«قتّات) من مادة قت (على وزن شط) وهي في الأصل بمعنى الكذب وإستراق السمع، سواءاً كان يحمل في طيّاته النميمة أم لا، وعليه فإنّ القتّات هو الشخص الذي يريد أن يطّلع على أسرار الناس ويسعى بينهم لإفساد ذات البين والذي يقترن أحياناً بالنميمة أيضاً.
وقد ورد في بعض الروايات وكتب اللغة أنّ القتّات والنّمام بمعنى واحد.
3- وجاء في حديث آخر عن أبي ذر رضى الله عنه عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«يا أَبا ذَر صاحِبُ النَّمِيمةِ لايَستَرِيحُ مِنْ عَذابِ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ»[1].
4- وورد في حديث آخر تعبير أشدّ عن الأشخاص النّمامين حيث قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في أحد خطبه:«وَمَنْ مَشى فِي نَمِيمَةٍ بَينَ إِثنَينِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي قَبرِهِ ناراً تُحرِقُهُ إِلى يَومِ القِيامَةِ»[2].
5- وفي حديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«أَصابَ بَنِي إِسرائِيلَ قَحطٌ فاستَسقى مُوسى مَرات فَما اجِيبَ فَأَوحى اللَّهُ تَعالى إِلَيهِ إِني لاأَستَجِيبُ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ وَفِيكُم نَمَّام قَدْ أَصَرَّ عَلى النَّمِيمَةِ، فَقالَ مُوسى: يارَبِّ مَنْ هُوَ حَتّى نُخرِجُهُ مِنْ بَينِنا؟
فَقالَ: يا مُوسى أَنهاكُم عَنْ النَّمِيمَةِ وَأَكُونَ نَمّاماً فَتابُوا بِأَجمَعِهِم فَسُقُوا»[3].
6- وفي حديث آخر عن الإمام الصادق أنّه قال:«أَربَعَةٌ لايَدخُلُونَ الجَنَّةَ: الكَاهِنُ وَالمُنافِقُ وَمُدمِنُ الخَمرِ وَالقَتَّاتُ وَهُوَ النَمامُ»[4].
7- ورد عن أمير المؤمنين صلى الله عليه و آله قوله:«النَّمامُ جِسرُ الشَّرِّ»[5].
8- وفي حديث آخر عن الإمام صلى الله عليه و آله نفسه أنّه قال:«لا تَجتَمِعُ أَمانَةٌ وَنَمِيمَةٌ»[6]، أي الشخص النمّام هو خائن أيضاً.
[1]. وسائل الشيعة، ج 8، ح 4.
[2]. المصدر السابق، ص 618، ح 6.
[3]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 276.
[4]. وسائل الشيعة، ج 8.، ص 619، ح 11 (باب تحريم النميمة).
[5]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 279.
[6]. غرر الحكم.
9- ونختم البحث بحديث آخر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله رغم وجود أحاديث كثيرة في هذا الباب، قال:«إِنَّ أَحَبَّكُم إِلى اللَّهِ الَّذِينَ يُؤلَفُونَ وَيَألِفُونَ وإِنَّ أَبغَضَكُم إِلى اللَّهِ المَشاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَينَ الإخوانِ»«1».
ومن مجموع هذه الأحاديث يستفاد جيداً أنّ النميمة تعتبر من الذنوب الكبيرة والخطرة جدّاً وتسبب خسران الدنيا والآخرة، والأشخاص الذين يرتكبون هذا الفعل الشنيع ويفرّقون بين الأحبّة والأقرباء لا يرون سيماء الجنّه أبداً إلّابأن يتوبوا من ذنوبهم ويتحرّكون على مستوى جبران أعمالهم وإصلاح ما أفسدوه، ومن خلال هذه الروايات نرى إشارات عميقة إلى حكمة تحريم هذا العمل السيء وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع حيث سيأتي تفصيل ذلك في الأبحاث اللاحقة أيضاً.
النتائج السلبية للنميمة:
سبق وأن قلنا أنّ الأساس والقاعدة الأصلية التي يقوم عليها المجتمع البشري هو الاعتماد المتقابل بين الأفراد، وهذا الاعتماد المتقابل هو سبب إتّحاد الصفوف والتعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع وبالتالي يتسبب في تقدّم المجتمع وتكامله على جميع الصُعد.
