بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 308

13- التجسّس في الحالات الخاصة للناس‌

تنويه:

(التجسّس) بمعنى البحث والفحص في أعمال الآخرين والامور المتعلّقة بهم، وغالباً ما يكون هذا البحث في الامور السلبية ونقاط الضعف والسلوكيات الذميمة، ولكنّ التجسّس في لغة العرب يأتي بمعنى البحث والفحص في المسائل الإيجابية أيضاً.

وفي الحقيقة أنّ سوء الظن هو السبب في أن يتحرّك الإنسان للكشف عن أسرار الناس وامورهم الخفيّة، وأحياناً تدخل عوامل اخرى من قبيل: البخل والحسد وضيق الافق وأمثال ذلك في خلق هذه الحالة الذميمة لدى الإنسان.

التجسّس بالشكل المذكور آنفاً يعتبر حالة ذميمة جدّاً في دائرة المفاهيم الإسلامية ومن الأعمال المحرّمة حيث يتسبب في سلب الأمن الاجتماعي وخلق أنواع الخصومات والنزاعات بين الأفراد، فلو ابيح لكلّ شخص أن يتدخّل في الكشف عن أسرار الآخرين والتدخل في امورهم الخاصّة في حياتهم الفردية والاسرية، فلا يبعد أن يترتب على ذلك هتك حرمة الكثير من الأفراد وتدمير شخصيتهم الاجتماعية وبالتالي إندلاع نيران الحقد والعداوة والبغضاء في المجتمع بحيث يتحوّل مثل هذا المجتمع إلى جحيم لا يطاق.

وبالطبع فإنّ هذا الحكم الأخلاقي والإسلامي لا يتقاطع أبداً مع ضرورة وجود أجهزة


صفحه 309

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 310

أمنيّة وتجسّسية في جهاز الحكومة الإسلامية، لأنّ ما تقدّم من التجسّس المذموم يتعلّق بالحياة الخاصة للأفراد، وأمّا هذا المعنى الثاني فيتعلّق بمصير المجتمع وأمنه ويهدف إلى التصدّي لمؤامرات الأعداء وكشف مخططاتهم والوقاية من تسرّب عناصر الشر والانحراف في مفاصل المجتمع الإسلامي.

وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي منه الدروس الأخلاقية في هذا الباب.

نقرأ في القرآن الكريم آية واحدة تنهى عن التجسّس، وهي الآية 12 من سورة الحجرات حيث يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً».

وكما تقدّمت الإشارة إليه في بحث الغيبة وسوء الظن فإنّ الآية الشريفة المذكورة أعلاه تنهى عن ثلاثة أشياء، وهي في الواقع بمثابة العلّة والمعلول، فالأول تنهى عن سوء الظن الذي يعدّ العلّة والمصدر للتجسّس، ثم تنهى عن التجسّس الذي يتسبب في الكشف عن عيوب الآخرين المستورة وبالتالي التحرّك من موقع غيبتهم وفضح معايبهم.

وكما تقدّمت الإشارة إليه آنفاً فإنّ (التجسّس) له مفهوم سلبي ويراد به عادة سلوك غير أخلاقي تجاه الآخرين، ولكنّ (التجسّس) قد يرد في مورد يكون البحث والفحص عن الشي‌ء مطلوباً ومحموداً كما نقرأ في قصّة يوسف عليه السلام أنّ يعقوب عليه السلام أمر أولاده وقال: «يَا بَنِىَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ»[1].

وذهب البعض إلى أنّ التحسّس بمعنى إستراق السمع بالنسبة لكلمات وأحاديث الآخرين، في حين أنّ التجسّس هو البحث والفحص العملي عن أسرار وعيوب الآخرين.

وممّا يلفت النظر أنّ النهي عن التجسّس في آية سورة الحجرات لم يتقيّد بقيد أو شرط، وهذا يدلّ على أنّ الأصل هو حرمة التجسّس بعنوان قاعدة عامّة، ولو رأينا أحياناً في الأحكام الإسلامية جواز التجسّس لأغراض خاصّة فإنّ ذلك من قبيل الاستثناء.

