الواردة في المصادر المعتبرة والتي تتضمن دقائق لطيفة عن علل ودوافع هذه الرذيلة الأخلاقية وآثارها السلبية الكثيرة، وقد أوردنا في هذا المقتطف عشر روايات في سوء الظن بالنسبة إلى الناس وثلاث روايات في مورد سوء الظن باللَّه وتحتوي على مفاهيم دقيقة ونكات جميلة في تحليل هذا المفهوم الأخلاقي ودراسة أبعاده المتنوعة.
حسن الظن في الروايات الإسلامية:
كما رأينا أنّ سوء الظن يفضي إلى إيجاد الخلل والإرتباك في المجتمع البشري ويؤدّي إلى سقوط الإنسان الأخلاقي والثقافي ويورثه التعب والألم والشقاء والمرض الجسمي والروحي، ففي الجهة المقابلة نجد أنّ حسن الظن يتسبب في أن يعيش الإنسان الراحة والوحدة والإطمئنان النفسي، ولهذا السبب نجد أنّ الروايات الإسلامية الكثيرة تؤكّد على حسن الظن بالنسبة إلى الناس، وكذلك بالنسبة إلى اللَّه تعالى، أمّا في مورد حسن الظن بالنسبة إلى الناس، فنختار من الأحاديث الشريفة ما يلي:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«حُسنُ الظَّنِّ مِنْ أَفضَلِ السَّجايا وَأَجزَلِ العَطايا»[1].
2- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام العظيم عليه السلام أنّه قال:«حُسنُ الظَّنِّ مِنْ أَحَسنِ الشِّيَمِ وَأَفَضلِ القِسَمِ»[2].
3- وأيضاً ورد عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«حُسنُ الظَّنِّ يُخَفِّفُ ألَهَمَّ وَيُنجِي مِنْ تَقَلُّدِ الإِثمَ»[3].
4- وفي حديث آخر عن هذا الإمام العظيم عليه السلام أيضاً أنّه قال:«حُسنُ الظَّنِّ مِنْ رَاحَةُ الَلبِ وَسَلامَةُ الدِّينِ»[4].
[1]. غرر الحكم.
[2]. المصدر السابق.
[3]. المصدر السابق.
[4]. المصدر السابق.
5- وأيضاً ورد في حديث آخر عن هذا الإمام أنّه قال:«مَنْ حَسُنَ ظنُّهُ بِالنّاسِ حازَ مِنهُمُ المَحَبَّةَ»[1].
أمّا بالنسبة إلى حسن الظنّ باللَّه تعالى، فنقرأ أحاديث كثيرة في هذا الباب مذكورة في المصادر المعتبرة منها:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن بعض المعصومين عليهم السلام أنّه قال:«وَالَّذِي لاإِله إِلّا هُوَ ما أُعطِيَ مُؤمِنٌ قَطُّ خَيرَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ إِلّا بِحُسنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجائِهِ لَهُ وَحُسنِ خُلقِهِ وَالكَفِّ عَنْ إِغتِيابِ المُؤمِنِينَ»[2].
2- وكذلك ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال:«وَأَحسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا عِندَ ظَنِّ عَبدِي المُؤمِنِ بِي إنْ خَيراً فَخَيراً وَإِنْ شَرَّاً فَشَرَّاً»[3].
3- ويشبه هذا المعنى أيضاً وبشكل جامع ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:«وَالَّذِي لا إِله إِلّا هُوَ لايَحسُنُ ظَنَّ عَبدٍ مُؤمِنٍ بِاللَّهِ إِلّا كانَ اللَّهُ عِندَ ظَنِّ عَبدِهِ المُؤمِنِ لأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ بِيَدِهِ الخَيراتُ يَستَحِيي أِنْ يَكُونَ عَبدُهُ المُؤمِنُ قَدْ أَحسَنَ بِهِ الظَّنَّ ثُمَّ يُخلِفُ ظَنَّهُ وَرَجاءَهُ فَأَحسِنُوا بِاللَّهِ الظَّنَّ وَارغَبُوا إِلِيهِ»[4].
4- ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم قوله:«رَأَيتُ رَجُلًا مِنْ امَتِي عَلَى الصِّراطِ يَرتَعِدُ كَما تَرتَعِدُ السَّعفَةُ فِي يَومِ رِيحٍ عاصِفٍ وَجاءَهُ حُسنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَسَكَّنَ رَعدَتَهُ»[5].
5- وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير حسن الظن باللَّه تعالى قال:
«حُسنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ أَنْ لا تَرجُو إِلّا اللَّهَ وَلا تَخافَ إِلّا ذَنبَكَ»[6].
[1]. غرر الحكم.
[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 71، ح 2.
[3]. المصدر السابق، ص 72، ح 3.
[4]. بحار الانوار، ج 67، ص 365، ح 14.
[5]. مستدرك الوسائل، ج 11، ص 250.
[6]. اصول الكافي، ج 2، ص 72، ح 4.
تعريف سوء الظن وحسن الظن:
عندما ترد هاتان المفردتان ويراد بهما سوء الظن أو حسنه بالنسبة إلى الناس فَإنّ لهما مفهوماً واضحاً، فالمفهوم من سوء الظن هو أنّه كلّما صدر من شخص فعلٍ معيّن يحتمل الوجهين الصحيح والسقيم، فنحمله على المحمل السقيم ونفسّره بالتفسير السيء، مثلًا عندما يرى الشخص رجلًا مع امرأة غريبة فيتصوّر أنّ هذه المرأة أجنبية وأنّ هذا الرجل ينوي في قلبه نيّة سوء تجاهها ويريد ارتكاب المنكر معها، في حين أنّ حسن الظن يقود الإنسان إلى القول بأنّ هذه المرأة هي زوجته أو أحد محارمه حتماً، أو عندما يقدم إنسان على بناء مسجد أو أي عمل من أعمال الخير الاخرى، فإنّ مقتضى سوء الظن أن يوحي للإنسان بأنّ هدف هذا الشخص هو الرياء أو خداع الناس وأمثال ذلك، في حين أنّ حسن الظن يدفعه إلى القول بأنّ عمله هذا كان بدافع إلهي ونيّته خير وصلاح.
ومن هنا يتّضح أنّ دائرة حسن الظن وسوء الظن واسعة جدّاً ولا تنحصر في ممارسة العبادات فقط، بل تستوعب في مصاديقها ومواردها المسائل الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية أيضاً.
وعندما تستعمل هاتان المفردتان بالنسبة إلى اللَّه تعالى فالمراد من حسن الظن باللَّه هو أن يثق الإنسان بالوعد الإلهي في مورد الرزق أو العناية بالعبد أو نصرة المؤمنين والمجاهدين، أو الوعد بالمغفرة والتوبة على المذنبين وأمثال ذلك، ومعنى سوء الظن باللَّه تعالى هو أنّ الإنسان عندما يجد نفسه في زحمة المشكلات والمصاعب فإنّه يعيش الاهتزاز وعدم الثقة بالوعد الإلهي، وعندما يقع في بعض الابتلاءات العسيرة وفي المسائل المالية وغيرها فإنّه ينسى وعد اللَّه تعالى للصابرين والذين يتحرّكون في خط الاستقامة والانضباط والمسؤولية، ويتحرّك عندها في خط المعصية والإثم.
وقد رأينا في الروايات السابقة تعبيرات مثيرة وحيّة توضّح ما ذكرناه آنفاً عن المفهوم من هاتين المفردتين.
وهنا لابدّ من استعراض بعض النكات المهمّة وتحليل بعض النقاط في هذا الباب:
الآثار السلبيّة لسوء الظّن
إنّ إتّساع دائرة سوء الظن في المجتمعات البشرية يترتب عليها آثار سلبية وخيمة ومضرّات كثيرة قد لا تكون مستورة على أحد من الناس، ولكن لغرض توضيح هذا المطلب ينبغي الالتفات إلى ما يلي:
أ)إنّ من أسوأ الآثار السلبيّة لهذه الرذيلة الأخلاقية على المستوى الاجتماعي هو (زوال الثقة والاعتماد المتقابل) بين أفراد المجتمع والذي يعدّ محور المجتمعات البشرية والعنصر المهم في عملية شد مفاصل المجتمع وتقوية الوشائج والعلاقات التي تربط بين أفراده، وقد تقدّمت الإشارة إليها إجمالًا في الروايات الشريفة المتقدّمة، ومن ذلك قوله عليه السلام:
«شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَثِقُ بِأَحَدٍ لِسُوءِ ظَنَّهِ وَلا يَثِقُ بِهِ أَحَذٌ لِسُوءِ فِعلِهِ»[1].