وقد أولى الإسلام أهميّة كبيرة لحفظ هذا العنصر الأساس وهو اعتماد الناس ووحدة صفوفهم وحرّم أي فعل من شأنه أن يلحق الضرر بوحدة المجتمع وقوّته، وأوجب كذلك كل فعل يسبب في تقوية شرائح المجتمع وشد أركانه (تارة من خلال الحكم الوجوبي واخرى من خلال الحكم الاستحبابي.
ولا شك أنّ النميمة هي من العوامل المهمّة للتفرقة وإيجاد سوء الظن بين أفراد المجتمع وتفضي إلى العداوة وتعميق حالة الحقد والكراهية بين الأفراد، وتارة تؤدّي إلى تلاشي الأسر وتمزّق العوائل، ولهذا السبب فإنّ الروايات المذكورة آنفاً تعدّ الشخص النّمام أشر أفراد المجتمع وأسوأهم.
[1]. آثار الصادقين، ج 24، ص 416.
ونقرأ في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«إِيّاكُم وَالنِّمائِمَ فَإِنَّها الضَّغائِنِ»[1].
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أيضاً قوله:«إِيّاكَ وَالنَّميمةَ فَإِنَّها تزرَعُ الضَّغِينَةَ وَتُبَعِّدُ عَنِ اللَّهِ وَالنّاسِ»[2].
وجاء في أحاديث اخرى التعبير بكلمة (شحناء) والتي تأتي بمعنى العداوة والضغينة أيضاً، ويتّضح من الأحاديث الشريفة السابقة أنّ النمّام هو أسوأ خلق اللَّه تعالى بسبب سعيه للتفرقة بين الأحبّة والأصدقاء وتحرّكه من موقع إتّهام الأشخاص الطاهرين.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ الشخص النّمام يعيش في المجتمع منفوراً ومطروداً، لأنّ طرفي النزاع اللذين استمعا لكلامه وصدقا به فإنّهما غالباً يندمان بعد ذلك ويجدان في أنفسهما الكراهية الشديدة للشخص الذي سبب الفرقة بينهما ويلعنانه ويحذّران الناس من الاتّصال مع هذا الشخص والتصديق بأقواله، وقد مرّ علينا في أحد الأحاديث الشريفة أنّ النمام بعيد عن اللَّه وبعيد عن خلق اللَّه.
والإمام الصادق عليه السلام يشبّه النّمام بالساحر الذي يفرّق بين الأحبّة بسحره ويقول في حديث مختصر وعميق المغزى:«إِنّ مِنْ أَكبَرِ السِّحرِ النَّمِيمَةِ يُفَرِّقُ بِها بَينَ المُتَحابِينَ وَيَجلِبُ العَداوَةَ عَلى المُتَصافِّينَ وَيَسفِكُ بِها الدِّماءَ وَيَهدِمُ الدُّورَ وَيَكشِفُ بِها السُّتُورَ، وَالنَّمامِ أَشرُّ مَنْ وَطأ عَلَى الأرضِ بِقَدَمِ»[3].
وطبعاً النميمة ليست بسحر، ولكنّها تحمل في نتائجها آثار السحر، ولذلك فإنّ الإمام قال عنها أنّها من أكبر أنواع السحر.
والجدير بالذكر أنّ النميمة لها أثر تخريبي كبير وعادة تكون العناصر المخرّبة أقوى أثراً وأسرع نتيجة من العناصر الخيّرة والمصلحة، لأنّ الأرضية لسوء الظن موجودة في القلوب، وعندما يتحرّك النّمام في إثارتها وتفعيلها فإنّها تتحرّك بسرعة وتستيقظ بذلك عناصر الشر
[1]. بحار الانوار، ج 68، ص 293، ح 63.
[2]. غرر الحكم.
[3]. بحار الانوار، ج 60، ص 21، ح 14.
في واقع الإنسان ونفسه، ومن الممكن أن تقوم كلمات قليلة بعملية التفرقة بين صديقين حميمين مضى على صداقتهما أربعون سنة، كما أنّ بناء سد مفيد لخزن المياه يمكن أن يستغرق عشرات السنين ولكنّ تخريبه وإنهدامه بواسطة الديناميت والمواد المتفجرة قد لا يستغرق سوى بضع ساعات، ونختم هذا الكلام بالحديث الشريف عن الإمام الصادق حيث قال:«السَّاعِي قاتِلُ ثَلاثَةٍ، قاتِلُ نَفسَهِ وَقاتِلُ مَنْ يُسعى بِهِ وَقاتِلُ مَن يُسعى لَهُ»[1].
