بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 249

مضافاً إلى هذا أنّ الجدال والمراء يذهب وقار الإنسان ويكسر من شخصيته ومروءته بحيث ينفتح عليه لسان الجهلاء إذا اشترك في مجادلة معهم ويتسبب في هتك حرمته والإهانة له، وإذا جادل العلماء فإنّه يذوق مرارة الهزيمة ويفتضح أمره ويكشف عن جهله وحقارته.

ومن مجموع ما مرّ وكما قرأنا في الروايات السابقة أنّ الجدال والمراء يعدّ أحد الامور الأربعة التي تؤدّي إلى مرض قلب الإنسان وروحه.

فما أحسن بالإنسان أن يتباحث مع الآخرين من موقع المحبّة والصداقة والتواضع وبدافع من طلب الحق والحقيقة حيث يؤدّي ذلك إلى زيادة علمه ومعرفته والاستفادة من علوم الآخرين لإيضاح الحقيقة أكثر وحل المشاكل العلميّة العويصة والقيود المعرفيّة التي بأمكانها أن توصل الإنسان إلى أجواء المعرفة والإطّلاع على المجهول، وهذا هو الجدال بالحق.

دوافع الجدال والمراء:

ونظراً إلى وجود علاقة وثيقة بين الصفات الرذيلة في واقع الإنسان حيث ترتبط غالباً فيما بينها بعلاقة العلّة والمعلول، يتّضح من ذلك أنّ هذه الصفة الذميمة، أي الجدال والمراء والخصومة من موقع الجهالة، تنشأ من صفات قبيحة اخرى:

1- إنّ من العوامل المهمّة للجدال والمراء هو حالة الكبر والغرور في النفس والتي لا تسمح للإنسان أن يذعن أمام الحق، بل تدفعه لغرض حفظ التفوّق على الطرف الآخر إلى سلوك طريق الجدال والمراء وإنكار ما يتّضح له أنّه الحق، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه الكرام عليهم السلام:«إِنّ مِنَ التَّواضُعِ أَنْ يَرضى‌ الرَّجُلُ بِالمَجلِسِ دُونَ المَجلِسِ وَأَنْ يُسَلِّمَ عِلى‌ مَنْ يَلقى‌ وَأَنْ يَترُكَ المِراءَ وَإِنْ كانَ مُحِقَّاً وَلا يُحِبَّ أَنْ يُحمَدَ عَلَى التَّقوى‌»[1].

[1]. بحار الانوار، ج 2، ص 131، ح 20.


صفحه 250

2- وأحد الدوافع الاخرى للجدال والمراء والنزاعات اللّفظية هو الظهور بمظهر العالم المتفوّق وإظهار الفضل على الآخرين، وهذه الحالة متداولة كثيراً في أجواءنا الاجتماعية وخاصّة في المجلس الذي يحضره جماعة من العوام ويريد هذا الشخص أن يظهر نفسه وفضيلته أمامهم أو يريد أن يفتح له مكاناً بين أرباب العلم والمعرفة، وجاء في الحديث الشريف الذي ذكرناه سابقاً عن الإمام الحسين عليه السلام قوله:«وإِنَّ الشَّيطانَ لِيُوسوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُناجِيهِ وَيَقُولُ ناظِرِ النَّاسَ فِي الدِّينِ كَي لايَظُنُّوا بِكَ العَجزَ وَالجَهلَ»[1].

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقسّم طلّاب العلم إِلى ثلاثة أقسام، وطائفة منهم طلبوا العلم للجدال والمراء، وطائفة اخرى للفخر على الناس، وثالثة لغرض فهم الحقيقة والتعلّم والعمل بذلك، ثمّ يصف الإمام حال الطائفة الاولى ويقول:«فَصاحِبُ الجَهلِ والمِراءِ مُوذٍ مُمارٍ مُتَعَرِّضٍ لِلمَقالِ فِي أَندِيةِ الرِّجالِ».

وفي ذيل هذا الحديث الشريف يلعن الإمام مثل هذا الشخص ويقول:«فَدَقَّ اللَّهُ مِنْ هذا خَيشُومَهُ»[2].

