بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 326

العبارة يدلّ على شمول الحديث لكتمان الأسرار الذاتية التي تتعلّق بالآخرين.

أقسام حفظ السِّر:

لحفظ السّر أقسام متعددة منها:

1- حفظ أسرار الآخرين.

2- حفط أسرار النفس.

3- حفظ أسرار أولياء الدين.

4- حفظ أسرار النظام والحكومة الإسلامية.

أمّا ما ورد في الروايات المذكورة آنفاً فإنّه يتعلّق بحفظ أسرار الآخرين، ولكن هناك روايات واردة في حفظ أسرار النفس أيضاً حيث توصي المسلمين بحفظ أسرارهم الخاصة في حياتهم الفردية، لأنّه قد تكون إذاعتها وإفشائها سبباً لإثارة عناصر الحسد والحقد والمنافسة غير المنصفة، وبالتالي يقع الإنسان مورد عدوان الأشخاص الذين يعيشون الحقد وضيق الافق وتتعرّض مصالحه إلى خطر كما نقرأ فيما يلي نماذج لهذه الروايات:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«سِرُّكَ سُرُورُكَ إِنْ كَتَمتَهُ وإِنْ أَذَعَتَهُ كانَ ثُبُورَكَ»[1].

2- ويقول عليه السلام في حديث آخر:«سِرُّكَ أَسِيرُكَ فَإنْ أَفشَيتَهُ صِرتَ أَسِيرَهُ»[2].

3- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«صَدرُ العاقِلِ صُندُوقِ سِرِّهِ»[3].

4- ونقرأ في حديث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«سِرُّكَ مِنْ دَمِكَ فَلا يَجرِينَ فِي غَيرِ أَودَاجِكَ»[4].

[1]. غرر الحكم.

[2]. المصدر السابق.

[3]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 6.

[4]. ميزان الحكمة، ج 4، ص 427.


صفحه 327

5- وجاء في حديث عميق المعنى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً إلّاإذا توفّرت فيه ثلاث خصال:«فَسُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ كِتمانُ سِرِّهِ قالَ اللَّهُ تَعالى‌:

عالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلى‌ غَيبِهِ أَحَداً إلّامَنِ ارتَضى‌ مِنْ رَسُولٍ»[1].

ونقرأ في بعض الروايات أيضاً أنّها توصي بحفظ الأسرار وعدم إذاعتها حتى لأقرب المقرّبين من الأصدقاء، لأنّه يمكن أن تتغيّر الظروف والأيّام وينقلب الصديق إلى عدو وبالتالي سوف يتحرّك على مستوى إذاعة هذه الأسرار وإفشائها.

ويقول الإمام الصادق عليه السلام:«لا تَطَّلِع صَدِيقَكَ مِنْ سِرِّكَ إِلّا عَلى‌ ما لَو اطَّلَعتَ عَلَيهِ عَدُوَّكَ لَمْ يَضُرُّكَ فَإنَّ الصَّدِيقَ قَد يَكُونَ عَدُوُّاً يَوماً ما»[2].

أمّا في مورد إفشاء أسرار أولياء اللَّه تعالى والأئمّة المعصومين عليهم السلام فقد وردت روايات مهمّة جدّاً تؤكّد بشدّة على كتمان هذه الأسرار.

وهذه الأسرار يمكن أن تكون إشارة إلى المقامات المعنوية المهمّة للمعصومين بحيث أنّ الأعداء إذا اطّلعوا عليها حملوا ذلك على محمل الغلو وكان ذلك ذريعة بيدهم لتكفير الشيعة أو تضعيفهم أو القضاء عليهم في حين أنّها ليست من الغلو بل هي مقامات موافقة للقرآن الكريم وللسنة النبوية.

أو هي إشارة إلى أسرارهم بالنسبة إلى العمل في نشر مذهب أهل البيت في المناطق المختلفة من البلاد الإسلامية حيث يثير هذا الموضوع حساسية المخالفين فيزدادوا تعصّباً ويعملوا على منع هذه الأعمال والنشاطات الدينية.

أو أنّها إشارة إلى زمن الظهور للإمام القائم عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام كما وردت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات الشريفة وأنّ بعض الأئمّة المعصومين عليهم السلام عزم على القيام بوجه الحكومات الظالمة في ذلك الزمان، ولكن بما أنّ بعض الشيعة أذاعوا أسرار هذه النهضة فإنّ ذلك أدّى إلى فشلها وإجهاضها، وقد وردت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات التي تحثّ‌

[1]. بحار الانوار، ج 72، ص 68.

