بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 30

والإستكبار يقف وراء الكثير من هذا القبيل من السلوكيات الغارقة في الوهم والزيف.

ولا نجد أحداً من الأنبياء عليهم السلام دعا قومه كما دعا نوح عليه السلام إذ عمّر فيهم 950 سنةً وأكّد عليهم دعوته الإلهية مراراً وتكراراً، وعبارة «الليل والنهار» يمكن أن تكون إشارة إلى مجالسهم العمومية التي كانوا يجلسون فيها بالليل والنهار، فكان يدعوهم إلى اللَّه تعالى في كل وقت، ولم يؤمن له إلّاقليل، وعلى حد تعبير البعض أنّ معدل من كان يؤمن به من قومه فرد واحد لكل اثني عشرة سنةً.

تعبير: «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ»، هو وضع رؤوس الأصابع في الآذان لمنع السماع، أو هو إشارة لشدّة موقفهم في الهروب من الحق، وكأنّهم كانوا يريدون أن يدخلوا أصابعهم كلها في الآذان حتى لا يسمعوا الحق.

تعبير: «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائي إِلّا فراراً»، يبين أنّ دعوة نوح النبي عليه السلام كانت لها نتيجةً عكسية عندهم، نعم فإن المشاكسين والمستكبرين يصرون على أفعالهم عند سماعهم للحق، ومثلهم كمثل المزابل عند هطول المطر عليها حيث تزداد عفونة وتشتد رائحتها النتنة.

«الآية الخامسة»تشير إلى عناد قوم ابراهيم عليه السلام من عبدة الأوثان في بابل بعدما أثبت لهم ابراهيم عليه السلام بدليل قاطع زيف آلهتهم، فحطّم الأصنام كلها إلّاكبيرهم وطلب منهم أن يسألوا الكبير عمّن فعل بآلهتهم تلك الفعلة الشنيعة؟؟

لقد تنبهوا للأمر في واقعهم ولاموا أنفسهم واستيقظوا للحظة، ولو قدّر أن تستمر هذهِ اللحظة لتغير موقفهم من الشرك إلى الإيمان، ولكن عنادهم ولجاجتهم وتعصبهم لم يمنحهم الفرصة للتفكير السليم وتقول الآية: «ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ».

فقال إبراهيم عليه السلام: «أَفَتَعْبُدونَ مِنْ دوُنِ اللَّهِ ما لايَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ افٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدُونَ أَفَلا تَعقِلُونَ».


صفحه 31

إذا تجرّد الإنسان من تعصبه وعناده، ورأى بامِّ عينيه أنّ الذي كان يعوّل عليه دائماً في المحن والصعاب، أصبح لا قيمة له اليوم وتبيّن زيفه بحيث لا يستطيع معرفة من عمل على تخريبه وتحطيمه، أليس من الجدير بذلك الشخص أن يستيقظ من نومته تلك ويتحرّك بعيداً عن تلك السلوكيات الغارقة في الزيف ويتجنب هذهِ الخرافات والاعتقادات السخيفة ويطهر فكره منها؟!

نعم فإن التعصب واللجاج يضع حجاباً قوياً على عين وقلب الإنسان فينكر اوضح المسائل.

واللطيف في الأمر أنّ الآية الاولى ذكرت: «فَرجِعُوا إِلى‌ أَنْفُسِهُم» وهو تعبير حاكي عن الاستيقاظ والانتباه، ولكن الآية الثانية تقول: «ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‌ رُؤُوسِهُم» وهو تعبير عن تراجع من موقع الوضوح في الرؤية وبدوافع جاهلية وغير منطقية مترسبة في دوافع النفس.

«الآية السادسة»، تستعرض عناد بني اسرائيل الذي يضرب به المثل ففي، هذه الآية وما قبلها اشارة إلى قصة القتل المُبهم الذي وقع في قوم بني اسرائيل، وكاد أن يفضي إلى إقتتال الطوائف فيما بينها.

فقال موسى عليه السلام: بأمرٍ من اللَّه سوف نعرّف القاتل، فاذبحوا بقرة ولامسوا بقسم من بدنها ببدن المقتول، فسيقول لكم من هو القاتل.