3- ومن الدوافع الاخرى للجدال والمراء والتعصّب الكلامي هو الجهل بمقام الذات ومقام الآخرين، لأنّه يرى نفسه أكبر وأعلم من واقعه ويرى الآخرين يعيشون الجهل وعدم العلم، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام والذي ذكرناه فيما سبق بعد أن يعدّ الإمام المراء بأنّه أحد الأمراض الخطرة لقلب الإنسان وأنّه من الأخلاق الشيطانية يقول:«فَلا يُمارِي فِي أَيِّ حالٍ إلّامَنْ كانَ جاهِلًا بِنَفسِهِ وَبِغَيرِهِ»[3].

4 و 5- حبّ الانتقام والحسد يعتبران من العوامل المهمّة الاخرى التي تدفع بالإنسان إلى الجدال والمراء، فلغرض تسقيط شخصية الطرف المقابل والانتقام منه وإشباع حالة الحسد في نفسه أو تضعيف مكانة الطرف الآخر أمام الانظار فإنّه يستخدم أداة الجدل‌

[1]. بحارالانوار، ج 2، ص 135، ح 32.

[2]. مقدمة كتاب معالم الاصول، ص 11.

[3]. بحار الانوار، ج 2، ص 134، ح 31.


صفحه 251

والبحث العلمي المقترن مع الأهانة والتحقير ليستطيع بهذه الوسيلة أن يروي ظمأه إلى الانتقام من الطرف الآخر ويصب الماء على نار الحقد والحسد المستعرة في قلبه.

6- ومن العوامل المهمّة الاخرى التعصّب واللّجاجة، لأنّ الشخص المتعصّب واللّجوج غير مستعد أن يقبل التنازل عن عقائده الفاسدة بسهولة، ولذلك يجد في نفسه تعصّباً للتوقف عليها وحفظها والدفاع عنها بالمجادلة والبحث الكلامي ويتشبّث بكل وسيلة لإثبات صحّة كلامه وبطلان كلام الطرف الآخر، وهذا هو ما نجده في سلوك الكثير من الكفّار والمشركين أمام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسائر الأنبياء الكرام عليهم السلام حيث تقدّم مثال واضح لذلك من مباحثة عبدة الأوثان ونمرود مع النبي ابراهيم عليه السلام، وذلك عندما وجدوا أنفسهم أمام الكلام المنطقي والرصين لأبراهيم عليه السلام فوقعوا في حيرة من الأمر وانتبهوا مؤقتاً من نوم الغفلة ولكن حالة التعصّب واللّجاجة أسدلت على عقولهم وقلوبهم سحابة ظلمانية منعتهم من قبول الحقيقة والإذعان وانطلقوا مرّة اخرى في تأكيد معتقداتهم السخيفة من موقع الدفاع عنها بالأدلة الواهية والجدال الأجوف.

7- ومن العوامل المهمّة للجدال والمراء أيضاً (حبّ الدنيا) الذي يعدّ عاملًا أساسياً لجميع الذنوب أو أكثرها، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الصفة الرذيلة يريدون كسب المقام والوجاهة الاجتماعية من خلال سلوك هذا الطريق لإثبات أعلميّتهم وذكائهم وبذلك يتمكّنوا من نيل أهدافهم الدنيوية وتحصيل بعض المقامات الوهميّة والعناوين الزائفة.

وخلاصة الكلام هي أنّ العوامل السلبية الكثيرة تتفق مع بعضها لدفع الإنسان إلى الخوض في الجدال والمراء بعيداً عن الأدب والخلق الإنساني والإنصاف وتجرّه إلى الدخول في دائرة اللّجاجة والعناد أمام الحق والدفاع عن الباطل.

أقسام المراء والجدال:

يمكن تقسيم الجدال والمراء إلى قسمين:

الجدال والمراء على المستوى الإيجابي، أي أن يتباحث مع الآخرين على مستوى البحوث المنطقية لغرض تبييّن الحقائق وتوضيح ما أشكل من المسائل الغامضة والاطّلاع‌


صفحه 252

على نظرات الآخرين والوصول إلى الواقعيات من هذا الطريق.

أمّا المراء والجدال على المستوى السلبي فيعني المباحثات والنزاعات الكلامية التي تنطلق بوحي من عقدة الخصومة والتي لا تهدف إلى غرض معيّن وصحيح ولا تسير في خط تبيين الحقائق، بل الهدف منها هو تكريس الخصومة والتعصّب واللّجاجة وإثبات التفوّق وإظهار الفضل على الآخرين.