وقد كان الحكم بحرمة التجسّس وبالنظر لهذه الآية الشريفة إلى درجة من الوضوح في‌

[1]. سورة يوسف، الآية 87.


صفحه 311

الذهنية المسلمة حتى أنّ المسلمين كانوا يستدلون بهذه الآية كدليل على حرمة التجسّس، فقد ورد في مصادر أهل السنة من قبيل كنز العمال نقلًا عن (ثور الكندي) حيث يقول: كان عمر بن الخطاب يعسّ في الليل في أزقة المدينة فسمع يوماً صوت رجل يغني في داخل بيته فما كان من عمر إلّاأن تسلق الجدار فصاح به: يا عدو اللَّه أحسبت أنّك ترتكب الذنب في خفاء وأنّ اللَّه تعالى لا يراك؟

فقال له ذلك الرجل: لا تعجل يا أميرالمؤمنين، فلو ارتكبت ذنباً واحداً فقد ارتكبت أنت ثلاثة، فانّ اللَّه تعالى يقول «وَلا تَجَسَّسُوا» وأنت قد تجسّست علينا، ويقول أيضاً: «وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا»[1]، وأنت تسلقت الجدار، واللَّه تعالى يقول: «لَاتَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا»[2]، وأنت دخلت البيت بلا اذن ولا سلام.

فما كان من عمرإلّا أن أطرق أمام هذا الاستدلال المتين ثم قال له: إذا عفوت عنك فهل تترك ما أنت عليه؟ فقال: نعم، فتركه عمر وذهب‌[3].

التجسّس في الروايات الإسلامية:

إنّ مسألة التجسّس ذكرت في الروايات الإسلامية من موقع الذم والتقبيح بحيث أنّ القاري‌ء لهذه الروايات يستنتج أهمية وشناعة هذا العمل والسلوك الأخلاقي الذميم، ومن ذلك:

1- ما ورد عن رسول اللَّه أنّه قال:«إِيّاكُم وَالظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا»[4].

2- ونقرأ في حديث آخر عن النبي الأكرم أيضاً قوله:

«لا تَحاسَدُوا وَلا تَباغَضُوا وَلإ

[1]سورة البقرة، الآية 189.

[2]سورة النور، الآية 27.

[3]كنز العمال، ج 3، ص 808، ح 8827.

[4]صحيح المسلم، ج 4، ص 1985، ح 2563.


صفحه 312

تَجَسَّسُوا وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَنا جَشُوا وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إِخواناً»[1].

ويتّضح من هذا الحديث جيداً أنّ حال التجسّس كحال الحسد والحقد والكراهية فإنّه يتسبب في تباعد الناس وتمزّق أوصال المجتمع الإسلامي والتدهور والإرتباك في العلاقات الاجتماعية بين الناس.

وقد أورد الكليني في كتابه الكافي حديثاً عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«يا مَعْشَرَ مَنْ أَسلَمَ بِلِسانِهِ وَلَم يُسلِمْ بِقَلبِهِ لاتَتَبِّعُوا عَثَراتِ المُسلِمِينَ فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَثَراتِ المُسلِمِينَ تَتَبَّعُ اللَّهُ عَثرَتَهُ وَمَن تَتَبَّعُ اللَّهُ عَثرَتَهُ يَفْضَحْهُ»[2].

3- وفي حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«تَتَبَّعُ العَيُوبِ مِنْ أَقبَحِ العُيُوبِ وَشَرِّ السَّيِّئاتِ»[3].

4- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أنّه قال:«مَنْ بَحَثَ عَنْ أَسرارِ غَيرِهِ أَظهَرَ اللَّهُ أَسرارَهُ»[4].

5- وجاء في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أيضاً قوله:«مَن تَتَبَّعَ خَفِيَّاتِ العُيُوبِ حَرَّمَهُ اللَّهُ مَوَدّاتِ القُلُوبِ»[5].

6- وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه:«لا تُفَتَّشِ النّاسَ عَنْ أَديانِهِم فَتَبقى‌ بِلا صَدِيقٍ»[6].