[2]. ميزان الحكمة، ج 4، ص 427، ح 8419.


صفحه 328

الشيعة على كتمان أسرار المعصومين عليهم السلام ومن ذلك:

1- ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِذا تَقارَبَ هذا الأَمرُ كانَ أَشَدُّ لِلتَّقِيَّةِ»[1].

2- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«مَنْ أَفشى‌ سِرَّنا أَهلَ البَيتِ أَذاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الحَدِيدِ»[2].

3- ونقرأ أيضاً في حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه:

«آمُرُكَ أَنْ تَصُونَ دِينَكَ وَعِلمَنا الَّذِي أَودَعناكَ وَأَسرارنا الَّذِي حَمَلناكَ فَلا تُبدِ عُلُومَنا لِمَنْ يُقابِلُها بِالعَنادِ ... ولا تُفشِ سِرَّنا إِلى‌ مَنْ يَشِيعُ عَلَينا عِندَ الجاهِلِينَ بِأَحوالِنا»[3].

ويستفاد من هذا الحديث الشريف أنّ إذاعة أسرار الأئمّة المعصومين عليهم السلام أمام أهل الحق ومن يتحرّك في سبيل طلب الهداية والحق فإنّه لا بأس به ولا مندوحة منه، ولكنّ المنع الوارد في الروايات يختصّ باذاعتها للأشخاص الذين يعيشون العناد والحقد وأنّهم لو سمعوا بمقامات أهل البيت وفضائلهم وعلومهم فإنّهم سيجدون في أنفسهم الحسد وتتحرّك فيهم البغضاء فيتكلّمون بكلمات غير مسؤولة ويثيرون المصاعب والمشكلات أمام أتباع أهل البيت عليهم السلام.

4- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«إِمتَحِنوا شِيعَتَنا عِندَ ثَلاثٍ: عِندَ مَواقِيتِ الصَّلاةِ كَيفَ مُحافَظَتَهُم عَلَيها، وعِندَ أَسرارهِم كَيفَ حِفظُهُم لَها عَنْ عَدُوِّنا وَإِلى‌ أَموالِهِم كَيفَ مُواساتِهِم لإِخوانِهِم عَلَيها»[4].

5- وورد في حديث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«ما قَتَلَنا مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا قَتلَ خَطاءٍ وَلَكِن قَتَلَنا قَتلَ عَمدٍ»[5].

[1]. بحارالانوار، ج 72، ص 412.

[2]. المصدر السابق.

[3]. المصدر السابق، ص 418.

[4]. المصدر السابق، ج 80، ص 22.

[5]. اصول الكافي، ج 2، ص 370، ح 4.


صفحه 329

6- وفي الحقيقة أنّ الكثير من المشكلات والمصاعب التي واجهها الأئمّة المعصومين عليهم السلام وتعرّضوا بالتالي إلى الوقوع في أسر الظالمين والأعداء بسبب أنّ بعض أفراد الشيعة لم يكونوا ملتزمين بالانضباط في كلماتهم وأحاديثهم فكانوا يتحدّثون عن فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم أو عن رذائل أعدائهم ونقاط ضعفهم ويذيعونها إلى القريب والبعيد، فتصل إلى أسماع الحكّام والامراء فتؤدّي إلى مضاعفة عمليات التضييق والارهاب في حق أهل البيت عليهم السلام وقد تفضي إلى قتلهم على يد حكومات الجور، وكذلك في إذاعة الأخبار التي تتحدّث عن قائم أهل البيت عليه السلام وانتقامه من الأعداء والتي تورث هؤلاء الاعداء الخوف والوحشة، فيتحرّكون في المقابل بالانتقام من أهل البيت عليهم السلام.

7- وجاء في حديث آخر بهذا المضمون ولكن بصياغة جديدة عن هذا الإمام أيضاً في تفسير الآية الشريفة: «وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ»[1]، قال:«أَما وَاللَّهِ ما قَتَلُوهُم بِأَسيافِهِم‌ وَلَكن أَذاعُوا سِرَّهُم وَأَفشَوا عَلَيهِم فَقُتِلُوا»[2].

