بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 266

إصلاح الأخلاق، إصلاح العمل، وإصلاح الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

وذهب بعض المفسّرين في تفسير كلمة الإصلاح أنّ مفهومها هو أَنني اريد إصلاح دنياكم بالعدالة وآخرتكم بالعبادة، ولكن من الواضح أنّ الإصلاح له مفهوم واسع يستوعب العدالة وغيرها أيضاً.

ثمّ إنّ الآية الشريفة تذكر أنّ النبي شعيب عليه السلام ولغرض التوفيق في هذا الأمر المهم، أي إصلاح دين ودنيا الناس في جميع الموارد يطلب من اللَّه تعالى التوفيق لذلك يقول: «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».

واللطيف أنّ النبي شعيب عليه السلام قال هذا الكلام في حين أنّ قومه كانوا قد غرقوا في دوامة الفساد المالي والأخلاقي، بحيث كانوا يعدّون نهي شعيب إيّاهم عن عبادة الأصنام والتطفيف في الميزان والفساد المالي مخالف لحريتهم ويقولون: نحن نتعجّب منك ومن عقلك أنّك تريد أن تقف أمام حرّيتنا على مستوى الفكر والعمل، وكأنّهم مثلما نجده من بعض الناس في هذا الزمان الذين لا يدركون جيداً المفهوم الصحيح للحرّية ولا يعلمون أولا يريدون أن يعلموا أنّ الحرية التي يفتخر بها الإنسان لابدّ وأن تكون مؤطّرة باطار القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية وإلّا فإنّ مصير الناس إلى الضلال والانحراف والسقوط، وبذلك أجابهم النبي شعيب عليه السلام أنّ هدفي هو الإصلاح بالمعنى الواقعي للكلمة لا الاستسلام لأهوائكم وطموحاتكم الدنيوية.

والملفت للنظر أنّ قوم شعيب وصفوا نبيّهم بأنّه إنسان عاقل ورشيد «إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ»، ولكنّهم بمجرد أن رأوا هذا النبي يقف أمام مطامحهم ويتصدّى لإصلاح فسادهم المالي والعقائدي، فإنّهم برزوا له بالمخالفة والعناد.

ومن مجموع الآيات أعلاه تتّضح نقطتين مهمّتين:

الاولى:هي أنّ النميمة والسعي لإيجاد الاختلاف بين الناس يعدّ من أكبر الذنوب وأقبح الصفات الأخلاقية الرذيلة.


صفحه 267

الثانية:أنّ الإصلاح بين الناس يعدّ أحد الوظائف المهمّة الإلهية والإنسانية والتي لا يمكن إهمالها والتغاضي عنها بأي دليل.

النميمة في الروايات الإسلامية:

نظراً لأنّ النميمة تعدّ أشنع الظواهر الاجتماعية التي تنخر في مفاصل المجتمع البشري وتكون مصدراً ومنبعاً لكثير من المفاسد الاخرى وحتى القتل وسفك الدماء، فلذلك نجد أنّ الأحاديث الإسلامية قد نهت عن هذا السلوك الذميم بشدّة وجاء في مضامين هذه الروايات ما يثير العجب من وخامة هذه الظاهرة وبشاعة هذا السلوك ومنها:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال يوماً لأصحابه:«أَلا انَبِّئُكُم بِشَرارِكُم، قَالُوا: بَلى‌ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمِةِ وَالمُفَرِّقُونَ بَينَ الأَحِبَّةِ الباغُونَ لِلبُرآءِ المَعايبِ»[1].

النميمة بمعنى الصوت الواطي‌ء الهادي‌ء والذي يصدر من حركة شي‌ء أو اصطدام قدم الإنسان في الأرض حال المشي، وبما أنّ النّمام عادة يتحدّث من موقع النميمة بهدوء وإخفات لكي يلقي في نفس السامع أنّه يحمل إليه خبراً مهمّاً، ولذلك أطلقت هذه الكلمة على النّمام ومن يسعى بين الأشخاص من موقع التفرقة وإثارة الاختلاف‌[2].

وذهب البعض إلى أنّ النميمة في الأصل بمعنى تزيين الكلام الباطل والكاذب (لأنّ الشخص النّمام يسعى إلى أن يلبس لكلامه الكاذب لباساً جميلًا)[3].