وهذا يدلّ على أنّ أغلب الناس لهم عيوب ونقائص في دائرة العقيدة أو العمل، فعندما تبقى مستورة وخفيّة، فإنّ ذلك من شأنه أن يوطّد العلاقات بين الأفراد ويتعامل الأفراد فيما بينهم من موقع المحبّة والود ويلتزمون بأصالة الصحّة والعدالة في الطرف الآخر، ولكن في غير هذه الصورة فانّ الإنسان يبقى بلا صديق.

[1]. صحيح المسلم، ج 4، ص 1985، ح 2563.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 354، ح 4.

[3]. غرر الحكم.

[4]. المصدر السابق.

[5]. المصدر السابق.

[6]. بحار الانوار، ج 75، ص 253، ح 109.


صفحه 313

الآثار والعواقب السلبية للتجسّس:

إنّ البحث والتفحّص عن حال الآخرين لغرض الكشف عمّا خفي من معايبهم ونواقصهم له آثار سلبية كثيرة في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.

لأنّه من جهة يؤدّي إلى نفور الناس وكراهيتهم لمن يتدخل في شؤونهم الخاصة ويتعدّى على أسرارهم ويهدف إلى الكشف عن امورهم الخاصة، فيرون مثل هذا الشخص معتدياً على حريمهم الخاص ولا يقيمون له احتراماً ولا يرون له شخصية وحيثية في نظرهم ويكرهون من يعيش هذه الحالة الذميمة بشدّة.

وقد قرأنا في الحديث السابق قول الإمام الصادق عليه السلام أنّ الشخص الذي يفتّش عن عيوب الناس يبقى‌ بلا صديق، فيمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى.

ومن جهة اخرى فإنّ أغلب الناس لديهم نقاط ضعف وعيوب في شخصيتهم وسلوكياتهم وأخلاقهم فهي لو أنّها بقيت مستورة وفي حيّز الكتمان، فإنّ ذلك من شأنه أن يدفع بعجلة التفاعل الاجتماعي بين الأفراد كما يرام، ولكن عند انتشار هذه العيوب ونقاط الضعف فإنّ ذلك من شأنه أن يتسبب في سوء الظن لدى الأفراد وانفصام علقة الاخوة والصداقة والمحبّة بينهم.

ومن جهة ثالثة فانّ التجسّس والتفتيش عن عقائد الآخرين وأسرارهم وعيوبهم يتسبب في تعميق حالة الكراهية والحقد والعداوة بين أفراد المجتمع وأحياناً يؤدّي إلى النزاع الدموي الشديد بينهم.

فإذا أردنا أن يعيش المجتمع السلامة والاطمئنان والاستقرار فينبغي الحذر والابتعاد عن هذا السلوك السلبي.

ومن جهة رابعة فإنّ أكثر الناس يتحرّكون في مقابل هذا العمل من موقع المقابلة بالمثل، أي يسعون إلى التجسّس والفحص عن عيوب الشخص الفضولي والمتجسّس على أحوالهم ويكشفونها إلى الملأ، ولعل هذا الحديث الشريف ناظر إلى هذا المعنى وهو قوله:«مَنْ بَحَثَ‌


صفحه 314

عَنْ أَسرارِ غَيرِهِ أَظهَرَ اللَّهُ أَسرارَهُ»[1].

ونقرأ في حديث آخر قوله عليه السلام:«مَنْ كَشَفَ حَجابَ أَخِيهِ إِنكَشَفَتْ عَورَاتُ بَيتِه»[2]، وهو قد يكون إشارة إلى هذا المعنى بالذات، أو إشارة للأثر الوضعي ونتائج هذا العمل في الدنيا.

ونقرأ كذلك في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«مَنْ تَطَّلَعَ عَلى‌ أَسرارِ جارِهِ إِنتُهِكَتْ أَستارُهُ»[3].

