6- وفي الحقيقة أنّ الكثير من المشكلات والمصاعب التي واجهها الأئمّة المعصومين عليهم السلام وتعرّضوا بالتالي إلى الوقوع في أسر الظالمين والأعداء بسبب أنّ بعض أفراد الشيعة لم يكونوا ملتزمين بالانضباط في كلماتهم وأحاديثهم فكانوا يتحدّثون عن فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم أو عن رذائل أعدائهم ونقاط ضعفهم ويذيعونها إلى القريب والبعيد، فتصل إلى أسماع الحكّام والامراء فتؤدّي إلى مضاعفة عمليات التضييق والارهاب في حق أهل البيت عليهم السلام وقد تفضي إلى قتلهم على يد حكومات الجور، وكذلك في إذاعة الأخبار التي تتحدّث عن قائم أهل البيت عليه السلام وانتقامه من الأعداء والتي تورث هؤلاء الاعداء الخوف والوحشة، فيتحرّكون في المقابل بالانتقام من أهل البيت عليهم السلام.
7- وجاء في حديث آخر بهذا المضمون ولكن بصياغة جديدة عن هذا الإمام أيضاً في تفسير الآية الشريفة: «وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ»[1]، قال:«أَما وَاللَّهِ ما قَتَلُوهُم بِأَسيافِهِم وَلَكن أَذاعُوا سِرَّهُم وَأَفشَوا عَلَيهِم فَقُتِلُوا»[2].
8- ونقرأ في حديث آخر عن المفضّل بن عمر قال: دخلت على أبي عبداللَّه عليه السلام يوم صلب فيه المعلى فقلت له: يا ابن رسول اللَّه ألا ترى هذا الخطب الجليل الذي نزل بالشيعة في هذا اليوم؟ قال: وما هُو؟ قال: قلت: قَتلُ المُعلى بن خُنيس، قال:«رَحِمَ اللَّهُ المُعلَّى قَد كُنتُ أَتَوقَّعُ ذِلِكَ أَنّهُ قَد أَذاعَ سِرَّنا، وَلَيسَ النَّاصِبُ لَنا حَرباً بِأَعظَمَ مَؤونَةً عَلَينا مِنَ المُذِيعُ عَلَينا سِرَّنا»[3].
وعلى أي حال فإنّ حفظ أسرار أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وبشكل عام حفظ أسرار المذهب من المسائل المسلّمة التي لا ينبغي الترديد فيها، لأنّ هذه الأسرار إذا اذيعت ووصلت إلى أيدي الأعداء فسوف يتحرّك فيهم عنصر الحسد بالنسبة إلى فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم، فيسعون إلى التصدّي لنشاطات الأئمّة في الدائرة الاجتماعية والتربوية والثقافية ويجهضوا أي عمل نافع للُامّة، ولهذا السبب ورد التأكيد في الروايات الشريفة على حفظ هذه الأسرار.
[1]. آل عمران، الآية 112.
[2]. مرآة العقول، ج 11، ص 64، الرقم الجديد 7.
[3]. المصدر السابق، ص 62.
والقسم الأخير من حفظ السر هو المحافظة على الأسرار العسكرية والسياسية للدولة الإسلامية، ووجوبه من البديهيات، ولهذا نجد أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إهتمّ بهذا الأمر غاية الاهتمام، وأوصى كذلك أصحابه بالمحافظة على هذه الأسرار أيضاً، والكثير من الأنتصارات التي حققّها المسلمون على أعدائهم من المشركين واليهود وقوى الانحراف الاخرى كان بسبب الالتزام والانضباط في هذه المسألة الدقيقة، فمثلًا نقرأ في قصّة فتح مكّة أنّه لو أنّ تلك المرأة (سارة) كانت قد وصلت إلى مكة وأخبرت المشركين بما يعدّه النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمسلمون من الجيوش والقوى العسكرية لفتح مكّة، فمن الطبيعي أنّ فتح مكة لا يتيسّر للمسلمين بتلك السهولة، وقد تراق في سبيل ذلك الكثير من الدماء من الطرفين، ولكن تأكيد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على حفظ الطرق وارساله من يعيد هذه المرأة النمامة تسبب في أن يصل جيش الإسلام إلى أسوار مكة بدون أيّة صعوبة وبسرعة فائقة حتى أنّ المشركين انبهروا وتخاذلوا لما تفاجئوا من قوة الإسلام وسرعة المبادرة وعملية المباغتة لهم واستسلموا جميعاً.