وشبيه هذا المعنى ورد أيضاً عن أميرالمؤمنين عليه السلام‌[4].

2- وجاء في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:«الجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عِلى‌ القَتاتِينَ المَشَّائِينَ بِالنَّمِيمَةِ»[5].

[1]. وسائل الشيعة، ج 8، ص 616.

[2]. مقتبس من مفردات الراغب، (مصطلح النميمة).

[3]. مقتبس من لسان العرب (من مصطلح النميمة).

[4]. وسائل الشيعة، ج 8، ص 617.

[5]. المصدر السابق.


صفحه 268

«قتّات) من مادة قت (على وزن شط) وهي في الأصل بمعنى الكذب وإستراق السمع، سواءاً كان يحمل في طيّاته النميمة أم لا، وعليه فإنّ القتّات هو الشخص الذي يريد أن يطّلع على أسرار الناس ويسعى بينهم لإفساد ذات البين والذي يقترن أحياناً بالنميمة أيضاً.

وقد ورد في بعض الروايات وكتب اللغة أنّ القتّات والنّمام بمعنى واحد.

3- وجاء في حديث آخر عن أبي ذر رضى الله عنه عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«يا أَبا ذَر صاحِبُ النَّمِيمةِ لايَستَرِيحُ مِنْ عَذابِ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ»[1].

4- وورد في حديث آخر تعبير أشدّ عن الأشخاص النّمامين حيث قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في أحد خطبه:«وَمَنْ مَشى‌ فِي نَمِيمَةٍ بَينَ إِثنَينِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي قَبرِهِ ناراً تُحرِقُهُ إِلى‌ يَومِ القِيامَةِ»[2].

5- وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«أَصابَ بَنِي إِسرائِيلَ قَحطٌ فاستَسقى‌ مُوسى‌ مَرات فَما اجِيبَ فَأَوحى‌ اللَّهُ تَعالى‌ إِلَيهِ إِني لاأَستَجِيبُ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ وَفِيكُم نَمَّام قَدْ أَصَرَّ عَلى‌ النَّمِيمَةِ، فَقالَ مُوسى‌: يارَبِّ مَنْ هُوَ حَتّى‌ نُخرِجُهُ مِنْ بَينِنا؟

فَقالَ: يا مُوسى‌ أَنهاكُم عَنْ النَّمِيمَةِ وَأَكُونَ نَمّاماً فَتابُوا بِأَجمَعِهِم فَسُقُوا»[3].

6- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق أنّه قال:«أَربَعَةٌ لايَدخُلُونَ الجَنَّةَ: الكَاهِنُ وَالمُنافِقُ وَمُدمِنُ الخَمرِ وَالقَتَّاتُ وَهُوَ النَمامُ»[4].

7- ورد عن أمير المؤمنين صلى الله عليه و آله قوله:«النَّمامُ جِسرُ الشَّرِّ»[5].

8- وفي حديث آخر عن الإمام صلى الله عليه و آله نفسه أنّه قال:«لا تَجتَمِعُ أَمانَةٌ وَنَمِيمَةٌ»[6]، أي الشخص النمّام هو خائن أيضاً.

[1]. وسائل الشيعة، ج 8، ح 4.

[2]. المصدر السابق، ص 618، ح 6.

[3]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 276.

[4]. وسائل الشيعة، ج 8.، ص 619، ح 11 (باب تحريم النميمة).

[5]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 279.

[6]. غرر الحكم.


صفحه 269

9- ونختم البحث بحديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله رغم وجود أحاديث كثيرة في هذا الباب، قال:«إِنَّ أَحَبَّكُم إِلى‌ اللَّهِ الَّذِينَ يُؤلَفُونَ وَيَألِفُونَ وإِنَّ أَبغَضَكُم إِلى‌ اللَّهِ المَشاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَينَ الإخوانِ»«1».