أمّا الدوافع على هذه الرذيلة الأخلاقية وهي التجسّس والتفتيش في أسرار الناس وأحوالهم الخاصة فكثيرة، ومن ذلك:

1- سوء الظن بالآخرين الذي يقود الإنسان غالباً إلى التجسّس عن أحوالهم، فلو أنّه استبدله بحسن الظن فإنّه لا يفكّر عند ذاك بالتفتيش عن عيوب الآخرين، ولهذا السبب كما أشرنا سابقاً أنّ الآية 12 من سورة الحجرات تنهى عن التجسّس بعد النهي عن سوء الظن.

2- التلوّث بالذنوب والعيوب المختلفة والذي يعدّ عاملًا آخر يدفع صاحبه نحو التجسّس على الا خرين، لأنّ الشخص الملّوث بالذنوب والغارق في العيوب يريد أن يرى جميع الناس مثله، وبذلك سوف ينطلق من موقع جبران عيوبه وخلق أجواء كاذبة له من الهدوء النفسي وتسكين حالة التوتر التي تفرضها عليه عيوبه الكثيرة فيقول في نفسه بأنني إذا كنت ملّوثاً فسائر الناس كذلك.

ونقرأ في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«شَرُّ النّاسِ الظّانّون وشَرُّ الظّانّين المُتَجَسِّسُونَ»[4].

وأحد العوامل الاخرى للتجسّس هي حالات الحسد والحقد والعداوة والتكبّر والعجب في واقع الإنسان الناقص حيث تدفعه هذه العناصر الشريرة إلى التفتيش عن عيوب‌

[1]. غرر الحكم.

[2]. المصدر السابق.

[3]. المصدر السابق.

[4]. مستدرك الوسائل، ج 9، ص 147، الباب 141، ح 15 الطبعة الجديدة.


صفحه 315

الآخرين واستخدامها كأداة لتسقيطهم وهتك حيثيّتهم لغرض إرضاء الميل إلى التفوّق ورؤية الأنا متعالية على الآخرين.

4- ومن العوامل الاخرى لهذه الرذيلة هو ضعف الإيمان أيضاً، لأنّ الإنسان الذي يعيش ضعف الإيمان باللَّه تعالى لا يلتزم باحترام إيمان الآخرين وشخصيتهم الاجتماعية، ولذلك يتدخّل بأدنى حجّة في امورهم الخاصة وحريم حياتهم الخصوصية ولا يرى بأساً في الكشف عن مثالبهم وهتك حرمتهم وإراقة ماء وجوههم، كما قرأنا في الأحاديث السابقة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بأنّ مثل هؤلاء الأشخاص هو من قبيل:«يا مَعْشَرَ مَنْ آمَن بِلِسانِهِ وَلَم يَدخُلِ الإيمانَ فِي قَلبِهِ».

استثناءات:

هنا يطرح سؤال وهو: هل أنّ التجسّس يعدّ عاملًا منافياً للأخلاق والشرع في جميع الموارد، أو هناك بعض الاستثناءات التي تخرجه عن دائرة الحرمة الشرعية؟ فإنّ جميع الدول والحكومات في العالم سواءً الإسلامية وغير الإسلامية لديها أجهزة أمنيّة خاصة تعمل في دائرة التجسّس والفحص عن أسرار الناس وحالاتهم وتتدخل في امورهم وتسعى إلى الكشف عن أسرارهم، وهناك موارد اخرى لا يكون التجسس في امور الناس ممنوعاً في نظر عقلاء العالم، بل قد يكون لازماً وضرورياً.

وفي مقام الجواب عن هذا السؤال يجب القول إنّ هذا الأصل العام في مسألة حرمة التجسّس وقبحه في دائرة القيم الأخلاقية له بعض الموارد الاستثنائية كما هو الحال في الاصول العامة الاخرى، ومن ذلك:

1- الأجهزة الأمنيّة

إنّ كل حكومة ودولة تجد نفسها موظفة بحماية شعبها من شر مؤامرات الأعداء في الداخل والخارج وتستخدم الحذر من جواسيس الأعداء، ولا شك أنّ المسؤولين في هذه الحكومات إذا أرادوا أن يواجهوا الأحداث والوقائع من موقع حسن الظن والحمل على‌