حيّر هذا الاقتراح العجيب بني اسرائيل، ولكنه في نفس الوقت بعث الأمل في نفوسهم، وحان الوقت لتنفيذ أوامر النبي موسى‌ عليه السلام وانهاء المسألة، ولكن بني اسرائيل وبصورة غريبة أخذوا يستشكلون ويتساءلون من موقع العناد وعدم الرغبة في الامتثال، فمرّة يسألون عن عمرها ومرّة عن لونها واخرى‌ عن نوعها وعملها، فبأسألتهم تلك ضيّقوا فرصة العثور على مثل هذهِ البقرة لحظة بعد لحظة وبالتالي وبعد عناد كبير وسعرٍ خيالي وجدوا البقرة بتلك الأوصاف المطلوبة، ولو أنّهم لم يسألوا ولم يستشكلوا وذبحوا أول بقرة وقعت في أيديهم، لأنحلت المشكلة، لأنّه لو كان (المأمور به) مشروطاً بشرائط معينة لوجب البيان‌


صفحه 32

في مقام الحاجة، وكما يقول الاصوليون: «أن تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحٌ». وفي الحقيقة إنّ هذهِ الأسئلة والتدقيق في المسألة يدلّ على‌ عدم إيمانهم بحكمة اللَّه تعالى، والحكيم لابدّ وأن يبيّن كل ما هو لازم وضروري من الشرائط والقيود، ولا يحتاج للسؤال، ويمكن أن يكون قصدهم من ذلك هو عدم وجود تلك البقرة حتى يستمروا بمغامراتهم التي يتحرّكون من خلالها في دائرة العناد دوماً في مقابل الإمتثال للحق، فقال القرآن الكريم:

«وَإِذْ قالَ مُوسى‌ لِقَوْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قالُوا أَتَتَّخُذُنا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ».

فتبيّن هذهِ الآيات مدى‌ النزاع الذي حصل بين بني اسرائيل لمعرفة القاتل، وعلى ذلك كان يتوجب عليهم تنفيذ أوامر موسى‌ عليه السلام بسرعة ليجدوا القاتل، ولكن اللّجاج الذي دخل فيه بنو اسرائيل لم يعطهم الفرصة لانهاء الأمر فسألوا وسألوا حتى صعّب عليهم الباري تعالى الأمر فأصبح البحث عن تلك البقرة أمراً مستعصياً جداً، فهي بقرة، صفراء بالكامل تسرُّ الناظرين، لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، ولا ذلول وتثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمةً لاشيَةَ فيها، فمن البديهي عدم توفّر مثل هذه الأوصاف في بقرة واحدة إلّابصعوبةٍ، ولكن كان عليهم أن يدفعوا ثمن لجاجهم وعنادهم، فاضطروا لشرائها بثمنٍ باهظ جدّاً، فذبحوها وضربوا بعضها ببدن الميت فعادت الحياة إليه باذن اللَّه ودلّهم على قاتله.

«الآية السابعة»أيضاً تتحدث عن بني اسرائيل وعنادهم العجيب حيث أخذوا باطراف موسى عليه السلام وطلبوا من نبيّهم المحال وقالوا: «وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‌ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى‌ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً».

الظاهر أنّهم كانوا يعلمون أنّ اللَّه تعالى ليس بجسمٍ ولا جهة له ولا مكان، ولكن كلامهم كان بسبب طغيانهم وعتوّهم، ومن أجل أن يبيّن اللَّه تعالى جيداً مسألة استحالة رؤيته، ولتأديب اولئك القوم المعاندين أمر بسبعين من رؤوسائهم أن يخرجوا مع موسى عليه السلام للميعاد في جبل الطور، ليتلقوا الجواب على سؤالهم العجيب هناك وينقلوا ما سيشاهدوه‌


صفحه 33

لقومهم، وعند وصولهم لجبل الطور، سأل موسى‌ عليه السلام بالنّيابة عنهم أن يتجلّى اللَّه تعالى لهم جهرةً، فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي»، فأخرج هذه الفكرة من رأسك الى الأبد.

