2- التبرير والعناد
تنويه:
إنّ حالة التبرير للأخطاء تعتبر من أهم الموانع لدرك الحقيقة، لأنّها السبب في عدم وصول الإنسان للحق بل وتركسه في أو حال الباطل.
والقصد من اسلوب التبرير والعناد، ليس هو الاصرار على مستوى كشف الحقائق وطرح السؤال تلو السؤال، بل إنّ السؤال هو المفتاح لكشف الحقائق، ولكن المقصود هو أنّ الإنسان وبعد انكشاف الحقائق والبراهين، يبقى مصراً على الباطل ويتهرب من الحق بتشبثه بالحجج الواهية وايراد المغالطات الغير المنطقية.
يمكن أن تظهر هذهِ الرذيلة في فردٍ ما بصورةٍ خاصة، أو تصبح سيرة وعادة لقوم من الأقوام.
وقد أثبت التاريخ من بين الأقوام السابقة، أنّ قوماً من بني اسرائيل كانوا أكثر عناداً من من غيرهم، ولذلك تطرقت كثير من آيات القرآن الكريم لعنادهم واصرارهم في خط الزيغ والخطأ وسنتطرق لبحثها في تفسيرنا للآيات إن شاء اللَّه تعالى.
ويمكن القول أننا نجد هذهِ الرذيلة متمكنة ومتجذرة في جميع الأقوام الذين يعيشون الجهل والانانية حيث لا يتركون أعمالهم القبيحة ولا يقلعون عنها بسهولةٍ.
وعلى أية حال فانّ هذا الخُلق القبيح من أسوأ الأخلاق الشيطانية، ويمكن القول إنّ أول درس تلقاه المعاندون على مستوى الاصرار على الخطأ كان بواسطة الشيطان، أمّا نتائج وافرازات هذا الخلق الذميم فكبيرة جداً لدرجةٍ أنّ الكثير من الحروب الدامية التي ذهبت بالأنفس والأموال ودمرت فيها المدن العامرة كانت بفعل هذه الخطيئة.
بهذهِ الإشارة نعود للقرآن الكريم والروايات الإسلامية ونستعرض العوامل المسببة لهذا الخُلق القبيح وآثاره الضارّة وطرق علاجه:
1- «وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجّوا فِى طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ»[1].
2- «امَّنْ هذَا الّذِي يَرْزُقُكُم إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ»[2].
3- «قالَ أَنْظِرنِى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ إِنّكَ مِنْ المُنْظَرينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ»[3].
4- «قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائي إِلّا فراراً* وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا إِسْتِكْباراً»[4].
5- «فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُونَ* ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ* قالَ أَفَتَعْبُدونَ مِنْ دوُنِ اللَّهِ ما لايَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ... قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ»[5].
6- «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قالُوا أَتَتَّخُذُنا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ... فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ»[6].
7- «وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ
[1]. سورة المؤمنون، الآية 75.
[2]. سورة الملك، الآية 21.
[3]. سورة الاعراف، الآية 14- 16.
[4]. سورة نوح، الآية 5- 7.
[5]. سورة الأنبياء، الآية 64- 68.
[6]. سورة البقرة، الآية 67- 71.
تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْنكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»[1].
8-«قالُوا يا مُوسى إِنا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا ههُنا قاعِدُونَ»[2].
9-«وَقالوا يا أَيُّهَا الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ* فَلَما كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ»[3].
10-«أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِى السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا»[4].
تفسير واستنتاج:
«الآية الأولى»تتكلم عن الكفّار المعاندين، فإذا ما أنعم اللَّه عليهم ورحمهم وكشف عنهم البلاء لغرض تنبههم لأخطائهم نراهم على العكس يزدادون غروراً، ويصرون على غيّهم وطغيانهم«وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجّوا فِى طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ».
نعم فإن هذه الفئة التي تتعامل مع الحق والواقع من موقع العناد والاصرار على الباطل، مرّة يتهمون الرسول صلى الله عليه و آله بالجنون وتارة يطلبون منه التسليم لكلامهم، وعندما يرون المعجزات كانوا يصرون ويستكبرون وينكرون كل شيء. فاللَّه تعالى شأنه ولأجل تنبيههم، جعلهم عرضة للبلاء والتمحيص مرّة، ومرّة اخرى يغدق عليهم من نعمهِ ورحمته، فلم ينفع كل ذلك لا البلاء والتمحيص ولا اغداق النعم، وكل ذلك كان بسبب جهلهم وعنادهم وتعصبهم.
