بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 255

طرق علاج هذه الرذيلة الأخلاقية:

كلّما وجد الإنسان نفسه يعيش حالة الخصومة في مباحثة مع الآخرين ويكثر من الجدل والبحث العقيم وبتعبير الروايات: الجدال غير الحسن بحيث أصبح هذا السلوك بمثابة العادة والخلق له، فإنّ إيمانه وتقواه ودينه يتعرّض لخطر الذوبان والمحق، وينبغي عليه الاسراع في انقاذ نفسه من هذه الرذيلة والتخلّص من هذا الخلق الذميم والتحرّك بصدد العلاج قبل أن تتجذّر هذه الصفة في أعماق نفسه.

والطريق الأول للعلاج ولعلّه يعدّ من مقدمات العلاج لتسكين هذه الحالة المؤذية كيما يتسنى‌ للإنسان علاجها فيما بعد هو اختيار السكوت في كل مورد يحتمل فيه أن يكون الجدال بالباطل، وكلّما استمر هذا السكوت مدّة أطول وتحّمل الضغط النفسي وتحدّيات الحالة المزاجية، فإنّ ذلك سيوفّر الأرضية المساعدة للتخلّص من شرّ هذه الحالة السلبية ومعالجة هذه الصفة في النفس.

وطبعاً فإنّ السكوت يعدّ علاجاً للكثير من الرذائل (من قبيل الحسد والحقد والنميمة والرياء وكفران النعمة والتهمة والكذب وحبّ التفوّق وغيرها من الرذائل الأخلاقية التي تتجلّى في سلوك الإنسان من خلال الكلام والنطق) فالسكوت يمكنه أن يكون عنصر الوقاية من جميع هذه الموارد، ولهذا السبب فإنّ الروايات الإسلامية قد مدحت السكوت كثيراً وقد تقدّم تفصيل هذا الموضوع في الجزء الأول من هذا الكتاب.

الطريق الآخر لعلاج هذه الفضيلة الأخلاقية هو التفكّر الدقيق في النتائج السلبية والعواقب الوخيمة المترتبة على هذه الصفة من قبيل أن يكون الإنسان محجوباً عن درك الحقائق ويعيش في زحمة الأوهام والتعصّبات والعداوات بين الأصدقاء ويبتعد بذلك عن حقيقة الإيمان وبالتالي سيكون مورداً للغضب الإلهي وزهوق شخصيته وسقوط حيثيته بين الخاص والعام.

ومن اليقين أنّ التفكّر في مثل هذه العواقب السيئة سيكون له تأثير عميق في وقاية الإنسان عن الوقوع في متاهة الجدال بالباطل، فكيف يمكن أن يعلم الإنسان بأنّ هذا الغذاء


صفحه 256

مسموم ويتناوله في نفس الوقت؟ فالشخص الذي يتناول غذاء مسموماً هو الذي لا يدرك آثاره وعواقبه ولا يعلم بحاله.

إنّ إصلاح جذور الخلل في واقع النفس وتطهير الذات من الدوافع والنوازع التي تجرّ الإنسان للخوض في الجدل يعدّ أحد طرق العلاج لهذا الخلق الذميم، وعندما نقول الدافع للجدال والمراء فهذا يعني التكبّر وحب التفوّق والتظاهر والحسد وحبّ الانتقام وحبّ الدنيا والتعصّب واللجاجة، ومن المعلوم أننا إذا استطعنا أن نبعد هذه الحالات السلبية والصفات الذميمة عن أنفسنا ونطهّر قلوبنا من أدرانها فإنّ ذلك من شأنه أن يقلع جذور حالة الجدال والمراء من النفس، ولكن مع وجود هذه الصفات في أعماق النفس، فإنّ إزالة هذه الصفة الأخلاقية سيكون عسيراً جداً.

ومن الطرق الاخرى للعلاج هو إبتعاد الشخص عن الأفراد المتعصّبين والذين يحبّون الخوض بالباطل وكذلك الامتناع عن مناقشة مثل هؤلاء الأشخاص حيث سيجرّ الإنسان إلى الجدال والمراء وإن كان غير قاصد لذلك.

وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله:«مَنْ جالَسَ الجاهِلَ فَليَستَعِدَّ لِقِيلٍ وَقالٍ»[1].

ومن البديهي أنّ الإنسان قبل كل ذلك يجب عليه أن يوقظ في نفسه الإرادة والعزم القاطع على ترك المراء والجدال واجتناب هذه الرذيلة الأخلاقية، فاذا وجد الإنسان في نفسه ذلك وعزم بجدية على ترك المراء فانّه سيفلح في النهاية.