وهذا التقسيم نجده منعكساً في آيات القرآن الكريم حيث يقول في الآية 48 من سورة العنكبوت: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ».

ويقول في مكان آخر في الآية 125 من سورة النحل: «وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ».

ويقول في مكان آخر في مقام الذم لجماعة من الكافرين: «يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ».

وأمّا في مورد المراء الإيجابي فنقرأ في (قصة أصحاب الكهف) وعددهم قوله تعالى:

«فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً»[1].

أي بالنسبة إلى عدد أصحاب الكهف فلا ينبغي أن تتباحث حولهم إلّابالكلام المنطقي المقترن بالدليل.

وأمّا في مورد المراء السلبي فيقول تعالى: «أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ»[2].

وهناك تقسيمات اخرى أيضاً على حسب الأشخاص في طرفي المباحثة وكذلك بالنسبة إلى المواضيع والمسائل التي تدور في أجواء البحث والجدال.

ومن ذلك أن يكون طرف المناظرة إنساناً عاقلًا وفاهماً لكي تكون المباحثة معه مثمرة من خلال الاستدلال المنطقي والعلمي كما ورد في وصيّة أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«دَعْ المُمارَاةَ وَمُجارَاتَ مَنْ لاعَقلَ لَهُ وَلا عِلمَ»[3].

[1]. سورة الشورى، الآية 22.

[2]. سورة الكهف، الآية 18.

[3]. بحار الانوار، ج 2، ص 129، ح 14.


صفحه 253

ويجب أن يكون المناظر إنساناً مطّلعاً على الامور، لأنّ الأشخاص الذين يعيشون الجهل بالامور إذا أرادوا الدفاع عن الحق والورود في ميدان المجادلة، فإنّهم وبسبب ضعف معلوماتهم وقلّة إطّلاعهم سوف يذوقون الهزيمة ويغلبوا في هذه المبارزة، وبالتالي ينعكس ذلك سلبياً على الحق والحقيقة.

ولذلك نقرأ في الحديث الشريف أنّ محمد بن عبداللَّه المعروف بالطيّار جاء إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال له:«بَلَغَنِي أَنَّكَ كَرِهتَ مُناظَرَةَ النّاسِ»،

قال الإمام عليه السلام:«أَمّا كَلامُ مِثلِكَ فَلا يَكرَهُ، مَنْ إِذا طارَ يَحسُنُ أَنْ يَقَعَ وإِنْ وَقَعَ يَحسُنُ أَنْ يَطِيرَ، فَمَنْ كانَ هكَذا لانَكرَهُهُ»[1].

أمّا لقب الطيّار الذي يطلق على هذا الصحابي المعروف للإمام الصادق عليه السلام، فهو إشارة إلى هذا المعنى أيضاً، لأنّه كان قوياً جدّاً في مجال المباحثة والجدل وكان يتحرّك في دفاعه عن الحق بكل قدرة ومهارة.

وهنا ينبغي على جميع الأشخاص الذين ليس لديهم إطّلاع كافٍ حول مسائل الدين ومعارفه العميقة ولا يجدون في أنفسهم القدرة على الدفاع عنه أن لا يدخلوا في مناظرة ومباحثة مع المخالفين، لأنّهم سوف ينهزمون في هذه المباحثة، وهزيمتهم توجب وهن مباني المذهب الحق في نظر الآخرين.

ومن هنا فإنّ الافراط والتفريط غالباً موجود في سلوكيات هؤلاء الأفراد الجهلاء، فهناك الأشخاص الذين يسلكون طريق الافراط عن جهل ويقولون: بما أنّ الجدال والمراء مذموم في الإسلام ومحرّم بشدّة، فنحن لا ندخل في أي بحث علمي وكلامي مع أي شخص من الأشخاص حتّى لو كان البحث مستدلًا ويقوم على قواعد منطقية من الأدلة والبراهين في طريق إثبات الحق والدفاع عنه، ويختارون السكوت بدل البحث أو الاستدلال، ويسمّون ذلك من باب القيل والقال.