وقال بعض المفسرين: إنّ الطغيان له أشكال مختلفة، طغيان العلم هو التفاخر، وطغيان
[1]. سورة البقرة، الآية 55- 56.
[2]. سورة المائدة، الآية 23.
[3]. سورة الزخرف، الآية 49 و 50.
[4]. سورة الاسراء، الآية 93.
المال البخل، وطغيان العبادة الرياء، وطغيان النفس اتباع الشهوات[1]، فيصاب الإنسان بكل هذه الامور على أثر اللجاج والعناد.
وتتحرك«الآية الثانية»لتتناول بالبحث المشركين اللجوجين ايضاً الذين لم يكونوا ليسلموا بأية قيمة كانت للمنطق السليم والواضح للرسول صلى الله عليه و آله، ولا استعداد عندهم لترك آلهتهم المصنوعة بأيديهم.
فيقول القرآن الكريم في هذه الآية: «امَّنْ هذَا الّذِي يَرْزُقُكُم إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ».
كرّر القرآن الكريم هذا القول مراراً للمشركين من أنّ أصنامكم لا فائدة منها، فلا يدفعون عنكم عدوّاً، ولا يرزقونكم، ولا يكلمونكم، ولا ينفعونكم ولا يضرونكم ولا عقل لهم ولا شعور.
ومع ذلك كلّه أي دليل لديهم لعبادة تلك الأصنام؟ وعلى الرغم من فقدان الدليل الحاسم على سلوكهم المخالف للعقل والفطرة، استمروا بلجاجةٍ على عبادة الأصنام.
وتتعرض«الآية الثالثة»من هذهِ الآيات إلى أول لجوج ومتعصب في مقابل الحق، ألا وهو الشيطان، عندما تكبّر وطرد من قبل الباري تعالى وفقد مقامه الرفيع والمنزلة التي كانت لديه بين الملائكة، وقد كان عليه أن يلتفت لخطأه الكبير، ويعود إلى اللَّه تعالىمن موقع الندم، ويغسل ذنبه بماء التوبة، ويطفىء النار التي أججها بدموع الخجل، ولكنه أبى واستكبر وأصرّ على البقاء في دائرة المعصية أكثر وأكثر ولم يكن ذلك إلّابسبب التكبّر والحسد واللجاجة، وقرّر أن ينتقم من آدم عليه السلام وذرّيته، ويضلّهم بوساوسه، وليس ليوم أو ساعة أو شهر ولكنه سيستمر إلى نهاية الدنيا، في تكريس الإثم والخطيئة وعناصر
[1]. روح البيان، ج 6، ص 98.
الانحراف والزيغ في كل المجتمعات فلا يسلم من منزلقات البؤس والفساد لا الكبير ولا الصغير ولا الرجل ولا المرأة.
فطلب من اللَّه تعالى: «قالَ أَنْظِرنِى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ إِنّكَ مِنْ المُنْظَرينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ».
ومن المؤكّد أن العمر الطويل له فائدة كبرى لكل شخص يزيد من حسناته، ويصحح أخطاءه، وإذا كان له ماضٍ أسود يبدّله إلى مستقبل سعيد ونوراني، ولكن العمر الطويل للطغاة والصعاليك والمعاندين على العكس من ذلك فله نتائج عكسية.
ولعل إجابة دعائه بالعمر الطويل من رحمة اللَّه تعالى التي تستوعب الخاطئين، أو ربّما كان تقديراً من اللَّه وجزاءً لعبادته للَّهآلاف السنين، ولعله يعود عن غيّه، لكن هذهِ النعمة عندما تقع في أيدي الطغاة والصعاليك والمعاندين فستتحول إلى نقمةٍ عليهم.
وتأتي«الآية الرابعة»لتتحدث عن قوم نوح عليه السلام وعنادهم في مقابل دعوة نبيّهم الرحيم بهم، فدعاهم ليلًا ونهاراً في الخلاء والملأ لينجيهم من العذاب، وكلما ألحّ عليهم في قبول دعوة الحق، ازدادوا غيّاً وعناداً.