8- ونقرأ في حديث آخر عن المفضّل بن عمر قال: دخلت على أبي عبداللَّه عليه السلام يوم صلب فيه المعلى‌ فقلت له: يا ابن رسول اللَّه ألا ترى هذا الخطب الجليل الذي نزل بالشيعة في هذا اليوم؟ قال: وما هُو؟ قال: قلت: قَتلُ المُعلى‌ بن خُنيس، قال:«رَحِمَ اللَّهُ المُعلَّى‌ قَد كُنتُ أَتَوقَّعُ ذِلِكَ أَنّهُ قَد أَذاعَ سِرَّنا، وَلَيسَ النَّاصِبُ لَنا حَرباً بِأَعظَمَ مَؤونَةً عَلَينا مِنَ المُذِيعُ عَلَينا سِرَّنا»[3].

وعلى أي حال فإنّ حفظ أسرار أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وبشكل عام حفظ أسرار المذهب من المسائل المسلّمة التي لا ينبغي الترديد فيها، لأنّ هذه الأسرار إذا اذيعت ووصلت إلى أيدي الأعداء فسوف يتحرّك فيهم عنصر الحسد بالنسبة إلى فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم، فيسعون إلى التصدّي لنشاطات الأئمّة في الدائرة الاجتماعية والتربوية والثقافية ويجهضوا أي عمل نافع للُامّة، ولهذا السبب ورد التأكيد في الروايات الشريفة على حفظ هذه الأسرار.

[1]. آل عمران، الآية 112.

[2]. مرآة العقول، ج 11، ص 64، الرقم الجديد 7.

[3]. المصدر السابق، ص 62.


صفحه 330

والقسم الأخير من حفظ السر هو المحافظة على الأسرار العسكرية والسياسية للدولة الإسلامية، ووجوبه من البديهيات، ولهذا نجد أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إهتمّ بهذا الأمر غاية الاهتمام، وأوصى كذلك أصحابه بالمحافظة على هذه الأسرار أيضاً، والكثير من الأنتصارات التي حققّها المسلمون على أعدائهم من المشركين واليهود وقوى الانحراف الاخرى كان بسبب الالتزام والانضباط في هذه المسألة الدقيقة، فمثلًا نقرأ في قصّة فتح مكّة أنّه لو أنّ تلك المرأة (سارة) كانت قد وصلت إلى مكة وأخبرت المشركين بما يعدّه النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمسلمون من الجيوش والقوى العسكرية لفتح مكّة، فمن الطبيعي أنّ فتح مكة لا يتيسّر للمسلمين بتلك السهولة، وقد تراق في سبيل ذلك الكثير من الدماء من الطرفين، ولكن تأكيد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على حفظ الطرق وارساله من يعيد هذه المرأة النمامة تسبب في أن يصل جيش الإسلام إلى أسوار مكة بدون أيّة صعوبة وبسرعة فائقة حتى أنّ المشركين انبهروا وتخاذلوا لما تفاجئوا من قوة الإسلام وسرعة المبادرة وعملية المباغتة لهم واستسلموا جميعاً.

ونقرأ في الروايات الإسلامية إشارات إلى هذه المسألة أيضاً بتعبيرات عميقة المغزى، ومن ذلك:

1- ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«الظَّفَرُ بِالحَزمِ بِإجالَةِ الرَّأَي، وَالرَّأي بِتَحصَينِ الأَسرارِ»[1].

2- وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَيَّرَ قَوماً بِالإِذاعَةِ فَقَالَ: إِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنُ أو الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ، فَإِيَّاكُم وَالإِذاعَةِ»[2].

3- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:«إِظهارُ الشَّي‌ءِ قَبلَ أَنْ يَستَحكُمَ مَفسَدَةٌ لَهُ»[3]، لأنّ المخالفين عندما يطلعون عليه فربّما تحركوا في سبيل المنع من تحقيقه ونجاحه.

[1]. نهج البلاغة، الكمات القصار، الكلمة 48.

[2]. مرآة العقول، ج 11، ص 65.

[3]. بحار الانوار، ج 72، ص 71.