ونقرأ في الروايات الإسلامية إشارات إلى هذه المسألة أيضاً بتعبيرات عميقة المغزى، ومن ذلك:
1- ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«الظَّفَرُ بِالحَزمِ بِإجالَةِ الرَّأَي، وَالرَّأي بِتَحصَينِ الأَسرارِ»[1].
2- وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَيَّرَ قَوماً بِالإِذاعَةِ فَقَالَ: إِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنُ أو الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ، فَإِيَّاكُم وَالإِذاعَةِ»[2].
3- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:«إِظهارُ الشَّيءِ قَبلَ أَنْ يَستَحكُمَ مَفسَدَةٌ لَهُ»[3]، لأنّ المخالفين عندما يطلعون عليه فربّما تحركوا في سبيل المنع من تحقيقه ونجاحه.
[1]. نهج البلاغة، الكمات القصار، الكلمة 48.
[2]. مرآة العقول، ج 11، ص 65.
[3]. بحار الانوار، ج 72، ص 71.
معطيات حفظ السّر وإفشائه:
إنّ جميع الناس في حياتهم الخصوصية لديهم بعض الأسرار المتعلّقة بنقاط ضعفهم وعيوبهم، وأحياناً يتعلق بموفقيّاتهم وأعمالهم الإيجابية، ومن المعلوم أنّ إفشاء ما يتعلّق بنقاط الضعف والعيب يؤدّي إلى سقوط إعتبار وحيثيّة هؤلاء في نظر الناس، وقد يفضي إلى سلب الثقة منهم وسقوطهم الاجتماعي وإراقة ماء وجههم، ولهذا السبب نراهم يحرصون على التكتم على تلك الأسرار لتتسنّى لهم الفرصة لإصلاح تلك المعايب وجبران نقاط الضعف في واقعهم.
أَمّا إفشاء ما يتعلّق بنقاط القوّة والصفات الإيجابية فإنّه من شأنه أن يسعر نار الحسد في قلب الحسّاد ويعمل على تحريك عناصر الشر في قلوب البخلاء وأصحاب الشخصيّات الهزيلة والمعقدة، وعلى أيّة حال فإنّه سيكون مصدر الشر والفساد والشقاء على المستوى البعيد، ولهذا قد يحرص بعض الناس على التحفّظ من الكشف عن هذه الموفقيّات والإيجابيات في واقعهم.
ولذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال:«إن كانَ فِي يَدِكَ هذِهِ شَيء فإنْ استَطَعتَ أَنْ لاتَعلَم هِذِه فافعَل؛ قَالَ: وَكَانَ عِندَهُ إنسان فَتَذاكَرُوا الإذاعَةَ، فَقَالَ:
اِحفَظ لِسانَكَ تُعِزَّ، ولا تُمَكِّن النَّاسَ مِنْ قِيادِ رَقَبَتِكَ فَتَذِّلَ»[1].
والملفت للنظر أنّ الإمام عليه السلام قال في بداية هذا الحديث:«إِنْ كانَ فِي يَدِكَ هذِهِ شَيءٌ فِإنْ إِستَطعتَ ألّا تُعلَمَ هذِهِ فَافعَل»[2].
ومن هنا يتّضح أنّه إذا علم الإنسان بخبر مكتوم للآخر وانكشف له سر من أسراره فإنّ ذلك يعدّ أمانة لديه، فلو أذاعه فإنّه قد خان الأمانة وتسبب في أن يقع الطرف الآخر في دوامة من المشكلات والأضرار الكبيرة أو يؤدّي إلى أن يتعرّض إلى الخطر في شخصيته الاجتماعية ومكانته في الناس أو يؤدّي إلى تفعيل عناصر الشر لدى الحسّاد والبخلاء
[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 225، ح 14.
[2]. المصدر السابق.
وأصحاب النفوس الضيقة، أو يطمع الاراذل والأوباش في ماله وعرضه.
ولذا ورد في الأحاديث السابقة أنّ الإمام قال:«سِرُّكَ سُرُورُكَ إِنْ كَتَمتَهُ وإِنْ أَذَعَتَهُ كانَ ثُبُورَكَ»[1].
وعليه فلابدّ للإنسان أن يحفظ أسراره مهما أمكن ولايذيعها إلى الآخرين، وبعبارة اخرى: أن يجعل صدره صندوق أسراره، فلو اضطر في مورد معيّن أو إتفق له أن اطلع على سرّ من أسرار أخيه المؤمن فإنّه يجب عليه أن يسعى لحفظه ولا يرتكب الخيانة في حق أخيه المؤمن.