فنجد أنّ المجتمع البشري الذي يسوده عدم الثقة وعدم الاعتماد بين أفراده فمثل هذا المجتمع تتبخّر فيه أجواء التعاون والتكاتف وتزول منه البركات الكثيرة للحياة المشتركة في حياة الإنسان، ونقرأ في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام قوله:«مَنْ سا ئَتْ ظُنُونُهُ إِعتَقَدَ الخِيانَةَ بِمَنْ لايَخُونُهُ»[2].
ب)إنّ سوء الظن يؤدّي إلى تدمير وتخريب الهدوء النفسي والروحي، لذلك المجتمع كما يميت الهدوء النفسي لأصحاب هذه الرذيلة الأخلاقية، فمن يعيش سوء الظن فإنّه لا يجد الراحة والاطمئنان في علاقته مع الآخرين ويخاف من الجميع وأحياناً يتصوّر أنّ جميع الأفراد يتحرّكون للوقيعة به ويسعون ضدّه، فيعيش في حالة دفاعية دائماً وبذلك يستنزف طاقاته وقابلياته بهذه الصورة الموهومة.
ج)ومضافاً إلى ذلك فإنّ في الكثير من الموارد نجد الإنسان يتحرّك وراء سوء ظنه ويترجم سوء الظن هذا إلى عمل وممارسة وبالتالي يوقعه في مشاكل كثيرة، وأحياناً يؤدّي به إلى إرتكاب جريمة وسفك الدماء البريئة، وخاصة إذا كان سوء الظن يتعلق بالعرض
[1]. المصدر السابق.
[2]. غرر الحكم.
والناموس أو يتصوّر أنّ الآخرين يتآمرون عليه ويهدفون إلى الوقيعة به في ماله أو عرضه، بحيث يمكن القول أنّ العامل الأصلي للكثير من الحالات الجنائية هو سوء الظن الذي لا يقف على أساس متين والذي يدفع الإنسان إلى إرتكاب حالات العدوان والجريمة بحق الأبرياء.
ولهذا السبب ورد في الروايات السابقة عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«سُوءُ الظَّنِّ يُفْسِدُ الامُورَ وَيَبْعَثُ عَلَى الشُّروُرِ».
والأهم من ذلك أنّ في الكثير من موارد سوء الظن الّتي يترتّب عليها إرتكاب جريمة بحق الطرف الآخر فانّ هذا الإنسان الذي قاده سوء ظّنة لإرتكاب هذه الجريمة سوف يثوب إلى رشده ووعيه بعد ذلك ويشعر في قرارة نفسه بتأنيب الضمير ويتسلّط عليه الاحساس بالإثم الذي قد يؤدي به إلى الجنون أحياناً.
وعلى سبيل المثال نشير إلى حادثة واحدة منها، فعند ما دخل الطبيب النفساني يوماً ليعود مرضاه في مستشفى المجانين والمتخلفين عقلياً رأى رجلًا قد جىء به حديثاً إلى هذا المكان وهو يرّدد كلمة (منديل) مرّات عديدة، وعند ما بحث هذا الطبيب النفساني عن حاله واستقصى مرضه العقلي رأى أنّ السبب في جنون هذا الشخص هو أنّه رأى يوماً في حقيبة زوجته منديلًا يحتوى على قنينة عطر وبعض الهدايا المناسبة للرجال، فأساء الظن بزوجته فوراً وتصور أنّها على إرتباط برجل أجنبي، فكان أن قتلها بدافع من الغضب الشديد وبدون تحقيق وفحص، وبعد أن فتح المنديل رأى في طيّاته ورقة كتب عليها، هذه هدية منّي إلى زوجي العزيز بذكرى يوم ولادته.