فصعقت صعقة شديدة ملأت الكون، وزلزل الجبل وتلاشى، ومات ال 70 نفر إلّا موسى عليه السلام فقد فَقَدَ الوعي كما ذكر القرآن في ذيل الآية: «فَأَخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ».

وعندما استيقظ موسى عليه السلام، طلب من الباري تعالى إعادة الحياة إليهم، لئلا تعود المشاكل بينه وبين بني اسرائيل: «قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا» واستجاب اللَّه دعاءه وأعادهم للحياة كما صرّح بها القرآن الكريم فيما بعدها من الآيات «ثُمَّ بَعَثناكُم مِنْ بَعدِ مَوتِكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ».

ويتبيّن ممّا ذكر آنفاً أنّ موسى عليه السلام لم يطلب هذا الأمر من تلقاء نفسه، ولكن نزولًا عند رغبة بني اسرائيل، حتى يُلَقّنوا درساً عملياً ويفهموا ان الذي لا يستطيع أن يشاهد الصاعقة كيف يمكن له أن يرى‌ الباري تعالى شأنه؟

وهو أيضاً عقاباً وتأديباً لهم حتى لا يطلبوا اموراً مستحيلةً.

«الآية الثامنة»من الآيات التي وردت في مقام الحديث عن عناد بني اسرائيل بعدما نصرهم اللَّه على عدوّهم وخلّصهم من شر فرعون وجنوده حيث توجهوا نحو الديار المقدسة يعني بيت المقدس، التي كانوا يتمنون الوصول إليها، وعندما وصلوا على مقربة من الأرض المقدّسة جاءهم الأمر أن ادخلوا هذهِ الأرض ولا تخافوا ممّا سيحدث فيها، ولكنّهم قالوا لموسى عليه السلام: إنّ فيها اناس يسمّون (بالعمالقة) أشداء أقوياء ولن ندخلها حتى يخرجوا منها. فقال لهم بعض المؤمنين من موقع النصيحة والمسؤولية بأنّكم إذا دخلتم الباب عليهم فسينصركم اللَّه على العمالقة بفضله وعنايته.

ولكن بني اسرائيل ظلّوا على غيّهم وكما جاء في الآية الكريمة «قالُوا يا مُوسى‌ إِنا


صفحه 34

لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا ههُنا قاعِدُونَ».

وهنا أيضاً ذاق بنو اسرائيل طعم عنادهم ولجاجتهم، فأخذ اللَّه تعالى النصر عنهم ودخول بيت المقدس أربعين سنةً، وتاهوا في الصحاري القريبة منها، فسمّوا تلك الصحاري بأرض‌«التيه»التي كانت قسماً من صحاري‌(سيناء).

والمسألة المهمّة والتي يجب الإشارة اليها هو أن الّلجاج وعدم الانصياع يفضي إلى التعامل مع الباري تعالى من موقع الاهانة والاستهزاء، حيث قالوا: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا ههُنا قاعِدُونَ»، فالإهانة والاستهزاء في هذا الكلام يتجليان بكل وضوح، ولكن الجاهل والأناني واللجوج لا يعرف منطق أفضل من هذا.

والواقع أنّ التيه أربعين سنة في تلك الصحاري، كان حكمة ورحمة إلهية، وبهدف تغيير النسل الذي نشأ في مصر، والذي لم يستطع عمل موسى عليه السلام الثّقافي والفكري الدؤوب أن يغيّر فيه الكثير، فجاء نسل جديد نشأ في الصحراء وفي وسط المشكلات فحصلت فيه التغييرات الداخلية اللازمة لتحرير الديار المقدسة من الاعداء وإقامة الحكومة الإلهية، وفي الحقيقة أن هذهِ العقوبة كانت في الواقع رحمة ربانية ولطف إلهي، وأكثر العقوبات الإلهية هي من هذا القبيل.

في‌«الآية التاسعة»من الآيات نقرأ حديثاً عن قوم فرعون الذين آتاهم اللَّه تعالى «بتسع آيات»[1]إلهية على مستوى الاعجاز، ولم يكونوا بأقل عنادٍ واصرار على الانحراف من بني اسرائيل حتى أنّهم قالوا لموسى «وَقالوا يا أَيُّهَا الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ* فَلَما كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ».