الكثير من الموارد المشهودة في حالات الامراء والملوك تبيّن أنّ من سعى إليهم بالنميمة ضدّ شخص آخر فإنّه يلاقي حتفه على يدهم، وبهذه الصورة يكون الساعي أي النّمام قاتل نفسه أمام اللَّه تعالى، وكذلك الشخص الذي سعى إليه بالوشاية لأجل عدم التحقيق الكافي فَكأنّه قتل بيد ذلك الساعي لأنّه قتل بريئاً.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ بعض العلماء وأرباب اللغة ذهبوا إلى إشراك السعاية والنميمة في المعنى في حين أنّه من الممكن وجود فرق بينهما (رغم أنّهما متشابهان جدّاً) فالنميمة هي التفرقة بين صديقين أو بين قريبين أو شريكين، ولكنّ السعاية هي أن يتحدّث الشخص بعيوب شخص آخر عند كبير من الكبراء، وبهذا يعرض ذلك الشخص إلى الخطر، ولذلك وردت السعاية في كثير من الروايات بعنوان السعاية عند السلطان وأمثال ذلك، ولكن تشابههما في المعنى تسبب في أن يذكران تحت عنوان واحد.
دوافع النميمة:
وهذا الصفة الرذيلة كسائر الصفات الاخرى ترتبط مع الكثير من الرذائل الأخلاقية برابطة وثيقة، ومنها الحسد، لأنّ الشخص الحسود لا يتمكن أن يتحمل سعادة الآخرين وراحتهم والمودّة التي تحكم بين الأفراد المتحابين والتعاون والتكاتف الذي يرى في تعاملهما وحياتهما المشتركة، ويتألم ممّا يرى من روابط المودّة ووشائج المحبّة بين الزوجين والعوائل فيما بينهم، ولذلك يسعى من خلال النميمة أن يزرع بذور الفرقة وسوء
[1]. الخصال، للشيخ الصدوق، 22، الباب 3.
الظن بين هؤلاء الناس ويغرس العداوة والنزاع بين الأفراد.
ومن الدوافع الاخرى للنميمة هو حبّ الدنيا، لأنّ المحبّ للدنيا والعاشق لها يرغب في زرع نبتة الاختلاف والفرقة بين الناس ويرى أنّ كسبه وعمله الاقتصادي والاجتماعي في تقوية عناصر الشر والكراهية بين الأفراد.
النفاق يعدّ عاملًا مهمّاً آخر من عوامل النميمة ودوافعها، يقول القرآن الكريم عن المنافقين: «أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَايَشْعُرُونَ»[1].
أجل فعملهم هو إيجاد الفساد والفتنة بأي وسيلة كانت، ونقرأ في الحديث الشريف عن الإمام الصادق قوله:«عَلامَةُ النِّفاقِ الحَثُّ عَلَى النَّمِيمَةِ»[2].
فمثل هذا الشخص يذهب إلى تلك الجهة، ويبدأ ببيان معايب الجهة الاخرى ويذمّها ويتظاهر بأنّه إنّما يريد الخير لهذا الطرف دون ذاك، فيلقي بكلامه المسموم لدى هؤلاء، ثمّ يتوجّه إلى الطرف المقابل ويكرّر نفس هذا العمل أيضاً، فهذا الشخص هو مصداق للإنسان ذي الوجهين وذي اللّسانين والذي يهدف إلى إيجاد التفرقة والاختلاف وزيادة حدّة الصراع الاجتماعي والتضاد الفئوي كيما يجد له فرصة من العيش وفسحة من الوقت.