وهذا أيضاً انحراف كبير عن جادّة الصواب، لأنّ تبيّن الحقائق لا يتسنى إلّافي ظلّ‌

[1]. بحار الانوار، ج 2، ص 136، ح 39.


صفحه 254

البراهين المنطقية والدلائل المتينة، وإيصاد هذا الطريق على الناس يعني حرمانهم أو حرمان طائفة كبيرة منهم من الوصول إلى الحقائق وتحصيل الواقعيّات.

ونختم هذا الكلام بحديث جميل عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام عن جدّه الإمام الصادق عليه السلام حيث وقعت في محضره مجادلة كلامية في أمر الدين وأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام كانوا قد نهوا عن ذلك، فقال الإمام الصادق عليه السلام:«لَمْ يَنهْهُ عَنْهُ مُطلَقاً لَكِنَّهُ نَهى‌ عَنْ الجِدالِ بِغَيرِ الَّتِي هِي أَحسنِ، أما تَسمَعُونَ اللَّهَ تَعالى‌ يَقُولُ:«وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»[1]، وَقَوله: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِوَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»[2]،فَالجِدالُ بِالَّتِي هِي أَحسَنُ قَد قَرَنَهُ العُلَماء بِالدِّينِ وَالجِدالِ‌ بِغَيرِ الَّتِي هِي أَحسنُ مَحَرمٌ وَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى‌ عَلى‌ شِيعَتِنا، وَكَيفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ الجِدالَ جملَةً وَهُوَ يَقُولُ:«وَقَالُوا لَن يَدخُلِ الجَنَّةَ إلّامَنْ كانَ هُوداً أو نصارى‌»، قالَ اللَّهُ تعالى‌:«تِلكَ أَمانِيهِم قُل هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ»[3].

فَجَعلَ عَلمَ الصِّدقِ والإيمانِ بِالبُرهانِ وَهَل يُؤتى‌ بِالبُرهانِ إلّافِي الجِدالِ بِالَّتِي هِي أحسَنُ؟

قِيل: يا ابنَ رَسُولِ اللَّهِ فَما الجِدالِ بِالَّتِي هِي أَحسَن وَالَّتِي لَيسَتْ بِأَحسَنَ؟

قالَ: أَمّا الجِدالَ بِغَيرِ الَّتِي هِي أَحسنُ أَن يُجادِلَ مُبطلًا فَيُوردُ دَلِيلًا باطِلًا فَلا تَردَّهُ بِحُجَةِ قَد نَصَبَها اللَّهُ تعالى‌ وَلكن تَجحَد قَولَهُ ... وَأَمَّا الجِدالُ بالَّتِي هِي أَحسَنُ فَهُوَ ما أَمَرَ اللَّهُ تعالى‌ بِهِ نِبِيَّهُ أَن يُجادِلَ بِهِ مَنْ جَحَدَ البَعثَ بَعدَ المَوتِ وَإِحياءُهُ لَهُ فَقالَ اللَّهُ حاكِياً عَنهُ:«وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»[4][5].

[1]. سورة العنكبوت، الآية 46.

[2]. سورة النحل، الآية 125.

[3]. سورة البقرة، الآية 111.

[4]. سورة يس، الآية 78 و 79.

[5]. بحار الانوار، ج 2، ص 125، ح 2 مع التلخيص.


صفحه 255

طرق علاج هذه الرذيلة الأخلاقية:

كلّما وجد الإنسان نفسه يعيش حالة الخصومة في مباحثة مع الآخرين ويكثر من الجدل والبحث العقيم وبتعبير الروايات: الجدال غير الحسن بحيث أصبح هذا السلوك بمثابة العادة والخلق له، فإنّ إيمانه وتقواه ودينه يتعرّض لخطر الذوبان والمحق، وينبغي عليه الاسراع في انقاذ نفسه من هذه الرذيلة والتخلّص من هذا الخلق الذميم والتحرّك بصدد العلاج قبل أن تتجذّر هذه الصفة في أعماق نفسه.