تعبيرات الآية واضحة جدّاً، فكلها تبيّن وتعكس العناد الذي كانوا عليه، فأولها نعتوا موسى‌ عليه السلام بالساحر ومع ذلك يلجأون إليه لكي يخلصهم من البلاء، وتعبير «ربّك» علامة اخرى‌ على العناد. وتأكيدهم على الإيمان بموسى عليه السلام على فرض انقاذهم من البلاء واضح‌

[1]. سورة الاسراء، الآية 101.


صفحه 35

من كلمة (إننا لمهتدون) وتعبير (ينكثون) التي وردت بصورة الفعل المضارع تبيّن أنّهم أبرموا العهود ونقضوها مرّات عديدة، وهو دليل على عنادهم أيضاً.

وبالتالي فانّهم ذاقوا عقاب عنادهم ولجاجتهم، حيث اغرقهم الباري تعالى بجميع عدّتهم وعددهم ورؤسائهم في اليمِ‌[1].

«الآية العاشرة»والأخيرة من هذه الآيات، ناظرة لعناد المشركين العرب حيث كانوا يصرّون على عنادهم ويتهربون من قبول دعوة الرسول صلى الله عليه و آله والتي كانت مدعمة بالآيات والمعجزات، ولو كان عندهم ذرّة من روح الحب للحقيقة، لقبِلوا احدى‌ تلك المعجزات الكبيرة التي اتى‌ بها الرسول الاعظم صلى الله عليه و آله ومن جملتها القرآن الكريم المعجزة الخالدة للرسول الكريم صلى الله عليه و آله، ولكنهم كانوا في كل يوم يطلبون معجزةً جديدة، ومع ذلك لا يؤمنون بها أيضاً، إلى أن وصلوا إلى أقصى درجات اللجاجة والعناد، «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى‌ فِى السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى‌ تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ».

هذا الكلام هو دليل واضح على التعامل مع الموقف من موقع العناد، وفيه أيضاً نقطة مهمّة، ألا وهي أنّهم كانوا يتصوّرون أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يقول: إني افعل ما اشاء ومتسلط على جميع الكون، لكنّ الحقيقة أنّ المعجزات دائماً تتحقق بأمرٍ إلهي وكيفما يشاء الباري تعالى، لذا نقرأ في آخر الآيات: «قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا».

ويذكر في شأن النزول أنّ قوماً من مشركي مكّة وعلى رأسهم (الوليد بن المغيرة وابو جهل) اجتمعوا عند الكعبة الشريفة وأخذوا يتحدثون عن النبي وكيفية مواجهته، وبالتالي قرّروا أن يذهب أحدهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ويقترح عليه أن يتوجّه إليهم يكلمهم ويكلمونه حول الدين الجديد، فأسرع إليهم الرسول على أمل قبولهم للحق، لكنّه سمع الكلام الآنف الذكر، بالإضافة إلى مجابهتهم له بامور واهية ومهينةً اخرى‌.

ومن المؤكد أنّهم لو كانوا يطلبون الحق ويريدونه، لتوجب على الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله‌

[1]. نظير هذه التعبيرات وبشرح اكبر جاء في سورة الاعراف في الآيات 131- 135.


صفحه 36

النزول عند رغبتهم، أو على‌ الأقل تنفيذ إحدى‌ المعجزات، ولكنهم طالما شاهدوا المعجزات من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله لم يذعنوا للحق، اضافة إلى أنّهم بطلبهم هذا اعترفوا إنّهم لن يؤمنوا لرقيّ الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله في السماء أمام أعينهم حتى ينزل عليهم كتاباً من السماء ليقرؤوه، ولو نزل الرسول صلى الله عليه و آله عند رغبتهم وآتاهم بالمعجزة هذه لما آمنوا، لأنّ سابقة عنادهم ومواقفهم السلبية من الدعوة هي أفضل دليل، فعندما كانوا يشاهدون المعاجز الباهرة، يقولون هذا من السحر وإنّ الرجل لساحر، وهكذا يجهضون أي أثر للمعجزات في وعيهم بتعاملهم معها بلغة الاتهام الذي ينطلق من موقع العناد.