العامل الآخر من العوامل الموروثة للنميمة هو ما يسمّى في هذا العصر بالمرض الأخلاقي (السادية)، فبعض الأفراد وبسبب عقدة الحقارة أو حبّ الانتقام أو الانحرافات والأمراض النفسية الاخرى يجدون لذّة وراحة من أذى الآخرين والإضرار بهم، ويتألمون ويحزنون عندما يرون الناس يعيشون براحة ونعمة، فهؤلاء الأشخاص يتحرّكون لهدم وحدة المجتمع وتدمير سعادة الناس من خلال السعاية بالآخرين والنميمة ثم يجلسون جانباً ويشاهدون بلّذة الصراع والنزاع الدائر بين الأطراف والفئات الاجتماعية.
ويستفاد من بعض الروايات أنّ أحد الأسباب في تفعيل حالة النميمة وإيجاد هذه الصفة في النفس هو عدم طهارة المولد وعدم نقاء النطفة (وطبعاً هذا العامل لا يعدّ عامل اجبار، بل
[1]. سورة البقرة، الآية 12.
[2]. بحار الانوار، ج 69، ص 207، ح 8.
يهيء الأرضية لذلك أي من العوامل المساعدة لظهور المرض) كما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«السَّاعِي إِلَى النَّاسِ لِغَيرِ رُشدِهِ»[1].
أي يسير في مسير الباطل، ذكر البعض أنّ (لغير رشده) يعني أنّه ليس بولد حلال.
ومن الأسباب الاخرى الاعتياد على الكذب، فالإنسان الذي يعتاد على الكذب ويتعامل في حياته مع الآخرين من موقع الإصرار على الكذب يجد في نفسه دافعاً، لأنّ ينقل لهذا الشخص خبراً كاذباً عن ذلك الشخص ويوقع بينهما بحيث يؤدّي إلى ارباك العلاقة بينهما وافسادها.
وفي الحديث المطوّل عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حول علائم الصفات الإيجابية والسلبية نقرأ:«أَمّا عَلامَةُ الكَذَّابِ فَأَربَعَةٌ ... إِنْ قالَ لَم يَصدُق وإِنْ قِيلَ لَهُ لَم يُصَدِّق وَالنَّمِيمَةُ وَالبُهتُ»[2].
يعني عندما تتجذّر صفة الكذب في أعماق الإنسان يظهر على سلوكه هذه الأفعال الأربعة.
طرق العلاج:
ولابدّ لغرض علاج هذه الظاهرة المشؤمة في سلوك الفرد الأخلاقي وقطع جذورها من واقع الإنسان ونفسه من الذهاب والتوجّه إلى العلل والدوافع، ومن المعلوم أنّه مادام عنصر الحسد، وحبّ الدنيا، والنفاق، وحبّ العدوان، والانتقام، التي تمثّل الدوافع الأصلية لهذه الظاهرة الذميمة، باقية في وجود الإنسان فإنّ هذه الرذيلة الأخلاقية باقية كذلك ولا يمكن إزالتها بسهولة من باطن الإنسان، ومن الممكن للإنسان أن يحدّد أو يزيل هذه الخصلة بعزم شديد وتصميم قوي لمدّة محدودة ولكنها تظهر في مواطن معينة لاحقاً.
ولا ننسى أنّ الكثير من الفضائل أو الرذائل الأخلاقية بينها تأثير متقابل وكل واحد منها
[1]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 270.
[2]. بحار الانوار، ج 1، ص 122.
يعدّ سبباً وعلّة للآخر وأحياناً مسبباً ومعلولًا، وذلك في حالات ومواطن مختلفة.
ومن جهة اخرى فإنّ التأمل في الآثار السلبية الكثيرة المترتبة على النميمة والسعاية والتي تورث المجتمع الدمار والخراب وتفضي إلى عواقب وخيمة على مستوى العوائل والاسر كما تقدّم تفصيل ذلك في الأبحاث السابقة، وكذلك ما يترتّب على النميمة من العذاب الإلهي في الدنيا والآخرة فإنّ ذلك يشكل عاملًا مهمّاً من عوامل التصدي لاستفحال هذه الظاهرة والحالة الذميمة وبالتالي إزالتها من موقع النفس.
إنّ الشخص النّمام وخاصة إذا كان قد إعتاد على النميمة يجب عليه أن يأخذ بنظر الاعتبار الآثار الوخيمة الاجتماعية والعقوبات الإلهية المترتبة على هذا العمل ويعيد إلى ذهنه هذا المعنى كل يوم ويلقّن نفسه أنّ عاقبة النميمة والسعاية هي هذه وهذه، وإلّا فإنّ الوساوس الشيطانية والأهواء النفسية لا تدعه لحاله.