والطريق الأول للعلاج ولعلّه يعدّ من مقدمات العلاج لتسكين هذه الحالة المؤذية كيما يتسنى‌ للإنسان علاجها فيما بعد هو اختيار السكوت في كل مورد يحتمل فيه أن يكون الجدال بالباطل، وكلّما استمر هذا السكوت مدّة أطول وتحّمل الضغط النفسي وتحدّيات الحالة المزاجية، فإنّ ذلك سيوفّر الأرضية المساعدة للتخلّص من شرّ هذه الحالة السلبية ومعالجة هذه الصفة في النفس.

وطبعاً فإنّ السكوت يعدّ علاجاً للكثير من الرذائل (من قبيل الحسد والحقد والنميمة والرياء وكفران النعمة والتهمة والكذب وحبّ التفوّق وغيرها من الرذائل الأخلاقية التي تتجلّى في سلوك الإنسان من خلال الكلام والنطق) فالسكوت يمكنه أن يكون عنصر الوقاية من جميع هذه الموارد، ولهذا السبب فإنّ الروايات الإسلامية قد مدحت السكوت كثيراً وقد تقدّم تفصيل هذا الموضوع في الجزء الأول من هذا الكتاب.

الطريق الآخر لعلاج هذه الفضيلة الأخلاقية هو التفكّر الدقيق في النتائج السلبية والعواقب الوخيمة المترتبة على هذه الصفة من قبيل أن يكون الإنسان محجوباً عن درك الحقائق ويعيش في زحمة الأوهام والتعصّبات والعداوات بين الأصدقاء ويبتعد بذلك عن حقيقة الإيمان وبالتالي سيكون مورداً للغضب الإلهي وزهوق شخصيته وسقوط حيثيته بين الخاص والعام.

ومن اليقين أنّ التفكّر في مثل هذه العواقب السيئة سيكون له تأثير عميق في وقاية الإنسان عن الوقوع في متاهة الجدال بالباطل، فكيف يمكن أن يعلم الإنسان بأنّ هذا الغذاء


صفحه 256

مسموم ويتناوله في نفس الوقت؟ فالشخص الذي يتناول غذاء مسموماً هو الذي لا يدرك آثاره وعواقبه ولا يعلم بحاله.

إنّ إصلاح جذور الخلل في واقع النفس وتطهير الذات من الدوافع والنوازع التي تجرّ الإنسان للخوض في الجدل يعدّ أحد طرق العلاج لهذا الخلق الذميم، وعندما نقول الدافع للجدال والمراء فهذا يعني التكبّر وحب التفوّق والتظاهر والحسد وحبّ الانتقام وحبّ الدنيا والتعصّب واللجاجة، ومن المعلوم أننا إذا استطعنا أن نبعد هذه الحالات السلبية والصفات الذميمة عن أنفسنا ونطهّر قلوبنا من أدرانها فإنّ ذلك من شأنه أن يقلع جذور حالة الجدال والمراء من النفس، ولكن مع وجود هذه الصفات في أعماق النفس، فإنّ إزالة هذه الصفة الأخلاقية سيكون عسيراً جداً.

ومن الطرق الاخرى للعلاج هو إبتعاد الشخص عن الأفراد المتعصّبين والذين يحبّون الخوض بالباطل وكذلك الامتناع عن مناقشة مثل هؤلاء الأشخاص حيث سيجرّ الإنسان إلى الجدال والمراء وإن كان غير قاصد لذلك.

وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله:«مَنْ جالَسَ الجاهِلَ فَليَستَعِدَّ لِقِيلٍ وَقالٍ»[1].

ومن البديهي أنّ الإنسان قبل كل ذلك يجب عليه أن يوقظ في نفسه الإرادة والعزم القاطع على ترك المراء والجدال واجتناب هذه الرذيلة الأخلاقية، فاذا وجد الإنسان في نفسه ذلك وعزم بجدية على ترك المراء فانّه سيفلح في النهاية.

الإنصاف في الكلام:

النقطة المقابلة للمراء والجدال هي الانصاف في البحث والكلام، أي أنّ الإنسان ينظر إلى كلام الآخرين كما ينظر إلى كلامه ويدافع عنه كما يدافع عن كلامه، وبتعبير آخر أن يكون طالباً للحق فيبحث عنه ويطلبه من أي شخص كان ومن كل مكان حتّى لو كان الناطق‌

[1]. سفينة البحار، ج 2، ص 532 الطبعة القديمة (مادة مراء).