صفحه 331

معطيات حفظ السّر وإفشائه:

إنّ جميع الناس في حياتهم الخصوصية لديهم بعض الأسرار المتعلّقة بنقاط ضعفهم وعيوبهم، وأحياناً يتعلق بموفقيّاتهم وأعمالهم الإيجابية، ومن المعلوم أنّ إفشاء ما يتعلّق بنقاط الضعف والعيب يؤدّي إلى سقوط إعتبار وحيثيّة هؤلاء في نظر الناس، وقد يفضي إلى سلب الثقة منهم وسقوطهم الاجتماعي وإراقة ماء وجههم، ولهذا السبب نراهم يحرصون على التكتم على تلك الأسرار لتتسنّى‌ لهم الفرصة لإصلاح تلك المعايب وجبران نقاط الضعف في واقعهم.

أَمّا إفشاء ما يتعلّق بنقاط القوّة والصفات الإيجابية فإنّه من شأنه أن يسعر نار الحسد في قلب الحسّاد ويعمل على تحريك عناصر الشر في قلوب البخلاء وأصحاب الشخصيّات الهزيلة والمعقدة، وعلى أيّة حال فإنّه سيكون مصدر الشر والفساد والشقاء على المستوى البعيد، ولهذا قد يحرص بعض الناس على التحفّظ من الكشف عن هذه الموفقيّات والإيجابيات في واقعهم.

ولذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال:«إن كانَ فِي يَدِكَ هذِهِ شَي‌ء فإنْ استَطَعتَ أَنْ لاتَعلَم هِذِه فافعَل؛ قَالَ: وَكَانَ عِندَهُ إنسان فَتَذاكَرُوا الإذاعَةَ، فَقَالَ:

اِحفَظ لِسانَكَ تُعِزَّ، ولا تُمَكِّن النَّاسَ مِنْ قِيادِ رَقَبَتِكَ فَتَذِّلَ»[1].

والملفت للنظر أنّ الإمام عليه السلام قال في بداية هذا الحديث:«إِنْ كانَ فِي يَدِكَ هذِهِ شَي‌ءٌ فِإنْ إِستَطعتَ ألّا تُعلَمَ هذِهِ فَافعَل»[2].

ومن هنا يتّضح أنّه إذا علم الإنسان بخبر مكتوم للآخر وانكشف له سر من أسراره فإنّ ذلك يعدّ أمانة لديه، فلو أذاعه فإنّه قد خان الأمانة وتسبب في أن يقع الطرف الآخر في دوامة من المشكلات والأضرار الكبيرة أو يؤدّي إلى أن يتعرّض إلى الخطر في شخصيته الاجتماعية ومكانته في الناس أو يؤدّي إلى تفعيل عناصر الشر لدى الحسّاد والبخلاء

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 225، ح 14.

[2]. المصدر السابق.


صفحه 332

وأصحاب النفوس الضيقة، أو يطمع الاراذل والأوباش في ماله وعرضه.

ولذا ورد في الأحاديث السابقة أنّ الإمام قال:«سِرُّكَ سُرُورُكَ إِنْ كَتَمتَهُ وإِنْ أَذَعَتَهُ كانَ ثُبُورَكَ»[1].

وعليه فلابدّ للإنسان أن يحفظ أسراره مهما أمكن ولايذيعها إلى الآخرين، وبعبارة اخرى: أن يجعل صدره صندوق أسراره، فلو اضطر في مورد معيّن أو إتفق له أن اطلع على سرّ من أسرار أخيه المؤمن فإنّه يجب عليه أن يسعى لحفظه ولا يرتكب الخيانة في حق أخيه المؤمن.

أمّا بالنسبة إلى إفشاء أسرار المذهب أمام المتعصّبين والحاقدين الذين لا يتحمّلون سماع الرأي الآخر ولا يرون أي فكر حقّاً غير فكرهم القاصر فكذلك، وخاصة بالنسبة إلى فضائل الأئمّة المعصومين عليهم السلام التي لا يطيق سماعها الأعداء المعاندين والحاسدين، وهكذا الحال بالنسبة إلى حفظ الأسرار السياسية والعسكرية للبلد الإسلامي حيث يؤدّي إذاعتها إلى تعرّض مصالح الامّة ومصير النظام الإسلامي إلى الخطر أو يتسبب في إراقة الكثير من الدماء البريئة وتلف الثروات الطائلة أو هتك الشخصيّات المرموقة في المجتمع الإسلامي، ولذلك فإنّ حفظ هذه الأسرار يعدّ من أهمّ الوظائف الدينية، وفي المقابل فإنّ إفشاء هذه الأسرار يعدّ من أقبح الرذائل الأخلاقية ويترتّب عليه عقوبة شديدة، ولهذا السبب قرأنا في الأحاديث السابقة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول:«ما قَتَلَنا مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا قَتلَ خَطاءٍ وَلَكِن قَتَلَنا قَتلَ عَمدٍ»[2].