معاشرة الأفراد المؤمنين يمكنها أن تكون عاملًا آخر من عوامل التصدّي للنميمة، لأنّ الشخص المبتلى بهذا المرض عندما يتحدّث في مجالس المؤمنين ويرى أنّهم لا يعتنون بكلامه ولا يهتمّون لأقواله وقد يطرودنه من مجالسهم بسبب ذلك، فإنّه سينته بسرعة إلى عدم وجود المشتري لكلامه، بل إنّ كلامه تسبب في نفرة الناس من حوله وسوء ظنّهم به، ونفس هذا الأمر يقوي فيه الإرادة على ترك هذا العمل القبيح وقد ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«أَكذِبِ السِّعايَةَ وَالنَّمِيمَةَ باطِلةً كانَتْ أَو صَحِيحَةً»[1].
ونقرأ في حديث آخر أنّ رجلًا جاء بكتاب له إلى أميرالمؤمنين عليه السلام كتب فيه النميمة عن شخص آخر فقال له الإمام عليه السلام:«إِنْ كُنتَ صادِقاً مَقَتناكَ وإِنْ كُنتَ كاذِباً عاقَبناكَ وإِن أَحببتَ القَيلَ أَقَلناكَ، قالَ: بَل تُقِيلُني يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ»[2].
ومن الجدير بالذكر أنّ الأشخاص الذين يتحرّكون نحوك بالنميمة والتحدّث بالسوء عن شخص آخر فإنّهم سوف يتحدّثون عنك بسوء لدى ذلك الشخص أيضاً كما ورد في روضة
[1]. غرر الحكم.
[2]. ميزان الحكمة، ج 4، ص 685؛ ومثله في بحار الانوار، ج 72، ص 270.
بحار الانوار عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«وَمَنْ نَمَّ إِلَيكَ سَيَنُّمُ عَلَيكَ»[1].
وآخر كلام فيهذا الباب هو أنّ أغلب المفاسد الأخلاقية الكامنة في الصفات الرذيلة ناشئة من ضعف الإيمان، فكلما سعى الشخص لتقوية دعائم إيمانه باللَّه تعالى واليوم الآخر، فإنّ هذه الرذائل سوف تتلاشى وتزول من باطنه تدريجياً.
موارد الاستثناء:.
إنّ حرمة النميمة بعنوان أنّها من الذنوب الكبيرة والقبيحة في نظر علماء الأخلاق يعدّ أصلًا أساسياً يجب الإهتمام به دائماً، ولكن في بعض الأحيان يمكن أن يكون لهذا الحكم استثناءات كما هو الحال في سائر الأحكام الشرعية حيث يكون نقل الكلام من هذا إلى ذاك ليس جائزاً فحسب، بل يكون واجباً، ومن تلك الموارد ما إذا شعر الإنسان أنّ الشخص الفلاني أو الفئة الفلانية تريد قتل زيد من الناس وكانت المسألة جدّية، فهنا يكون نقل كلامهم إلى زيد ليتّخذ جانب الحذر والاحتياط ويبتعد عن الخطر من الواجبات لإنقاذ نفس بريئة، كما حدث ذلك لموسى عليه السلام بعدما قتل القبطي المعتدي فجاء أحد الأشخاص وقال له:
«إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ»[2].
وأحياناً تؤدّي النميمة نتائج إيجابية للمؤمنين تعمل على إيجاد الفرقة والاختلاف في صفوف الأعداء، فهذا المورد من موارد الجواز أو الوجوب كما ورد في قصّة (نعيم بن مسعود) في حرب الأحزاب حيث أوقع الفرقة والاختلاف بين طائفتين من أعداء المسلمين وهم المشركون واليهود بما نقل من كلمات هؤلاء لهؤلاء وبالعكس فكانت النتيجة إساءة الظنّ بينهم وتخاذلهم عن قتال المسلمين.
ولكنّ مثل هذه الاستثناءات نادرة جدّاً فلا ينبغي أن تكون ذريعة للتلّوث بهذه الخطيئة وقبول كلام من يسعى بالنميمة بين الناس، ففي الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه
[1]. بحار الانوار، ج 75، ص 230.
[2]. سورة القصص، الآية 20.