بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 290

عن سلوكياتهم الدنيئة وتبطل مؤامراتهم الخبيثة، ونرى أنّ عبارات هذه الآيات من القوة والدقّة في المضامين والبلاغة بحيث أنّها تثير الاعجاب لدى كل إنسان، والآية مورد البحث هي أحد الآيات الخمسة عشر النازلة في واقعة الإفك حيث تقول الآية: «لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ».

والتعبير بالمؤمنين والمؤمنات يدل على أنّ من علامات الإيمان هو حسن الظن بالنسبة إلى المسلمين، وتدلّ على أنّ سوء الظن يتقاطع مع جوهر الإيمان.

وفي الواقع فانّ هذه الآية تقسّم الناس إلى ثلاث طوائف طائفة المنافقين الذين يشيعون الإفك بين المسلمين، وطائفة منهم هم القادة والكبار من المنافقين الذين تعبّر عنهم الآية:

«وَالَّذِي تَولَّى‌ كِبرَهُ».

وطائفة ثالثة هم المؤمنون الذين توّرطوا في تصديق هذا الإفك المبين من موقع طيبة أنفسهم وطهارة قلوبهم وسذاجة عقولهم.

فهنا نجد أنّ القرآن الكريم يتحدّث في هذه الآية مخاطباً الطائفة الثالثة من موقع الذم الشديد والتوبيخ وأنّهم لماذا أصبحوا آلة وأداة بيد المنافقين الذين يشيعون الإفك والفاحشة بين الناس؟

ي هذه الآيات الستة التي بحثت في بعضها سوء الظن بالنسبة إلى الناس وفي بعضها الآخر سوء الظن بالنسبة إلى اللَّه تعالى نرى أنّ هذه الرذيلة الأخلاقية قد وقعت موقع الذم الشديد، وبعض الآيات أشارت إلى بعض ما يترتب عليها من الآثار السلبية على حياة الإنسان، ولو لم يكن في بيان قبح هذه الرذيلة الأخلاقية سوى ما ورد في بعض الآيات القرآنية الشريفة لكفى‌ ذلك، فكيف بما ورد في الكثير من الآيات والروايات الدينية الاخرى والتي سنتحدث عنها لاحقاً؟

سوء الظن في الروايات الإسلامية:

أمّا بالنسبة إلى الروايات الإسلامية فالمتتبع يرى أنّ تقبيح هذه الرذيلة الأخلاقية وذمّها


صفحه 291

على أساس أنّها من أشنع الخصال الأخلاقية السلبية ولهذه الرذيلة صدى واسع في النصوص الدينية الروائية، ونستعرض هنا بعض النماذج في هذا الباب:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«إِيّاكُم وَالظّنُّ فَانَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الكِذبِ»[1].

2- ونقرأ في حديث آخر أيضاً عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قوله:«أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ المُسلِمِ دَمَهُ وَمالَهُ وَعرِضَهُ وَأَنَّ يَظُنَّ بِهِ السُّوءَ»[2].

3- وفي حديث مثير عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«لا إِيمانَ مَعَ سُوءِ ظَنِّ»[3].

وهذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى سوء الظن بكلا قسميه، سوء الظن بالنسبة إلى الناس، أو سوء الظن بالنسبة ا لى اللَّه تعالى.

4- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً قوله:«إِيِّاكَ أَنْ تُسِي‌ءَ الظّنَّ فَانَّ سُوءَ الظّنِّ يُفسِدُ العِبادَةَ وَيُعَظِّمُ الوِزرَ»[4].

5- ونقرأ في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله:«سُوءُ الظَّنِّ بِالمُحسِنِ شَرُّ الإِثمِ وَأَقبَحُ الظُّلمِ»[5].

6- وورد أيضاً عن هذا الإمام عليه السلام نفسه قوله:«سُوءُ الظَّنِّ يُفسِدُ الامُورَ وَيَبعَثُ عَلَى الشُّرُورِ»[6].

7- وورد أيضاً عنه عليه السلام أنّه قال:«شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَثِقُ بِأَحَدٍ لِسُوءِ ظَنَّهِ وَلا يَثِقُ بِهِ أَحَدٌ لِسُوءِ فِعلِهِ»[7].