وفجأة أصابته وخزة شديدة وشعر بضربة عنيفة في أعماق روحه أدّت إلى جنونه فكان يتذكّر هذا المنديل ويكرّره على لسانه.
د)إنّ سوء الظن هو في الحقيقة ظلم فاضح للغير، لأنّه يجعل الطرف الآخر في قفص الأتّهام في فكر هذا الشخص وذهنه فيكيل له أنواع السهام ويطعنه في شخصيّته وحيثيته، فلو أضفنا إلى ذلك بعض الممارسات العملية المستوحاة من سوء الظن لكان الظلم أكثر
وأوضح، ومن هذه الجهة قرأنا في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«سُوءُ الظَّنِّ مَنْ أقَبَحَ الظُلُم».
ه)إنّ سوء الظن يتسبّب في أن يفقد الإنسان أصدقاءه ورفاقه بسرعة، وبالتالي يعيش الوحدة والإنفراد والعزلة وهذه الحالة هي أصعب الحالات النفسية الّتي يواجهها الفرد في حركة الحياة الاجتماعية، لأن كل إنسان متشخص ويحترم مكانته وشخصيته نجده غير مستعد لئن يعيش ويعاشر الشخص الذي يسيء الظن بأعماله الخيرة وسلوكياته الصالحة ويتّهمه بأنواع التهم الباطلة، وقد قرأنا في الأحاديث السابقة عن أميرالمؤمنين عليه السلام أيضاً أنّه قال:«مَنْ غَلَبَ عَلَيهِ سُوءُ الظَّنِّ لَم يَترُكْ بَينَهُ وَبَينَ خَلِيلٍ صُلحَاً».
و)وقد رأينا في الروايات السابقة أنّ سوء الظن يفسد عبادة الإنسان ويحبط أعماله ويثقل من كاهله يوم القيامة، فإذا كان المراد بسوء الظن في هذه الرواية هو سوء الظن باللَّه تعالى قد يتّضح حينئذٍ السبب في فساد العبادة وحبط الأعمال، وإذا كان المراد هو سوء الظن بالناس (كما نستوحي ذلك من ذيل هذه الرواية) فإنّ ذلك بسبب أنّ الإنسان الذي يعيش سوء الظن بالناس يرتكب في الكثير من الموارد التجسّس على الناس، وبالتالي يترتب على ذلك أن ينطلق في ممارساته الاجتماعية من موقع الغيبة للطرف الآخر والتهمة أحياناً، ومن المعلوم أنّ الغيبة والتهمة هي أحد الأسباب في عدم قبول الطاعات والعبادات.
ز)إنّ سوء الظن باعتباره انحرافاً فكريّاً، فإنّه سيؤثر بالتدريج على أفكار الإنسان الاخرى وسيقود تصوراته وأفكاره في طريق الانحراف أيضاً، فتكون تحليلاته بعيدة عن الواقع ومجانبة للصواب، فيمنعه ذلك من التقدّم ونيل الموفقية في حركة الحياة، وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله:«مَنْ ساءَ ظَنُّهُ ساءَ وَهمُهُ».
الآثار السلبية لسوء الظن باللَّه:
إنّ سوء الظن باللَّه تعالى وعدم الثقة بالوعود الإلهية الواردة في القرآن الكريم والأحاديث المعتبرة له آثار سلبية مخرّبة في دائرة الإيمان والعقائد الدينية حيث يمثّل سوء الظن هذا عنصراً هدّاماً لإيمان الشخص يبعده عن اللَّه تعالى كما قرأنا في الروايات السابقة عن نبي الإسلام صلى الله عليه و آله في مناجاة النبي داود عليه السلام قوله:«يا رَبِّ ما آمَنَ بِكَ مَنْ عَرَفَكَ فَلَم يُحسِنِ الظَّنَّ بِكَ»[1].
ومضافاً إلى ذلك فإنّ سوء الظن بالوعود الإلهية يتسبب في فساد العبادة وحبط العمل، لأنّه يقتل في الإنسان روح الاخلاص وصفاء القلب، وقد قرأنا في الأحاديث السابقة أنّه:
«إِيِّاكَ أَنْ تُسِيءَ الظّنَّ فَانَّ سُوءَ الظّنِّ يُفسِدُ العِبادَةَ وَيُعَظِّمُ الوِزرَ»[2].