فاشتكى نوح عليه السلام إلى اللَّه وقال: «قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائي إِلّا فراراً* وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا إِسْتِكْباراً».
فأي تعصب وعناد هذا الذي يضع الإنسان اصابعه في آذانه حتى لا يسمع الحق ويلفّ وجهه ويغطيه بثوبه حتى لا يرى من يدعوه إلى الحق والسعادة والخير، بل يتحرّك بعيداً عنه ويتهرب من مواجهته؟!
فالهروب من الحق له حدود، ولكنهم تعدّوها إلى أبعد شيء ولم يتخذوا غير طريق المعاندة والتعصب والإستبداد.
فكيف يجوز للإنسان المريض أن يفرّ من الطبيب، وللغارق في الظلمات أن يتهرب من النور، وللغريق أن يتملّص من المنقذ له؟ إنّه أمر محيرٌ حقّاً، ولكن العناد واللجاج
والإستكبار يقف وراء الكثير من هذا القبيل من السلوكيات الغارقة في الوهم والزيف.
ولا نجد أحداً من الأنبياء عليهم السلام دعا قومه كما دعا نوح عليه السلام إذ عمّر فيهم 950 سنةً وأكّد عليهم دعوته الإلهية مراراً وتكراراً، وعبارة «الليل والنهار» يمكن أن تكون إشارة إلى مجالسهم العمومية التي كانوا يجلسون فيها بالليل والنهار، فكان يدعوهم إلى اللَّه تعالى في كل وقت، ولم يؤمن له إلّاقليل، وعلى حد تعبير البعض أنّ معدل من كان يؤمن به من قومه فرد واحد لكل اثني عشرة سنةً.
تعبير: «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ»، هو وضع رؤوس الأصابع في الآذان لمنع السماع، أو هو إشارة لشدّة موقفهم في الهروب من الحق، وكأنّهم كانوا يريدون أن يدخلوا أصابعهم كلها في الآذان حتى لا يسمعوا الحق.
تعبير: «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائي إِلّا فراراً»، يبين أنّ دعوة نوح النبي عليه السلام كانت لها نتيجةً عكسية عندهم، نعم فإن المشاكسين والمستكبرين يصرون على أفعالهم عند سماعهم للحق، ومثلهم كمثل المزابل عند هطول المطر عليها حيث تزداد عفونة وتشتد رائحتها النتنة.
«الآية الخامسة»تشير إلى عناد قوم ابراهيم عليه السلام من عبدة الأوثان في بابل بعدما أثبت لهم ابراهيم عليه السلام بدليل قاطع زيف آلهتهم، فحطّم الأصنام كلها إلّاكبيرهم وطلب منهم أن يسألوا الكبير عمّن فعل بآلهتهم تلك الفعلة الشنيعة؟؟
لقد تنبهوا للأمر في واقعهم ولاموا أنفسهم واستيقظوا للحظة، ولو قدّر أن تستمر هذهِ اللحظة لتغير موقفهم من الشرك إلى الإيمان، ولكن عنادهم ولجاجتهم وتعصبهم لم يمنحهم الفرصة للتفكير السليم وتقول الآية: «ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ».
فقال إبراهيم عليه السلام: «أَفَتَعْبُدونَ مِنْ دوُنِ اللَّهِ ما لايَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ افٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدُونَ أَفَلا تَعقِلُونَ».
إذا تجرّد الإنسان من تعصبه وعناده، ورأى بامِّ عينيه أنّ الذي كان يعوّل عليه دائماً في المحن والصعاب، أصبح لا قيمة له اليوم وتبيّن زيفه بحيث لا يستطيع معرفة من عمل على تخريبه وتحطيمه، أليس من الجدير بذلك الشخص أن يستيقظ من نومته تلك ويتحرّك بعيداً عن تلك السلوكيات الغارقة في الزيف ويتجنب هذهِ الخرافات والاعتقادات السخيفة ويطهر فكره منها؟!
نعم فإن التعصب واللجاج يضع حجاباً قوياً على عين وقلب الإنسان فينكر اوضح المسائل.
واللطيف في الأمر أنّ الآية الاولى ذكرت: «فَرجِعُوا إِلى أَنْفُسِهُم» وهو تعبير حاكي عن الاستيقاظ والانتباه، ولكن الآية الثانية تقول: «ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهُم» وهو تعبير عن تراجع من موقع الوضوح في الرؤية وبدوافع جاهلية وغير منطقية مترسبة في دوافع النفس.