8- ونقرأ في نهج البلاغة قول الإمام علي عليه السلام:«لا تَظُنَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءً

[1]. وسائل الشيعة، ج 18، ص 138، ح 42؛ بحار الانوار، ج 72، ص 195.

[2]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 268.

[3]. غرر الحكم.

[4]. المصدر السابق.

[5]. المصدر السابق.

[6]. المصدر السابق.

[7]. المصدر السابق.


صفحه 292

وَأَنتَ تَجِدُ لَها فِي الخَيرِ مُحتَمَلًا (مَحمَلًا»[1].

9- ونقرأ في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً قوله:«وَاللَّهِ ما يُعَذِّبُ اللَّهُ سُبحانَهُ مُؤمِناً بَعدَ الإِيمانِ إِلّا بِسُوءِ ظَنِّهِ وَسُوءِ خُلُقِهِ»[2].

ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام الهمام عليه السلام نفسه:«مَنْ غَلَبَ عَلَيهِ سُوءُ الظَّنِّ لَم يَترُكْ بَينَهُ وَبَينَ خَلِيلٍ صُلحَاً»[3].

وكذلك وردت روايات كثيرة في باب سوء الظن باللَّه وعدم الإيمان والتصديق بوعده حيث تحكي عن آثار سلبية خطيرة في حياة الإنسان المادية والمعنوية، ومن ذلك:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«واللَّهِ الَّذِي لاإِلَهَ إِلّا هُوَ لايُعَذِّبُ اللَّهُ مُؤمِناً بَعْدَ التَّوبَةِ وَالإِستِغفَارِ إلّابِسُوءِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ وَتَقصِيرٍ مِنْ رَجائِهِ بِاللَّهِ وَسُوءُ خَلُقِهِ وَإِغتَيابِهِ لِلمُؤمِنينَ»[4].

2- ونقرأ في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّ النبي داود عليه السلام قال:«يا رَبِّ ما آمَنَ بِكَ مَنْ عَرَفَكَ فَلَم يُحسِنِ الظَّنَّ بِكَ»[5].

3- وقال الإمام علي عليه السلام أيضاً:«الجُبنُ وَالحِرْصُ وَالبُخلُ غَرائِزُ سُوءُ يَجمَعُها سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ سُبحانَهُ»[6]

ومن المعلوم أنّ الشخص الذي يعيش الإيمان بالعناية الإلهية ونصرته لعباده المؤمنين فلا يجد الخوف سبيلًا إلى قلبه من الأعداء، والشخص الذي يثق بوعد اللَّه في مسألة الرزق، فلا يجد الحرص سبيلًا إلى نفسه ولا يعيش البخل في حياته، وعليه فإنّ هذه الصفات الثلاثة المذكورة في هذا الحديث الشريف هي في الواقع تنبع من سوء الظن باللَّه تعالى.

إن ما ورد في الروايات أعلاه يعدّ غيض من فيض الروايات الكثيرة في باب سوء الظن‌

[1]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح 360؛ بحار الانوار، ج 71، ص 187.

[2]. غر الحكم.

[3]. المصدر السابق.

[4]. بحار الانوار، ج 67، ص 394.

[5]. المصدر السابق، ص 394.

[6]. غرر الحكم.


صفحه 293

الواردة في المصادر المعتبرة والتي تتضمن دقائق لطيفة عن علل ودوافع هذه الرذيلة الأخلاقية وآثارها السلبية الكثيرة، وقد أوردنا في هذا المقتطف عشر روايات في سوء الظن بالنسبة إلى الناس وثلاث روايات في مورد سوء الظن باللَّه وتحتوي على مفاهيم دقيقة ونكات جميلة في تحليل هذا المفهوم الأخلاقي ودراسة أبعاده المتنوعة.