والملاحظة الاخرى هي أنّ سوء الظن باللَّه تعالى وعدم الثقة بوعده يورث الإنسان الضعف والاهتزاز أمام الحوادث الصعبة والظروف العسيرة، كما ورد في تفسير الآيات الشريفة في باب سوء الظن أنّ بعض المسلمين الجدد ابتلوا بسوء الظن بالوعد الإلهي بنصر المجاهدين في ميادين القتال، وبالتالي عاشوا الهزيمة الروحية أمام الأعداء في حين أنّ المؤمنين الحقيقيين الذين كانوا يعيشون حسن الظن باللَّه كانوا يتصدّون للأعداء وقوى الانحراف والزيغ بمنتهى الشجاعة والشهامة والجرأة.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ سوء الظن باللَّه تعالى بأمكانه أن يحرم الإنسان من العنايات الإلهية واللطف الرباني، لأنّ اللَّه تعالى يتعامل مع عبده بما يتطابق مع حسن ظنه أو سوء ظنّه بربّه كما قرأنا في الأحاديث السابقة في وصيّة لقمان الحكيم لابنه حيث يقول:
«يا بُنَيَّ أَحسِنَ الظّنَّ بِاللَّهِ ثُمَّ سَل فِي النّاسِ مِنْ ذا الَّذِي أَحسَنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ، فَلَم يَكُن عِندَ ظَنِّهِ بِهِ»[3].
وخلاصة الكلام أنّ الإنسان إذا أراد أن يعيش الهدوء النفسي والاستقامة في خط
[1]. بحار الانوار، ج 67، ص 394.
[2]. غرر الحكم.
[3]. آثار الصادقين، 12، ص 240.
الصلاح والإيمان والتصدّي للنوازع الدنيوية وعناصر الشر وبالتالي ينال الإيمان الخالص وعناية اللَّه تعالى ورعايته ينبغي له أن يعيش حسن الظن باللَّه تعالى ويثق بوعده.
أسباب ودوافع سوء الظن:
إنّ هذه الرذيلة الأخلاقية حالها حال سائر الرذائل الاخرى تنشأ من عدّة عوامل وأسباب:
1- التلّوث الظاهري والباطني:
فالأشخاص الذين يعيشون حالة التلوث النفسي في واقعهم يتصوّرون الآخرين مثلهم من خلال (المقارنة مع الذات) والتي هي حالة تكاد تكون سائدة عند أغلب الناس حيث يتصوّرون أنّ الآخرين مثلهم، فما لم يتطهر الإنسان في ذاته ونفسه فمن العسير أن يتخلّى من سوء الظن بالنسبة إلى الآخرين، وفي ذلك ورد عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«لا يَظُّنُّ بِأَحَدٍ خَيراً لأنّهُ لايَراهُ إلّابِطَبعِ نَفسِهِ»[1].
2- المعاشرة مع رفاق السوء:
فالشخص الذي يجالس رفاق السوء والفاسدين والأشرار من الناس فمن الطبيعي أن يسيء الظن بجميع الناس لأنّه يتصوّر أنّ الناس مثل هؤلاء الرفاق كما ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«مُجالَسَةُ الأَشرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأخيارِ»[2].
3- المحيط الفاسد:
عندما يعيش الإنسان في اسرة ملّوثة أو في مدينة أو مجتمع متخلّف وسيء على المستوى الثقافي والأخلاقي، فإنّ ذلك من شأنه أن يورثه سوء الظن بجميع الأفراد حتى الأخيار منهم، وحتى لو كان يعاشر ويجالس الصلحاء ولكنّ غلبة الفساد والانحطاط في المجتمع بإمكانه أن يخلق فيه سوء الظن.
4- الحسد والحقد والتكبّر والغرور:
وتعتبر عاملًا آخر من عوامل سوء الظن، لأنّ الإنسان الحسود والحقود يريد من خلال سوء الظن تسقيط شخصية الطرف الآخر والتقليل
[1]. غرر الحكم.
[2]. بحار الانوار، ج 71، ص 197.