بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 278

وَإصلاحٌ بَينَ النِّاسِ قِيلَ جُعِلتُ فِداكَ ما الإِصلاحُ بَينَ النّاسِ؟ قالَ: تَسمَعُ مِنَ الرَّجُلِ كَلاماً يَبلُغُهُ فَتَخبُتُ نَفسُهُ فَتَلقاهُ فَتَقُولُ سِمِعتُ مِنْ فُلانٍ قَالَ فِيكَ مِنَ الخَيرِ كَذا وَكَذا خِلافَ ما سَمِعتَ مِنهُ»[1].

ويقول المرحوم العلّامة المجلسي في شرح هذا الحديث: «وهذا القول وإن كان كذباً لغة وعرفاً جائز لقصد الإصلاح بين الناس، وكأنّه لا خلاف فيه عند أهل الإسلام، والظاهر أنّه لا تورية ولا تعريض فيه وإن أمكن أن يقصد تورية بعيدة كأن ينوي أنّه كان حقّه أن يقول كذا، ولو صافيته لقال فيك كذا، ولكنه بعيد»[2].

ولا شك أنّ الكلام يحتمل وجهين، فامّا مطابق للواقع ومخالف له، فالأول يدعى‌ صدقاً والثاني كذباً، ولكن بما أنّ الكلام المخالف للواقع بدوره على قسمين: فإمّا أن يكون موجباً للفساد أو موجباً للصلاح، فإنّ الإمام قد فصّل بين هذين القسمين وقرّر بأنّ القسم الموجب للصلاح هو قسم ثالث من أقسام الكلام.

ومن مجموع ما تقدّم من الأحاديث الشريفة يتّضح جيداً أنّ من بين أعمال الخير يندر وجود عمل مهم وفضيلة أخلاقية تكون في مرتبة إصلاح ذات البين، فهي إلى درجة أنّ الملائكة تصلّي على هذا الشخص المصلح ويكون عمله أسمى وأفضل من الصلاة والصوم بل يكون في مرتبة الجهاد في سبيل اللَّه.

ومن البديهي أَنّ إصلاح ذات البين لا يتسبب في الخير والصلاح على المستوى الفردي فحسب، بل يتسبب في إنسجام طوائف المجتمع وتقوية دعائمه وتوطيد أركان المحبّة والمودّة بين أفراده، وهذا الاتّحاد والانسجام يتسبب في انتصار وعزّة المجتمع الإسلامي في حركة التقدّم الحضاري والإنساني.

طرق إصلاح ذات البين:

إنّ عملية الإصلاح بين الناس على شكل أفراد أو جماعات وطوائف هو عمل معّقد

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 341، ح 16.

[2]. بحار الانوار، ج 72، ص 252، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 19.


صفحه 279

ودقيق ولا سيما إذا كانت العداوة والكراهية قد توغّلت في الأعماق، ولهذا فقد يستغرق تحقيق هذا المعنى وقتاً طويلًا، ولابدّ من مراعاة بعض الدقائق والنكات الظريفة في هذا السبيل، وكذلك يحتاج إلى التعرّف على بعض مبادي‌ء علم النفس وتوصيات علماء النفس في هذا المجال، ومن المعلوم أنّ الوصول إلى هذا الهدف المؤثر لابدّ له من رعاية بعض الاصول والنقاط المهمّة، ومنها:

1- العثور على جذور الاختلاف والنفاق، لأنّ الإنسان ما لم يعرف الأسباب ويبحث في جذور المشكلة، فإنّ علاجها يكون عسيراً للغاية، فلو أنّ الإنسان تحرّك على مستوى البحث على جذور الخلاف والنزاع وسعى إلى إزالة هذه الأسباب والجذور من واقع النفس لدى المتخاصمين فإنّه يحصل على النتيجة أسرع.

2- إنّ التسّرع في عملية إصلاح ذات البين في كثير من الموارد تعطي نتائج معكوسة، وخاصة إذا كانت الاختلافات عميقة ومتجذرة، ففي هذه الموارد يجب دراسة أوجه الاختلاف بدقّة وأحياناً يتطلب ذلك كتابتها في دفتر وبالأرقام ثمّ تحليلها ودراستها وحلّها واحدة بعد الاخرى، ويعطي لكلّ طرف من المتخاصمين إمتيازات معقولة وبهذا يوجد التعادل والانسجام بينهما ويترتب على ذلك النجاح في عملية الإصلاح.

3- يجب الاستفادة من المسائل العاطفية والدينية أفضل استفادة من خلال تلاوة بعض الآيات القرآنية والروايات الشريفة التي من شأنها تحريك عناصر الخير وعواطف المحبّة في نفوس المتخاصمين، والسعي لدعم شخصية كل طرف لكي يتحرّك باتّجاه الطرف الآخر على مستوى العفو والصفح من موقع الاحساس لشخصيته وكرامته لا من موقع الاجبار والإذعان للأمر الواقع.