أمّا بالنسبة إلى إفشاء أسرار المذهب أمام المتعصّبين والحاقدين الذين لا يتحمّلون سماع الرأي الآخر ولا يرون أي فكر حقّاً غير فكرهم القاصر فكذلك، وخاصة بالنسبة إلى فضائل الأئمّة المعصومين عليهم السلام التي لا يطيق سماعها الأعداء المعاندين والحاسدين، وهكذا الحال بالنسبة إلى حفظ الأسرار السياسية والعسكرية للبلد الإسلامي حيث يؤدّي إذاعتها إلى تعرّض مصالح الامّة ومصير النظام الإسلامي إلى الخطر أو يتسبب في إراقة الكثير من الدماء البريئة وتلف الثروات الطائلة أو هتك الشخصيّات المرموقة في المجتمع الإسلامي، ولذلك فإنّ حفظ هذه الأسرار يعدّ من أهمّ الوظائف الدينية، وفي المقابل فإنّ إفشاء هذه الأسرار يعدّ من أقبح الرذائل الأخلاقية ويترتّب عليه عقوبة شديدة، ولهذا السبب قرأنا في الأحاديث السابقة أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول:«ما قَتَلَنا مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا قَتلَ خَطاءٍ وَلَكِن قَتَلَنا قَتلَ عَمدٍ»[2].
وقد أورد العلّامة المجلسي في بحار الانوار حديثاً جذّاباً حيث يقول ما خلاصته:
«دخل على أميرالمؤمنين عليه السلام رجلان من أصحابه فوطىء أحدهما على حيّة فلدغته ووقع على الآخر في طريقه من حائط عقرب فلسعته وسقطا جميعاً فكأنّهما لما بهما يتضرّعان ويبكيان، فقال لهما أميرالمؤمنين عليه السلام:
[1]. غرر الحكم.
[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 370، ح 4.
«ما اصِيبَ وَاحدٌ مِنكُما إِلّا بِذَنبِهِ.
أَمّا أَنتَ يا فُلان- وَأقبل على أحدهما- أَتَذكُر يَومَ غَمَزَ عَلى سَلمانِ الفارِسي فُلان وَطَعَنَ عَلَيهِ لِموالاتِهِ لَنا فَلم يَمنَعُك مِنَ الرَّدِّ وَالإِستخفَافِ بِهِ خَوفاً عَلى نَفسِكَ وَلا عَلى أَهلِكَ وَلا عَلَى وُلدِكَ وَمالِكَ أَكثَرَ مِن أَنْ استَحييتَهُ، فَلِذلِكَ أَصابَكَ.
فإنْ أَرَدتَ أَنْ يُزِيلَ اللَّهُ ما بِكَ فاعتَقِد أَنْ لاتَرى مرزئاً عَلَى وَلَّيٍّ لَنا تَقدَرُ عَلَى نُصرتِهِ بِظَهرِ الغَيبِ إلّانَصَرتَهُ، إلّاأَنْ تَخافَ عَلَى نَفسِكَ وَأَهلِكَ وَوُلدِكَ وَمالِكَ.
وَقالَ للآخَر: فَأَنتَ أَتَدرِي لِما أَصابَكَ ما أَصابَكَ؟
قال: لا.
قَالَ عليه السلام: أَما تَذكُر حِيثُ أَقبَلَ قَنبَرَ خادِمِي وَأَنتَ بِحضرَةِ فُلانَ العاتِي فَقُمتَ إِجلالًا لَهُ لإجلالِكَ لِي؟
فَقالَ لَكَ: أَوَ تَقُومُ لِهذا بِحضرَتِي؟
فَقُلتَ لَهُ: وَما بالِي لاأَقُومُ وَمَلائِكةُ اللَّهِ تَضَعُ لَهُ أَجنِحَتِها فِي طَريقِهِ، فَعلَيها يَمشِي، فَلَمّا قُلتَ هذا لَهُ، قَامَ إِلى قَنبَرَ وَضَرَبَهُ وَشَتَمَهُ وَآذاهُ وَتَهَدَّدنِي وَأَلزَمَنِي الإغضاءَ عَلىَ قَذى، فَلِهذا سَقَطتْ عَلَيكَ هذِهِ الحَيَّةُ.
فَإنْ أَردتَ أَنْ يُعافِيكَ اللَّهُ تَعالى مِنْ هذا فاعتَقِد أَنْ لاتَفعَلَ بِنا وَلا بِأَحدٍ مِنْ مَوالينا بِحضَرةِ أَعدائِنا ما يُخافُ عَلينا وَعَليهِم مِنهِ»[1].
وكذلك نقرأ ما ورد في التواريخ الإسلامية أنّ بعض قادة الإسلام اعدموا الجواسيس بسبب أنّ عملهم يؤدّي إلى سفك الدماء البريئة ولذلك حكموا بقتلهم وإعدامهم.