الإنصاف في الكلام:

النقطة المقابلة للمراء والجدال هي الانصاف في البحث والكلام، أي أنّ الإنسان ينظر إلى كلام الآخرين كما ينظر إلى كلامه ويدافع عنه كما يدافع عن كلامه، وبتعبير آخر أن يكون طالباً للحق فيبحث عنه ويطلبه من أي شخص كان ومن كل مكان حتّى لو كان الناطق‌

[1]. سفينة البحار، ج 2، ص 532 الطبعة القديمة (مادة مراء).


صفحه 257

به شخصاً من العوام وكان هو عالماً كبيراً ومعروفاً، بل حتى لو سمع كلام الحق من طفل أو كافر أو ظالم فعليه قبوله من موقع الإذعان للحق والحقيقة.

وأمّا الانصاف في الروايات الإسلامية الذي ورد الثناء البالغ عليه فالمراد منه أن يرى الشخص مصالح الآخرين كمصالحه، ولكن أحد أغصان شجرة الانصاف هو الانصاف في الكلام، حيث ورد في الحديث المعروف عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«سَيِّدُ الأَعمالِ ثَلاثَةُ:

إِنصافُ النّاسِ مِنْ نَفْسِكَ حَتّى لاترضى‌ بِشَي‌ءٍ إلّارَضِيتَ لَهُم مِثلَهُ وَمُواساتِكَ الأَخَ فِي المَالِ وَذِكُرُ اللَّهِ عَلى‌ كُلُّ حالٍ»[1].

والملفت للنظر أنّ بعض الروايات الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام تتحدّث عن أنّ الإمام عندما ضمن أربعة قصور في الجنّة لمن يعمل أربعة أعمال، فإنّه عدّ ترك المراء ثالث عمل وانصاف الناس من النفس العمل الرابع، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الانصاف في الكلام.

[1]اصول الكافي، ج 2، ص 144.


صفحه 258

11- النميمة وإصلاح ذات البين‌

تنويه:

إنّ الحياة الاجتماعية تتزامن دائماً مع أشكال التضاد والنزاع بين أفراد المجتمع، وأحد فروع التضاد والتزاحم بين الأفراد هو النزاع الكلامي الذي قديمتد ويتعمّق إلى أن يصل إلى شجار وصراع بين الأطراف وقد يصل أحياناً إلى سفك الدماء أيضاً.

فالواجب على أفراد المجتمع أن يتحرّكوا من موقع إصلاح ذات البين ورفع سوء التفاهم وتهيئة الأرضية لايجاد جو حسن الظن بين الأطراف المتنازعة وكما في الاصطلاح: يصبوا الماء على نار الصراع ويعملوا على تهدئة التوتر الناشي‌ء من حالات الشجار والتضاد.

ولكن مع الأسف فإنّ بعض الناس وبدوافع مختلفة يتحرّكون على العكس من هذا الاتّجاه وكأنّهم يريدون صبّ الزيت على النار ويرغبون في إتساع دائرة الحريق، ومن المعلوم أنّهم سيشتركون في جميع المفاسد المترتبة على هذا النزاع والصراع بين أفراد المجتمع، هؤلاء يتحرّكون في هذا الاطار على مستوى إيصال كلام هذا الطرف إلى الطرف الآخر وبالعكس وقد يضيفون بعض الكلام من أنفسهم ويوصلونه إلى الطرف المتخاصم، وهذا هو معنى (النميمة) التي هي من أسوأ الأخلاق الذميمة في النفس البشرية في حين أنّ الفئة الاولى هم المصلحون الاجتماعيون الذين يعدّ عملهم في مرتبة الجهاد في سبيل اللَّه.


صفحه 259

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 260

وقد ورد في الروايات الشريفة أنّه:«أنَّ أَجرَ المُصلِحِ بَينَ النّاسِ كَأجرِ المُجاهِدِ بَينَ أَهلِ الحِربِ»[1].

إنّ النميمة كلّما تكرّرت في سلوك الفرد فإنّ من شأنها أن تكون خلقاً وملكة وسجيّة في هذا الإنسان، ومن رذائله الأخلاقية القبيحة، وقد وردت في الآيات الكريمة والروايات الإسلامية إشارات كثيرة إلى هذه الرذيلة الأخلاقية على مستوى ذمّها وتقبيح المرتكب لها، وعلى العكس من ذلك فقد ورد المدح الكثير لعملية إصلاح ذات البين.

وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من اياته ما يتعلق بهاتين الصفتين الأخلاقيتين ثمّ نستعرض كل واحدة منهما من موقع الدوافع والنتائج والآثار الإيجابية والسلبية وطرق علاج صفة النميمة وكذلك تقوية ضدّها وهي إصلاح ذات البين:

1- «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»[2].

2- «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ»[3].

3- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»[4].

4- «مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ مُقِيتاً»[5].

5- «يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ»[6].