ومن مجموع هذه الأحاديث يستفاد جيداً أنّ النميمة تعتبر من الذنوب الكبيرة والخطرة جدّاً وتسبب خسران الدنيا والآخرة، والأشخاص الذين يرتكبون هذا الفعل الشنيع ويفرّقون بين الأحبّة والأقرباء لا يرون سيماء الجنّه أبداً إلّابأن يتوبوا من ذنوبهم ويتحرّكون على مستوى جبران أعمالهم وإصلاح ما أفسدوه، ومن خلال هذه الروايات نرى إشارات عميقة إلى حكمة تحريم هذا العمل السي‌ء وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع حيث سيأتي تفصيل ذلك في الأبحاث اللاحقة أيضاً.

النتائج السلبية للنميمة:

سبق وأن قلنا أنّ الأساس والقاعدة الأصلية التي يقوم عليها المجتمع البشري هو الاعتماد المتقابل بين الأفراد، وهذا الاعتماد المتقابل هو سبب إتّحاد الصفوف والتعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع وبالتالي يتسبب في تقدّم المجتمع وتكامله على جميع الصُعد.

وقد أولى الإسلام أهميّة كبيرة لحفظ هذا العنصر الأساس وهو اعتماد الناس ووحدة صفوفهم وحرّم أي فعل من شأنه أن يلحق الضرر بوحدة المجتمع وقوّته، وأوجب كذلك كل فعل يسبب في تقوية شرائح المجتمع وشد أركانه (تارة من خلال الحكم الوجوبي واخرى من خلال الحكم الاستحبابي.

ولا شك أنّ النميمة هي من العوامل المهمّة للتفرقة وإيجاد سوء الظن بين أفراد المجتمع وتفضي إلى العداوة وتعميق حالة الحقد والكراهية بين الأفراد، وتارة تؤدّي إلى تلاشي الأسر وتمزّق العوائل، ولهذا السبب فإنّ الروايات المذكورة آنفاً تعدّ الشخص النّمام أشر أفراد المجتمع وأسوأهم.

[1]. آثار الصادقين، ج 24، ص 416.


صفحه 270

ونقرأ في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«إِيّاكُم وَالنِّمائِمَ فَإِنَّها الضَّغائِنِ»[1].

ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أيضاً قوله:«إِيّاكَ وَالنَّميمةَ فَإِنَّها تزرَعُ الضَّغِينَةَ وَتُبَعِّدُ عَنِ اللَّهِ وَالنّاسِ»[2].

وجاء في أحاديث اخرى التعبير بكلمة (شحناء) والتي تأتي بمعنى العداوة والضغينة أيضاً، ويتّضح من الأحاديث الشريفة السابقة أنّ النمّام هو أسوأ خلق اللَّه تعالى بسبب سعيه للتفرقة بين الأحبّة والأصدقاء وتحرّكه من موقع إتّهام الأشخاص الطاهرين.

ومضافاً إلى ذلك فإنّ الشخص النّمام يعيش في المجتمع منفوراً ومطروداً، لأنّ طرفي النزاع اللذين استمعا لكلامه وصدقا به فإنّهما غالباً يندمان بعد ذلك ويجدان في أنفسهما الكراهية الشديدة للشخص الذي سبب الفرقة بينهما ويلعنانه ويحذّران الناس من الاتّصال مع هذا الشخص والتصديق بأقواله، وقد مرّ علينا في أحد الأحاديث الشريفة أنّ النمام بعيد عن اللَّه وبعيد عن خلق اللَّه.

والإمام الصادق عليه السلام يشبّه النّمام بالساحر الذي يفرّق بين الأحبّة بسحره ويقول في حديث مختصر وعميق المغزى:«إِنّ مِنْ أَكبَرِ السِّحرِ النَّمِيمَةِ يُفَرِّقُ بِها بَينَ المُتَحابِينَ وَيَجلِبُ العَداوَةَ عَلى‌ المُتَصافِّينَ وَيَسفِكُ بِها الدِّماءَ وَيَهدِمُ الدُّورَ وَيَكشِفُ بِها السُّتُورَ، وَالنَّمامِ أَشرُّ مَنْ وَطأ عَلَى الأرضِ بِقَدَمِ»[3].

وطبعاً النميمة ليست بسحر، ولكنّها تحمل في نتائجها آثار السحر، ولذلك فإنّ الإمام قال عنها أنّها من أكبر أنواع السحر.