4- وأحياناً يجب على المصلح أن يضحي بشي‌ء من الأشياء وعلى سبيل المثال يدفع للطرفين المتخاصمين مبلغاً من المال أو يهدي لهما هدية كما قرأنا في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام الذي خاطب فيه المفضّل، ومن المعلوم أنّ المال الذي ينفق في هذا السبيل يعدّ من أفضل أنواع الانفاق في سبيل اللَّه.


صفحه 280

5- إنّ المصلح يجب أن يتوقّى‌ التحيز إلى أحد الطرفين ويتجنّب ذلك مهما أمكن وبعبارة اخرى أن يكون محايداً وفي نفس الوقت محبّاً ونصوحاً إلى كل واحد من الطرفين، لأنّ أي تحيز إلى أحدهما سوف يمنعه من الوصول إلى النتيجة المطلوبة، وطبعاً يستثنى‌ من ذلك الأشخاص الذين لم يتعلّموا المنطق الإنساني ولا يتعاملون إلّامن موقع الجهل والتعصّب والعناد أمام الحق وعملية الإصلاح فإنّه ينبغي سلوك طريق آخر معهم كما تقدّم في تفسير الآيات أعلاه.

6- وفي كثير من المواقع يحتاج الإصلاح إلى سلوك طريق طويل محفوف بالمكاره ويحتاج إلى الصبر والتأنّي والتعامل مع القضية ببرود الأعصاب، فالشخص المصلح لا ينبغي أن ييأس بسرعة ويوصد الأبواب أمامه، بل يجب أن يعلم أنّ أشدّ التعقيدات الاجتماعية وأعمق المشكلات يمكن حلّها بالصبر والتأنّي والتفكير والتدبير، وعليه فإذا لم يفلح في مرحلة من المراحل فلا ينبغي أن يعلن فشله ويتراجع عن مسيرته الإصلاحية.

وبتعبير آخر: إنّ الافساد بين الناس عمل تخريبي يسير ولكن الإصلاح له بعد بناء ومعقّد، فالبناء العظيم يمكن تدميره بعدّة قنابل فيغدوا تراباً في لحظات، ولكنّ تشييد مثل هذا البناء يحتاج إلى سنوات مديدة، وهكذا الحال في بناء الثقة والمحبّة والاعتماد المتقابل بين أفراد المجتمع البشري، فتخريب مثل هذا البناء الاجتماعي سهل يسير، ولكنّ بناءه وتشييده هو عملية معّقدة تحتاج إلى مدّة طويلة وصبر كبير، وعليه فإنّ عملية الإصلاح لا تنسجم مع التسّرع والعجلة.

ونختم هذا الكلام بحكاية ذات مغزى أوردها المجلسي في كتاب بحار الانوار، نقلًا عن بعض العلماء وهو أنّه: باع بعضهم عبداً وقال للمشتري ما فيه عيب إلّاالنميمة، قال رضيت به، فاشتراه فمكث الغلام أيّاماً ثم قال لزوجة مولاه: إنّ زوجك لا يحبّك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذي الموسى واحلقي من قفاه شعرات حتى أسحر عليها فيحبّك، ثم قال للزوج: إنّ امرأتك اتخذت خليلًا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف، فتناوم فجاءته‌


صفحه 281

المرأة بالموسى فظنّ أنّها تقتله فقام الزوج وقتلها، فجاء أهل المرأة وقتلوا الزوج، فوقع القتال بين القبيلتين وطال الأمر»[1].

أجل فإنّه بهذه السهولة ممكن ايقاع الحرب والنزاع الدموي بين قبيلتين ولكنّ الإصلاح بينهما ليس بهذه السهولة قطعاً.

[1]. بحار الانوار، ج 72، ص 270.


صفحه 282

12- سوء الظنّ وحسن الظنّ‌

تنويه:

إنّ سوء الظن عندما يتحوّل إلى حالة باطنية وخصلة أخلاقية فإنّه يعدّ من أشنع الرذائل الأخلاقية التي تؤدّي إلى الفرقة بين العوائل وتمزّق المجاميع البشرية والإنسانية.

وأوّل ثمرة سلبية لسوء الظن هي عدم الاعتماد وزوال الثقة بين الناس، وعندما تزول الثقة فإنّ عملية التعاون والتكاتف في حركة التفاعل الاجتماعي ستكون عسيرة للغاية، ومع زوال التعاون والتكاتف في المجتمع البشري فسوف يتبدّل هذا المجتمع إلى جحيم ومحرقة يعيش فيه الأفراد حالة الغربة والوحدة من الأفراد الآخرين ويتحرّكون في تعاملهم من موقع الريبة والتشكيك والتآمر ضدّ الآخر.