حسن الظن في الروايات الإسلامية:

كما رأينا أنّ سوء الظن يفضي إلى إيجاد الخلل والإرتباك في المجتمع البشري ويؤدّي إلى سقوط الإنسان الأخلاقي والثقافي ويورثه التعب والألم والشقاء والمرض الجسمي والروحي، ففي الجهة المقابلة نجد أنّ حسن الظن يتسبب في أن يعيش الإنسان الراحة والوحدة والإطمئنان النفسي، ولهذا السبب نجد أنّ الروايات الإسلامية الكثيرة تؤكّد على حسن الظن بالنسبة إلى الناس، وكذلك بالنسبة إلى اللَّه تعالى، أمّا في مورد حسن الظن بالنسبة إلى الناس، فنختار من الأحاديث الشريفة ما يلي:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«حُسنُ الظَّنِّ مِنْ أَفضَلِ السَّجايا وَأَجزَلِ العَطايا»[1].

2- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام العظيم عليه السلام أنّه قال:«حُسنُ الظَّنِّ مِنْ أَحَسنِ الشِّيَمِ وَأَفَضلِ القِسَمِ»[2].

3- وأيضاً ورد عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«حُسنُ الظَّنِّ يُخَفِّفُ ألَهَمَّ وَيُنجِي مِنْ تَقَلُّدِ الإِثمَ»[3].

4- وفي حديث آخر عن هذا الإمام العظيم عليه السلام أيضاً أنّه قال:«حُسنُ الظَّنِّ مِنْ رَاحَةُ الَلبِ وَسَلامَةُ الدِّينِ»[4].

[1]. غرر الحكم.

[2]. المصدر السابق.

[3]. المصدر السابق.

[4]. المصدر السابق.


صفحه 294

5- وأيضاً ورد في حديث آخر عن هذا الإمام أنّه قال:«مَنْ حَسُنَ ظنُّهُ بِالنّاسِ حازَ مِنهُمُ المَحَبَّةَ»[1].

أمّا بالنسبة إلى حسن الظنّ باللَّه تعالى، فنقرأ أحاديث كثيرة في هذا الباب مذكورة في المصادر المعتبرة منها:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن بعض المعصومين عليهم السلام أنّه قال:«وَالَّذِي لاإِله إِلّا هُوَ ما أُعطِيَ مُؤمِنٌ قَطُّ خَيرَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ إِلّا بِحُسنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجائِهِ لَهُ وَحُسنِ خُلقِهِ وَالكَفِّ عَنْ إِغتِيابِ المُؤمِنِينَ»[2].

2- وكذلك ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال:«وَأَحسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا عِندَ ظَنِّ عَبدِي المُؤمِنِ بِي إنْ خَيراً فَخَيراً وَإِنْ شَرَّاً فَشَرَّاً»[3].

3- ويشبه هذا المعنى أيضاً وبشكل جامع ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«وَالَّذِي لا إِله إِلّا هُوَ لايَحسُنُ ظَنَّ عَبدٍ مُؤمِنٍ بِاللَّهِ إِلّا كانَ اللَّهُ عِندَ ظَنِّ عَبدِهِ المُؤمِنِ لأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ بِيَدِهِ الخَيراتُ يَستَحِيي أِنْ يَكُونَ عَبدُهُ المُؤمِنُ قَدْ أَحسَنَ بِهِ الظَّنَّ ثُمَّ يُخلِفُ ظَنَّهُ وَرَجاءَهُ فَأَحسِنُوا بِاللَّهِ الظَّنَّ وَارغَبُوا إِلِيهِ»[4].

4- ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم قوله:«رَأَيتُ رَجُلًا مِنْ امَتِي عَلَى الصِّراطِ يَرتَعِدُ كَما تَرتَعِدُ السَّعفَةُ فِي يَومِ رِيحٍ عاصِفٍ وَجاءَهُ حُسنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَسَكَّنَ رَعدَتَهُ»[5].

5- وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير حسن الظن باللَّه تعالى قال:

«حُسنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ أَنْ لا تَرجُو إِلّا اللَّهَ وَلا تَخافَ إِلّا ذَنبَكَ»[6].

[1]. غرر الحكم.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 71، ح 2.

[3]. المصدر السابق، ص 72، ح 3.

[4]. بحار الانوار، ج 67، ص 365، ح 14.

[5]. مستدرك الوسائل، ج 11، ص 250.