والجدير بالذكر أنّ النميمة لها أثر تخريبي كبير وعادة تكون العناصر المخرّبة أقوى أثراً وأسرع نتيجة من العناصر الخيّرة والمصلحة، لأنّ الأرضية لسوء الظن موجودة في القلوب، وعندما يتحرّك النّمام في إثارتها وتفعيلها فإنّها تتحرّك بسرعة وتستيقظ بذلك عناصر الشر

[1]. بحار الانوار، ج 68، ص 293، ح 63.

[2]. غرر الحكم.

[3]. بحار الانوار، ج 60، ص 21، ح 14.


صفحه 271

في واقع الإنسان ونفسه، ومن الممكن أن تقوم كلمات قليلة بعملية التفرقة بين صديقين حميمين مضى على صداقتهما أربعون سنة، كما أنّ بناء سد مفيد لخزن المياه يمكن أن يستغرق عشرات السنين ولكنّ تخريبه وإنهدامه بواسطة الديناميت والمواد المتفجرة قد لا يستغرق سوى بضع ساعات، ونختم هذا الكلام بالحديث الشريف عن الإمام الصادق حيث قال:«السَّاعِي قاتِلُ ثَلاثَةٍ، قاتِلُ نَفسَهِ وَقاتِلُ مَنْ يُسعى‌ بِهِ وَقاتِلُ مَن يُسعى‌ لَهُ»[1].

الكثير من الموارد المشهودة في حالات الامراء والملوك تبيّن أنّ من سعى إليهم بالنميمة ضدّ شخص آخر فإنّه يلاقي حتفه على يدهم، وبهذه الصورة يكون الساعي أي النّمام قاتل نفسه أمام اللَّه تعالى، وكذلك الشخص الذي سعى إليه بالوشاية لأجل عدم التحقيق الكافي فَكأنّه قتل بيد ذلك الساعي لأنّه قتل بريئاً.

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ بعض العلماء وأرباب اللغة ذهبوا إلى إشراك السعاية والنميمة في المعنى في حين أنّه من الممكن وجود فرق بينهما (رغم أنّهما متشابهان جدّاً) فالنميمة هي التفرقة بين صديقين أو بين قريبين أو شريكين، ولكنّ السعاية هي أن يتحدّث الشخص بعيوب شخص آخر عند كبير من الكبراء، وبهذا يعرض ذلك الشخص إلى الخطر، ولذلك وردت السعاية في كثير من الروايات بعنوان السعاية عند السلطان وأمثال ذلك، ولكن تشابههما في المعنى تسبب في أن يذكران تحت عنوان واحد.

دوافع النميمة:

وهذا الصفة الرذيلة كسائر الصفات الاخرى ترتبط مع الكثير من الرذائل الأخلاقية برابطة وثيقة، ومنها الحسد، لأنّ الشخص الحسود لا يتمكن أن يتحمل سعادة الآخرين وراحتهم والمودّة التي تحكم بين الأفراد المتحابين والتعاون والتكاتف الذي يرى في تعاملهما وحياتهما المشتركة، ويتألم ممّا يرى من روابط المودّة ووشائج المحبّة بين الزوجين والعوائل فيما بينهم، ولذلك يسعى من خلال النميمة أن يزرع بذور الفرقة وسوء

[1]. الخصال، للشيخ الصدوق، 22، الباب 3.


صفحه 272

الظن بين هؤلاء الناس ويغرس العداوة والنزاع بين الأفراد.

ومن الدوافع الاخرى للنميمة هو حبّ الدنيا، لأنّ المحبّ للدنيا والعاشق لها يرغب في زرع نبتة الاختلاف والفرقة بين الناس ويرى أنّ كسبه وعمله الاقتصادي والاجتماعي في تقوية عناصر الشر والكراهية بين الأفراد.

النفاق يعدّ عاملًا مهمّاً آخر من عوامل النميمة ودوافعها، يقول القرآن الكريم عن المنافقين: «أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَايَشْعُرُونَ»[1].

أجل فعملهم هو إيجاد الفساد والفتنة بأي وسيلة كانت، ونقرأ في الحديث الشريف عن الإمام الصادق قوله:«عَلامَةُ النِّفاقِ الحَثُّ عَلَى النَّمِيمَةِ»[2].