«الآية السادسة»، تستعرض عناد بني اسرائيل الذي يضرب به المثل ففي، هذه الآية وما قبلها اشارة إلى قصة القتل المُبهم الذي وقع في قوم بني اسرائيل، وكاد أن يفضي إلى إقتتال الطوائف فيما بينها.
فقال موسى عليه السلام: بأمرٍ من اللَّه سوف نعرّف القاتل، فاذبحوا بقرة ولامسوا بقسم من بدنها ببدن المقتول، فسيقول لكم من هو القاتل.
حيّر هذا الاقتراح العجيب بني اسرائيل، ولكنه في نفس الوقت بعث الأمل في نفوسهم، وحان الوقت لتنفيذ أوامر النبي موسى عليه السلام وانهاء المسألة، ولكن بني اسرائيل وبصورة غريبة أخذوا يستشكلون ويتساءلون من موقع العناد وعدم الرغبة في الامتثال، فمرّة يسألون عن عمرها ومرّة عن لونها واخرى عن نوعها وعملها، فبأسألتهم تلك ضيّقوا فرصة العثور على مثل هذهِ البقرة لحظة بعد لحظة وبالتالي وبعد عناد كبير وسعرٍ خيالي وجدوا البقرة بتلك الأوصاف المطلوبة، ولو أنّهم لم يسألوا ولم يستشكلوا وذبحوا أول بقرة وقعت في أيديهم، لأنحلت المشكلة، لأنّه لو كان (المأمور به) مشروطاً بشرائط معينة لوجب البيان
في مقام الحاجة، وكما يقول الاصوليون: «أن تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحٌ». وفي الحقيقة إنّ هذهِ الأسئلة والتدقيق في المسألة يدلّ على عدم إيمانهم بحكمة اللَّه تعالى، والحكيم لابدّ وأن يبيّن كل ما هو لازم وضروري من الشرائط والقيود، ولا يحتاج للسؤال، ويمكن أن يكون قصدهم من ذلك هو عدم وجود تلك البقرة حتى يستمروا بمغامراتهم التي يتحرّكون من خلالها في دائرة العناد دوماً في مقابل الإمتثال للحق، فقال القرآن الكريم:
«وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قالُوا أَتَتَّخُذُنا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ».
فتبيّن هذهِ الآيات مدى النزاع الذي حصل بين بني اسرائيل لمعرفة القاتل، وعلى ذلك كان يتوجب عليهم تنفيذ أوامر موسى عليه السلام بسرعة ليجدوا القاتل، ولكن اللّجاج الذي دخل فيه بنو اسرائيل لم يعطهم الفرصة لانهاء الأمر فسألوا وسألوا حتى صعّب عليهم الباري تعالى الأمر فأصبح البحث عن تلك البقرة أمراً مستعصياً جداً، فهي بقرة، صفراء بالكامل تسرُّ الناظرين، لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، ولا ذلول وتثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمةً لاشيَةَ فيها، فمن البديهي عدم توفّر مثل هذه الأوصاف في بقرة واحدة إلّابصعوبةٍ، ولكن كان عليهم أن يدفعوا ثمن لجاجهم وعنادهم، فاضطروا لشرائها بثمنٍ باهظ جدّاً، فذبحوها وضربوا بعضها ببدن الميت فعادت الحياة إليه باذن اللَّه ودلّهم على قاتله.
«الآية السابعة»أيضاً تتحدث عن بني اسرائيل وعنادهم العجيب حيث أخذوا باطراف موسى عليه السلام وطلبوا من نبيّهم المحال وقالوا: «وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً».
الظاهر أنّهم كانوا يعلمون أنّ اللَّه تعالى ليس بجسمٍ ولا جهة له ولا مكان، ولكن كلامهم كان بسبب طغيانهم وعتوّهم، ومن أجل أن يبيّن اللَّه تعالى جيداً مسألة استحالة رؤيته، ولتأديب اولئك القوم المعاندين أمر بسبعين من رؤوسائهم أن يخرجوا مع موسى عليه السلام للميعاد في جبل الطور، ليتلقوا الجواب على سؤالهم العجيب هناك وينقلوا ما سيشاهدوه