وقد أورد العلّامة المجلسي في بحار الانوار حديثاً جذّاباً حيث يقول ما خلاصته:

«دخل على أميرالمؤمنين عليه السلام رجلان من أصحابه فوطى‌ء أحدهما على حيّة فلدغته ووقع على الآخر في طريقه من حائط عقرب فلسعته وسقطا جميعاً فكأنّهما لما بهما يتضرّعان ويبكيان، فقال لهما أميرالمؤمنين عليه السلام:

[1]. غرر الحكم.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 370، ح 4.


صفحه 333

«ما اصِيبَ وَاحدٌ مِنكُما إِلّا بِذَنبِهِ.

أَمّا أَنتَ يا فُلان- وَأقبل على أحدهما- أَتَذكُر يَومَ غَمَزَ عَلى‌ سَلمانِ الفارِسي فُلان وَطَعَنَ عَلَيهِ لِموالاتِهِ لَنا فَلم يَمنَعُك مِنَ الرَّدِّ وَالإِستخفَافِ بِهِ خَوفاً عَلى نَفسِكَ وَلا عَلى‌ أَهلِكَ وَلا عَلَى وُلدِكَ وَمالِكَ أَكثَرَ مِن أَنْ استَحييتَهُ، فَلِذلِكَ أَصابَكَ.

فإنْ أَرَدتَ أَنْ يُزِيلَ اللَّهُ ما بِكَ فاعتَقِد أَنْ لاتَرى مرزئاً عَلَى وَلَّيٍّ لَنا تَقدَرُ عَلَى نُصرتِهِ بِظَهرِ الغَيبِ إلّانَصَرتَهُ، إلّاأَنْ تَخافَ عَلَى نَفسِكَ وَأَهلِكَ وَوُلدِكَ وَمالِكَ.

وَقالَ للآخَر: فَأَنتَ أَتَدرِي لِما أَصابَكَ ما أَصابَكَ؟

قال: لا.

قَالَ عليه السلام: أَما تَذكُر حِيثُ أَقبَلَ قَنبَرَ خادِمِي وَأَنتَ بِحضرَةِ فُلانَ العاتِي فَقُمتَ إِجلالًا لَهُ لإجلالِكَ لِي؟

فَقالَ لَكَ: أَوَ تَقُومُ لِهذا بِحضرَتِي؟

فَقُلتَ لَهُ: وَما بالِي لاأَقُومُ وَمَلائِكةُ اللَّهِ تَضَعُ لَهُ أَجنِحَتِها فِي طَريقِهِ، فَعلَيها يَمشِي، فَلَمّا قُلتَ هذا لَهُ، قَامَ إِلى قَنبَرَ وَضَرَبَهُ وَشَتَمَهُ وَآذاهُ وَتَهَدَّدنِي وَأَلزَمَنِي الإغضاءَ عَلىَ قَذى‌، فَلِهذا سَقَطتْ عَلَيكَ هذِهِ الحَيَّةُ.

فَإنْ أَردتَ أَنْ يُعافِيكَ اللَّهُ تَعالى‌ مِنْ هذا فاعتَقِد أَنْ لاتَفعَلَ بِنا وَلا بِأَحدٍ مِنْ مَوالينا بِحضَرةِ أَعدائِنا ما يُخافُ عَلينا وَعَليهِم مِنهِ»[1].

وكذلك نقرأ ما ورد في التواريخ الإسلامية أنّ بعض قادة الإسلام اعدموا الجواسيس بسبب أنّ عملهم يؤدّي إلى سفك الدماء البريئة ولذلك حكموا بقتلهم وإعدامهم.

الضرورات:

أحياناً تدفع الحاجة أو الضرورة الإنسان إلى إخبار الآخر بسرّه، ففي هذه الموارد يجب‌

[1]. بحار الانوار، ج 26، ص 237، مع التلخيص.