[6]. اصول الكافي، ج 2، ص 72، ح 4.


صفحه 295

تعريف سوء الظن وحسن الظن:

عندما ترد هاتان المفردتان ويراد بهما سوء الظن أو حسنه بالنسبة إلى الناس فَإنّ لهما مفهوماً واضحاً، فالمفهوم من سوء الظن هو أنّه كلّما صدر من شخص فعلٍ معيّن يحتمل الوجهين الصحيح والسقيم، فنحمله على المحمل السقيم ونفسّره بالتفسير السي‌ء، مثلًا عندما يرى الشخص رجلًا مع امرأة غريبة فيتصوّر أنّ هذه المرأة أجنبية وأنّ هذا الرجل ينوي في قلبه نيّة سوء تجاهها ويريد ارتكاب المنكر معها، في حين أنّ حسن الظن يقود الإنسان إلى القول بأنّ هذه المرأة هي زوجته أو أحد محارمه حتماً، أو عندما يقدم إنسان على بناء مسجد أو أي عمل من أعمال الخير الاخرى، فإنّ مقتضى سوء الظن أن يوحي للإنسان بأنّ هدف هذا الشخص هو الرياء أو خداع الناس وأمثال ذلك، في حين أنّ حسن الظن يدفعه إلى القول بأنّ عمله هذا كان بدافع إلهي ونيّته خير وصلاح.

ومن هنا يتّضح أنّ دائرة حسن الظن وسوء الظن واسعة جدّاً ولا تنحصر في ممارسة العبادات فقط، بل تستوعب في مصاديقها ومواردها المسائل الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية أيضاً.

وعندما تستعمل هاتان المفردتان بالنسبة إلى اللَّه تعالى فالمراد من حسن الظن باللَّه هو أن يثق الإنسان بالوعد الإلهي في مورد الرزق أو العناية بالعبد أو نصرة المؤمنين والمجاهدين، أو الوعد بالمغفرة والتوبة على المذنبين وأمثال ذلك، ومعنى سوء الظن باللَّه تعالى هو أنّ الإنسان عندما يجد نفسه في زحمة المشكلات والمصاعب فإنّه يعيش الاهتزاز وعدم الثقة بالوعد الإلهي، وعندما يقع في بعض الابتلاءات العسيرة وفي المسائل المالية وغيرها فإنّه ينسى‌ وعد اللَّه تعالى للصابرين والذين يتحرّكون في خط الاستقامة والانضباط والمسؤولية، ويتحرّك عندها في خط المعصية والإثم.

وقد رأينا في الروايات السابقة تعبيرات مثيرة وحيّة توضّح ما ذكرناه آنفاً عن المفهوم من هاتين المفردتين.

وهنا لابدّ من استعراض بعض النكات المهمّة وتحليل بعض النقاط في هذا الباب:


صفحه 296

الآثار السلبيّة لسوء الظّن‌

إنّ إتّساع دائرة سوء الظن في المجتمعات البشرية يترتب عليها آثار سلبية وخيمة ومضرّات كثيرة قد لا تكون مستورة على أحد من الناس، ولكن لغرض توضيح هذا المطلب ينبغي الالتفات إلى ما يلي:

أ)إنّ من أسوأ الآثار السلبيّة لهذه الرذيلة الأخلاقية على المستوى الاجتماعي هو (زوال الثقة والاعتماد المتقابل) بين أفراد المجتمع والذي يعدّ محور المجتمعات البشرية والعنصر المهم في عملية شد مفاصل المجتمع وتقوية الوشائج والعلاقات التي تربط بين أفراده، وقد تقدّمت الإشارة إليها إجمالًا في الروايات الشريفة المتقدّمة، ومن ذلك قوله عليه السلام:

«شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَثِقُ بِأَحَدٍ لِسُوءِ ظَنَّهِ وَلا يَثِقُ بِهِ أَحَذٌ لِسُوءِ فِعلِهِ»[1].