ولهذا السبب فإنّ الإسلام ولأجل توكيد ظاهرة الاعتماد المتقابل بين الأفراد والامم إهتمّ بهذه المسألة اهتماماً بالغاً، فنهى بشدة عن سوء الظن ومنع الأسباب التي تورث سوء الظن لدى الأفراد، وعلى العكس من ذلك فإنّه مدح وأيّد بشدّة حسن الظن الذي يفضي إلى زيادة المحبّة والاعتماد المتقابل والثقة بالطرف الآخر، وبالتالي تحرّك المجتمع نحو التقدّم والتعالي والتكامل في مسيرته الحضارية، واعتبر أنّ حسن الظن من الصفات والأعمال الإيجابية جدّاً ودعى الناس إلى ذلك.


صفحه 283

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 284

ولا شك أنّ حسن الظن قد يؤدّي إلى بعض الخسارة أحياناً، ولكن هذه الخسارة لا تقبل القياس مع الاضرار الوخيمة والآثار السلبية الكثيرة المترتبة على سوء الظن.

وطبعاً، فإنّ لسوء الظن فروعاً وأقساماً، وأحد أسوأ هذه الفروع هو سوء الظن باللَّه والذي يأتي بحثه لاحقاً.

وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الشريفة دروساً في دائرة سوء الظن وحسن الظن:

1- «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً»[1].

2- «بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً»[2].

3- «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً»[3].

4- «إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ»[4].

5- «وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ»[5].

6- «لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ»[6].

تفسير واستنتاج:

«الآية الإولى»:تستعرض الحديث عن سوء الظن وتنهى المؤمنين بصراحة وبشدة عن‌

[1]. سورة الحجرات، الآية 12.

[2]. سورة الفتح، الآية 12.

[3]. سورة الفتح، الآية 6.

[4]. سورة الاحزاب، الآية 10.

[5]. سورة آل عمران، الآية 154.

[6]. سورة النور، الآية 12.


صفحه 285

سوء الظن في تعاملهم الإجتماعى فيما بينهم وتشير إلى أنّه قد يكون بمثابة المقدمة إلى التجسس والغيبة وتقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً».

ولكن لماذا ورد التعبير (كثيراً من الظن)؟ لأن أكثر أشكال الظن بين الناس بالنسبة إلى الطرف الآخر تقع في دائرة السوء والشر، لذلك ورد التعبير بقوله (كثيراً).

ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من كلمة (كثير) أنّ أغلب الظنون هي من جنس الظنون السيئة بل إنّ الظنون السيئة كثيرة بالنسبة لها رغم أنّها بالمقايسة إلى ظنون الخير لا تكون كثيرة، ولكن ظاهر الآية ينسجم مع المعنى الأوّل أكثر.

والملفت للنظر هو أنّ هذه الآية بعد النهى عن كثير من الظن ذكرت العلّة في ذلك وقالت بأنّ بعض الظنون هي في الحقيقة إثم وذنب، وهو إشارة إلى أنّ الظنون السيئة على قسمين:

فمنها ما يطابق الواقع ومنها ما يخالف الواقع، فما كان على خلاف الواقع يكون إثماً وذنباً، وبما أنّ الإنسان لا يعلم أيّهما المطابق للواقع وأيّهما المخالف، وعليه فيجب تجنّب الظن السي‌ء اطلاقاً حتى لا يتورط الإنسان في سوء الظن المخالف للواقع وبالتالي يقع في الإثم وممارسة الخطيئة.

وبما أنّ سوء الظن بالنسبة إلى الإعمال الخاصّة للناس يعد أحد أسباب التجسس، وأحد الدوافع التي تقود الإنسان إلى أن يتجسس على أخيه، والتجسس بدوره يتسبب أحياناً في الكشف عن العيوب المستورة للآخرين وبالتالي سيكون سبباً ودافعاً للغيبة أيضاً، ولذلك فانّ الآية الشريفة تتحدّث عن سوء الظن أوّلًا، وفي المرحلة الثانية ذكرت عنصر التجسس، وفي الثالثة نهت عن الغيبة.

وهناك بحث سنأتي عليه في ختام البحث عن الآيات والروايات الشريفة وهو أنّه هل أنّ سوء الظن أمر اختياري أو غير اختياري؟ وإذا كان غير اختياري فكيف يمكن النهي عنه؟ وإذا كان اختيارياً فهل يحرم مطلقاً حتى إذا لم يرتكب الإنسان عملًا بدافع من سوء الظن هذا، أم لا؟