فمثل هذا الشخص يذهب إلى تلك الجهة، ويبدأ ببيان معايب الجهة الاخرى ويذمّها ويتظاهر بأنّه إنّما يريد الخير لهذا الطرف دون ذاك، فيلقي بكلامه المسموم لدى هؤلاء، ثمّ يتوجّه إلى الطرف المقابل ويكرّر نفس هذا العمل أيضاً، فهذا الشخص هو مصداق للإنسان ذي الوجهين وذي اللّسانين والذي يهدف إلى إيجاد التفرقة والاختلاف وزيادة حدّة الصراع الاجتماعي والتضاد الفئوي كيما يجد له فرصة من العيش وفسحة من الوقت.

العامل الآخر من العوامل الموروثة للنميمة هو ما يسمّى‌ في هذا العصر بالمرض الأخلاقي (السادية)، فبعض الأفراد وبسبب عقدة الحقارة أو حبّ الانتقام أو الانحرافات والأمراض النفسية الاخرى يجدون لذّة وراحة من أذى‌ الآخرين والإضرار بهم، ويتألمون ويحزنون عندما يرون الناس يعيشون براحة ونعمة، فهؤلاء الأشخاص يتحرّكون لهدم وحدة المجتمع وتدمير سعادة الناس من خلال السعاية بالآخرين والنميمة ثم يجلسون جانباً ويشاهدون بلّذة الصراع والنزاع الدائر بين الأطراف والفئات الاجتماعية.

ويستفاد من بعض الروايات أنّ أحد الأسباب في تفعيل حالة النميمة وإيجاد هذه الصفة في النفس هو عدم طهارة المولد وعدم نقاء النطفة (وطبعاً هذا العامل لا يعدّ عامل اجبار، بل‌

[1]. سورة البقرة، الآية 12.

[2]. بحار الانوار، ج 69، ص 207، ح 8.


صفحه 273

يهي‌ء الأرضية لذلك أي من العوامل المساعدة لظهور المرض) كما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«السَّاعِي إِلَى النَّاسِ لِغَيرِ رُشدِهِ»[1].

أي يسير في مسير الباطل، ذكر البعض أنّ (لغير رشده) يعني أنّه ليس بولد حلال.

ومن الأسباب الاخرى الاعتياد على الكذب، فالإنسان الذي يعتاد على الكذب ويتعامل في حياته مع الآخرين من موقع الإصرار على الكذب يجد في نفسه دافعاً، لأنّ ينقل لهذا الشخص خبراً كاذباً عن ذلك الشخص ويوقع بينهما بحيث يؤدّي إلى ارباك العلاقة بينهما وافسادها.

وفي الحديث المطوّل عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حول علائم الصفات الإيجابية والسلبية نقرأ:«أَمّا عَلامَةُ الكَذَّابِ فَأَربَعَةٌ ... إِنْ قالَ لَم يَصدُق وإِنْ قِيلَ لَهُ لَم يُصَدِّق وَالنَّمِيمَةُ وَالبُهتُ»[2].

يعني عندما تتجذّر صفة الكذب في أعماق الإنسان يظهر على سلوكه هذه الأفعال الأربعة.

طرق العلاج:

ولابدّ لغرض علاج هذه الظاهرة المشؤمة في سلوك الفرد الأخلاقي وقطع جذورها من واقع الإنسان ونفسه من الذهاب والتوجّه إلى العلل والدوافع، ومن المعلوم أنّه مادام عنصر الحسد، وحبّ الدنيا، والنفاق، وحبّ العدوان، والانتقام، التي تمثّل الدوافع الأصلية لهذه الظاهرة الذميمة، باقية في وجود الإنسان فإنّ هذه الرذيلة الأخلاقية باقية كذلك ولا يمكن إزالتها بسهولة من باطن الإنسان، ومن الممكن للإنسان أن يحدّد أو يزيل هذه الخصلة بعزم شديد وتصميم قوي لمدّة محدودة ولكنها تظهر في مواطن معينة لاحقاً.

ولا ننسى أنّ الكثير من الفضائل أو الرذائل الأخلاقية بينها تأثير متقابل وكل واحد منها

[1]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 270.

[2]. بحار الانوار، ج 1، ص 122.