فنجد أنّ المجتمع البشري الذي يسوده عدم الثقة وعدم الاعتماد بين أفراده فمثل هذا المجتمع تتبخّر فيه أجواء التعاون والتكاتف وتزول منه البركات الكثيرة للحياة المشتركة في حياة الإنسان، ونقرأ في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام قوله:«مَنْ سا ئَتْ ظُنُونُهُ إِعتَقَدَ الخِيانَةَ بِمَنْ لايَخُونُهُ»[2].

ب)إنّ سوء الظن يؤدّي إلى تدمير وتخريب الهدوء النفسي والروحي، لذلك المجتمع كما يميت الهدوء النفسي لأصحاب هذه الرذيلة الأخلاقية، فمن يعيش سوء الظن فإنّه لا يجد الراحة والاطمئنان في علاقته مع الآخرين ويخاف من الجميع وأحياناً يتصوّر أنّ جميع الأفراد يتحرّكون للوقيعة به ويسعون ضدّه، فيعيش في حالة دفاعية دائماً وبذلك يستنزف طاقاته وقابلياته بهذه الصورة الموهومة.

ج)ومضافاً إلى ذلك فإنّ في الكثير من الموارد نجد الإنسان يتحرّك وراء سوء ظنه ويترجم سوء الظن هذا إلى عمل وممارسة وبالتالي يوقعه في مشاكل كثيرة، وأحياناً يؤدّي به إلى إرتكاب جريمة وسفك الدماء البريئة، وخاصة إذا كان سوء الظن يتعلق بالعرض‌

[1]. المصدر السابق.

[2]. غرر الحكم.


صفحه 297

والناموس أو يتصوّر أنّ الآخرين يتآمرون عليه ويهدفون إلى الوقيعة به في ماله أو عرضه، بحيث يمكن القول أنّ العامل الأصلي للكثير من الحالات الجنائية هو سوء الظن الذي لا يقف على أساس متين والذي يدفع الإنسان إلى إرتكاب حالات العدوان والجريمة بحق الأبرياء.

ولهذا السبب ورد في الروايات السابقة عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«سُوءُ الظَّنِّ يُفْسِدُ الامُورَ وَيَبْعَثُ عَلَى الشُّروُرِ».

والأهم من ذلك أنّ في الكثير من موارد سوء الظن الّتي يترتّب عليها إرتكاب جريمة بحق الطرف الآخر فانّ هذا الإنسان الذي قاده سوء ظّنة لإرتكاب هذه الجريمة سوف يثوب إلى رشده ووعيه بعد ذلك ويشعر في قرارة نفسه بتأنيب الضمير ويتسلّط عليه الاحساس بالإثم الذي قد يؤدي به إلى الجنون أحياناً.

وعلى سبيل المثال نشير إلى حادثة واحدة منها، فعند ما دخل الطبيب النفساني يوماً ليعود مرضاه في مستشفى المجانين والمتخلفين عقلياً رأى رجلًا قد جى‌ء به حديثاً إلى هذا المكان وهو يرّدد كلمة (منديل) مرّات عديدة، وعند ما بحث هذا الطبيب النفساني عن حاله واستقصى مرضه العقلي رأى أنّ السبب في جنون هذا الشخص هو أنّه رأى يوماً في حقيبة زوجته منديلًا يحتوى على قنينة عطر وبعض الهدايا المناسبة للرجال، فأساء الظن بزوجته فوراً وتصور أنّها على إرتباط برجل أجنبي، فكان أن قتلها بدافع من الغضب الشديد وبدون تحقيق وفحص، وبعد أن فتح المنديل رأى في طيّاته ورقة كتب عليها، هذه هدية منّي إلى زوجي العزيز بذكرى يوم ولادته.

وفجأة أصابته وخزة شديدة وشعر بضربة عنيفة في أعماق روحه أدّت إلى جنونه فكان يتذكّر هذا المنديل ويكرّره على لسانه.

د)إنّ سوء الظن هو في الحقيقة ظلم فاضح للغير، لأنّه يجعل الطرف الآخر في قفص الأتّهام في فكر هذا الشخص وذهنه فيكيل له أنواع السهام ويطعنه في شخصيّته وحيثيته، فلو أضفنا إلى ذلك بعض الممارسات العملية المستوحاة من سوء الظن لكان الظلم أكثر