسام، وطائفة منهم طلبوا العلم للجدال والمراء، وطائفة اخرى للفخر على الناس، وثالثة لغرض فهم الحقيقة والتعلّم والعمل بذلك، ثمّ يصف الإمام حال الطائفة الاولى ويقول:«فَصاحِبُ الجَهلِ والمِراءِ مُوذٍ مُمارٍ مُتَعَرِّضٍ لِلمَقالِ فِي أَندِيةِ الرِّجالِ».

وفي ذيل هذا الحديث الشريف يلعن الإمام مثل هذا الشخص ويقول:«فَدَقَّ اللَّهُ مِنْ هذا خَيشُومَهُ»[2].

3- ومن الدوافع الاخرى للجدال والمراء والتعصّب الكلامي هو الجهل بمقام الذات ومقام الآخرين، لأنّه يرى نفسه أكبر وأعلم من واقعه ويرى الآخرين يعيشون الجهل وعدم العلم، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام والذي ذكرناه فيما سبق بعد أن يعدّ الإمام المراء بأنّه أحد الأمراض الخطرة لقلب الإنسان وأنّه من الأخلاق الشيطانية يقول:«فَلا يُمارِي فِي أَيِّ حالٍ إلّامَنْ كانَ جاهِلًا بِنَفسِهِ وَبِغَيرِهِ»[3].

4 و 5- حبّ الانتقام والحسد يعتبران من العوامل المهمّة الاخرى التي تدفع بالإنسان إلى الجدال والمراء، فلغرض تسقيط شخصية الطرف المقابل والانتقام منه وإشباع حالة الحسد في نفسه أو تضعيف مكانة الطرف الآخر أمام الانظار فإنّه يستخدم أداة الجدل‌

[1]. بحارالانوار، ج 2، ص 135، ح 32.

[2]. مقدمة كتاب معالم الاصول، ص 11.

[3]. بحار الانوار، ج 2، ص 134، ح 31.


صفحه 251

والبحث العلمي المقترن مع الأهانة والتحقير ليستطيع بهذه الوسيلة أن يروي ظمأه إلى الانتقام من الطرف الآخر ويصب الماء على نار الحقد والحسد المستعرة في قلبه.

6- ومن العوامل المهمّة الاخرى التعصّب واللّجاجة، لأنّ الشخص المتعصّب واللّجوج غير مستعد أن يقبل التنازل عن عقائده الفاسدة بسهولة، ولذلك يجد في نفسه تعصّباً للتوقف عليها وحفظها والدفاع عنها بالمجادلة والبحث الكلامي ويتشبّث بكل وسيلة لإثبات صحّة كلامه وبطلان كلام الطرف الآخر، وهذا هو ما نجده في سلوك الكثير من الكفّار والمشركين أمام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسائر الأنبياء الكرام عليهم السلام حيث تقدّم مثال واضح لذلك من مباحثة عبدة الأوثان ونمرود مع النبي ابراهيم عليه السلام، وذلك عندما وجدوا أنفسهم أمام الكلام المنطقي والرصين لأبراهيم عليه السلام فوقعوا في حيرة من الأمر وانتبهوا مؤقتاً من نوم الغفلة ولكن حالة التعصّب واللّجاجة أسدلت على عقولهم وقلوبهم سحابة ظلمانية منعتهم من قبول الحقيقة والإذعان وانطلقوا مرّة اخرى في تأكيد معتقداتهم السخيفة من موقع الدفاع عنها بالأدلة الواهية والجدال الأجوف.

7- ومن العوامل المهمّة للجدال والمراء أيضاً (حبّ الدنيا) الذي يعدّ عاملًا أساسياً لجميع الذنوب أو أكثرها، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الصفة الرذيلة يريدون كسب المقام والوجاهة الاجتماعية من خلال سلوك هذا الطريق لإثبات أعلميّتهم وذكائهم وبذلك يتمكّنوا من نيل أهدافهم الدنيوية وتحصيل بعض المقامات الوهميّة والعناوين الزائفة.

وخلاصة الكلام هي أنّ العوامل السلبية الكثيرة تتفق مع بعضها لدفع الإنسان إلى الخوض في الجدال والمراء بعيداً عن الأدب والخلق الإنساني والإنصاف وتجرّه إلى الدخول في دائرة اللّجاجة والعناد أمام الحق والدفاع عن الباطل.

أقسام المراء والجدال:

يمكن تقسيم الجدال والمراء إلى قسمين:

الجدال والمراء على المستوى الإيجابي، أي أن يتباحث مع الآخرين على مستوى البحوث المنطقية لغرض تبييّن الحقائق وتوضيح ما أشكل من المسائل الغامضة والاطّلاع‌