6- «وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِايْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»[7].

[1]. تفسير منهج الصادقين، ج 8، ص 417.

[2]. سورة الهمزة، الآية 1.

[3]. سورة القلم، الآية 10- 13.

[4]. سورة الحجرات، الآية 6.

[5]. سورة النساء، الآية 85.

[6]. سورة الانفال، الآية 1.

[7]. سورة البقرة، الآية 224.


صفحه 261

7- «لَاخَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً».[1]

8- «... إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»[2].

تفسير واستنتاج:

«الآية الاولى»:تحذّر الأشخاص الذين يتحرّكون في تعاملهم مع الآخرين من موقع السخرية والإستهزاء: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ».

أمّا تفسير (همزة) و (لمزة) والفرق بينهما هناك كلام كثير بين المفسّرين وقد تحدثنا عنه في التفسير الأمثل ذيل الآية الشريفة، والمهم هو أنّه على أحد التفاسير فإنّ المراد من الآية أعلاه هو الإشارة إلى الأشخاص الذين يتحرّكون على مستوى النميمة بين الأفراد، وقد سئل ابن عباس عن المقصود من هذه الآية، ومن هم هؤلاء الذين يهدّدهم اللَّه تعالى بالويل، فقال: ابن عباس:«هُم المَشاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ المَفَرِّقُونَ بَينَ الأَحِبَّةِ النَّاعِتُونَ لِلنّاسِ بِالعَيبِ».

ويذكر المرحوم الطبرسي في (مجمع البيان) هذا المعنى بعنوان أول تفسير له لهذه الآية، والفخر الرازي يذكره بعنوان التفسير التاسع والأخير لهذه الآية، ونظراً للمفهوم الواسع الذي يدخل في مضمون (همزة ولمزة) فإنّ كل أشكال الغيبة والنميمة والسخرية تندرج تحت مفهوم هذه الآية، وهنا نرى أنّ اللَّه تعالى قد وعد هؤلاء الأشخاص بالعقاب الشديد وهو (الحطمة) وهي النار التي سعّرها اللَّه تعالى في قلوب هؤلاء بحيث تندلع من قلوبهم لتستوعب كل وجودهم.

ويستفاد من هذه الآية أنّ نار الآخرة بخلاف نار الدنيا، فإنّها تنبع من داخل النفس وأعماق القلب ثم تسري إلى الظاهر، ولعلّ ذلك بسبب أنّ الرذائل الأخلاقية والأعمال‌

[1]. سورة النساء، الآية 114.

[2]. سورة هود، الآية 88.


صفحه 262

القبيحة تنبع من ذات الإنسان وأعماقه ثم تظهر على السطح على شكل ممارسة عملية في الواقع الخارجي.

«الآية الثانية»:تخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وتنهاه عن إطاعة هؤلاء النمّامين بعد عدّة أقسام وتقول: «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ»

وتبعاً لهذه الصفات الأخلاقية القبيحة تضيف الآيات التالية صفات اخرى من قبيل المنع من عمل الخير، العدوان، الحقد، الخشونة، الكفر بآيات اللَّه تعالى، ثم تقول: «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ» وهكذا سيفتضح أمره في الدنيا والآخرة.

أمّا ذكر النميمة في تسلسل الرذائل المهمّة الاخرى وكذلك الكفر بآيات اللَّه تعالى يدل على قبح هذه الخصلة الشنيعة في سلوك الإنسان.

وعبارة«مشّاءِ بنميم»جاءت بصيغة المبالغة، وهي إشارة إلى الأشخاص الذين يتحرّكون دائماً بين الناس بالنميمة ويثيرون العداوة والبغضاء فيما بينهم، وهذا بحدّ ذاته يعدّ من أهم الذنوب الكبيرة.

(حلّاف)يطلق على الشخص الذي يحلف ويقسم باللَّه كثيراً، وعادة فمثل هؤلاء الأشخاص لا يعتمد الناس عليهم ولا هم يعتمدون على أنفسهم، ووصفهم بكلمة (مهين) أيضاً شاهد آخر على هذا المعنى، ولهذا فإنّهم وبدافع من شعورهم بالحقارة والذلة يعيبون على الآخرين ويمشون بينهم بالنميمة والفساد وكأنّهم يتألمون ممّا يرون من المحبّة والالفة والتكاتف بين الناس ويريدون ايقاع العداوة والحقد بين الأشخاص كما هو حالهم في أنظار الناس حيث ينظر الناس إليهم نظرة الحقارة والازدراء.

«الآية الثالثة»:وطبقاً لسبب نزولها المعروف تتحدّث عن (الوليد بن عقبة) الذي أرسله رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لجمع الزكاة من قبيلة (بني المصطلق): إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم فرجع‌