فتبيّن من مجموع الآيات الآنفة الذكر أنّ مسألة اللّجاج والعناد على مرّ العصور وتاريخ البشر كانت ولا تزال من أهم الموانع في طريق الحق، حيث كان وجود هذه الحالة النفسية السلبية يمثل مشكلة عويصة تمتد في أعماق نفوس المشركين في الأقوام السابقة، وعليه فلو تحرك الإنسان في عملية الوصول إلى الحق والحقيقة فعليه أن يزيل هذه الصفة الذميمة من محتواه الداخلي ويتخلص منها.

اللجاج والمماراة في الروايات الإسلامية:

أشرنا فيما تقدم إلى الأبحاث المتعلقة بالتعصب واللجاج، وأوضحنا ما يترتب على هذه الحالة الأخلاقية من خلال الآيات الكريمة، من العواقب الوخيمة الناشئة من التعصب والتقليد الأعمى‌، أمّا في هذا البحث فسنتكلم عن المماراة واللجاج في دائرة الجدل، أو بتعبير آخر التمسك بمسألة خاطئة لا للتعصب القومي الاعمى، ولكن بسبب تجذّر العناد الطفولي في النفس والذي قد نشاهده في بعض الأفراد، فلا يسلّمون للحق بل يريدون التهرب منه.

وكما رأينا في الآيات السابقة فان هذهِ الرذيلة الأخلاقية أحرقت فرص السعادة والحياة الكريمة لكثير من الأقوام. فوقعوا في مستنقع البؤس والرذيلة، ونرى‌ في الأحاديث‌


صفحه 37

الإسلامية ابحاث موسّعة حول هذا الموضوع:

1- في حديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه و آله:«الخَيرُ عادَةٌ وَالشَّرُّ لَجاجةٌ»[1].

2- في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:«إِيَّاكَ وَمَذمُومَ اللَّجاجِ فإنّهُ يُثِيرُ الحُرُوبَ»[2].

فتعبير اللجاج المذموم يعني أنّ الإنسان ربّما يصرّ على امور الخير وبصورةٍ منطقية فهو بلا شك أمر محمود ورمز للموفقيّة. ولكن الاصرار على اللجاج المذموم، هو سبب لاستفزاز الآخرين، والمداومة عليه يؤدي إلى التعامل مع الآخرين من موقع العقدة والخصومة وإثارة الحروب وسفك الدماء.

3- في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام:«جِماعُ الشَّرِّ اللَّجاجُ وَكَثرَةُ المُمارَاةِ»[3].

وفي الواقع أنّ كثيراً من المشكلات والمصائب الاجتماعية لا مصدر لها إلّاهذه الامور، فيقوم البعض بمناقشة الامور بدافع البحث والجدال والمماراة، ويقوم البعض الآخر ونتيجةً للجهل بالردّ عليهم من هذا المنطلق نفسه، فينشأ النزاع والصداع دون أن يكون لهم هدف معين على مستوى الكشف عن الحقيقة وتحصيل الواقع، ولو أنّهم سلكوا طريق العقل والتدبر، لاستطاعوا القضاء على كثير من المفاسد الاجتماعية من خلال الحوار المشترك الذي ينطلق من دوافع إنسانية في واقع الإنسان والحياة.

4- وفي حديث آخر عن نفس الإمام الهمام عليه السلام:«خَيرُ الأخلاقِ أَبعَدُها عَنِ اللَّجاجِ»[4].

يستفاد من هذا التعبير أنّ روح اللجاج والمماراة لها علاقة وثيقة بجميع الصفات الرذيلة، فإمّا أن يتأثر بها أو يؤثر بواسطتها.

5- ونقل عنه عليه السلام أيضاً:«لا مَرْكَبَ أجمَحَ مِنَ اللَّجاجِ»[5].

ويستفاد من هذا الحديث، أنّ اللجاج يؤدي بصاحبه إلى منزلقات سحيقةٍ في حركة

[1]. سنن ابن ماجه، ح 221؛ ميزان الحكمة، ح 18114.

[2]. غرر الحكم.

[3]. المصدر السابق.

[4]. المصدر السابق.

[5]. المصدر السابق.