الضرورات:
أحياناً تدفع الحاجة أو الضرورة الإنسان إلى إخبار الآخر بسرّه، ففي هذه الموارد يجب
[1]. بحار الانوار، ج 26، ص 237، مع التلخيص.
على هذا الإنسان أن يختار لذلك الشخص الأمين العاقل ليضع عنده سرّه كما قال الإمام علي عليه السلام:«مَنْ أَسَرَّ إِلى غَيرِ ثِقَةٍ فَقَد ضَيَّعَ أَمرَهُ»[1].
وحتى أنّ الإمام أوصى في حالة الضرورة وعندما يريد الإنسان أن يودّع سرّه عند أخيه المؤمن أن يتلقى في المقابل سرّاً من ذلك الشخص لكي يكون بمثابة الضمانة لحفظ سرّه حيث يقول:«لا تَضع سرِّكَ عِندَ مَنْ لاسِرَّ لَهُ عِندَكَ»[2].
ويجب الانتباه إلى أنّ الأشخاص الذين لا يعيشون الانضباط في حفظ أسرارهم فإنّهم لا يليقون بالثقة والاعتماد لحفظ أسرار الآخرين، فينبغي الاجتناب عن وضع السرّ عندهم.
يقول أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا المجال:«مَنْ ضَعُفَ عَنْ حِفظِ سِرِّهِ لَم يُطِق سِرَّ غَيرِهِ»[3].
دوافع إفشاء السّر وعلاجها:
إنّ هذه الرذيلة الأخلاقية تنشأ من دوافع ونقاط ضعف مختلفة منها:
1- إنّ الشخص الحسود يسعى لإفشاء أسرار الطرف الآخر لتوجيه ضربة إلى نقاط قوّته وشخصيته بين الناس، ويسعى لذلك لإراقة ماء وجهه أو تهديد مصالحه الدنيوية والمادية.
2- إنّ الأشخاص الذين يعيشون الحقد والعقدة تجاه الآخرين فإنّهم يسعون أيضاً ولغرض الانتقام من الطرف الآخر وارضاء دافع الحقد في نفوسهم إلى إفشاء أسرار الآخرين.
3- ومن الدوافع الاخرى لهذه الرذيلة هو عنصر الجهل وضيق الافق، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الحالات الوضيعة ليست لديهم اللياقة لحفظ أسرار الآخرين.
ونقرأ في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«ثَلاثٌ لا يُسْتَوْدَعْنَ سِرّاً:
المَرأَةُ وَالَّنمامُ وَالأْحْمَقُ»[4].
[1]. غرر الحكم.
[2]. المصدر السابق.
[3]. المصدر السابق.
[4]. غر الحكم.
وفي حديث آخر عن الإمام عليه السلام نفسه أنّه قال:«لا تُسِرَّ إِلَى الجاهِلِ شَيْئاً لا يُطِيقُ كِتْمانَهُ»[1].
4- وأساساً فإنّ إفشاء السِّر وبشكل عام نشر الأخبار الخفيّة والجديدة وأحياناً العجيبة والغريبة تجد في قلوب الناس جاذبية خاصة تقودهم إلى الرغبة الشديدة في الإستماع والإصغاء لهذه الأخبار،. هذا المعنى قد يتسبب إلى أن يرغب بعض الناس لإفشاء أسرار الآخرين ليلفتوا إليهم نظر المستمعين.
5- ومن العوامل المهمّة الاخرى لإفشاء الأسرار هو الأخطاء والاشتباهات وعدم الالتفات إلى كون هذا الأمر من الأسرار، ولهذا السبب فقد يصدر من بعض الناس المنضبطين في مسألة حفظ السر بعض الاشتباهات والزلل في هذا الأمر حتى قيل:«كُلُّ سِرٍّ جاوزَ الإثنِينَ شاعَ».
ونقرأ في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه ويدعى عمّار حيث سأله الإمام الصادق عليه السلام:«هَل أَخبَرتَ بِما أَخبِرتُكَ بِهِ أَحَداً؟ قَلتُ: لاإلّاسُلَيمانِ بنِ خالِدَ، قالَ: أَحسَنتَ أَما سَمِعتَ قَولَ الشَّاعِر:
فَلا يَعدُوَنْ سِرِّي وَسِرِّكَ ثالثاً
أَلا كُلُّ سِرٍّ جاوَزَ الإِثنِينِ شايعُ
والسبب في ذلك واضح لأنّه إذا كان البناء على أن يقوم كل شخص بأخبار أحد أصدقائه الموثوقين بأسرارهم، ويقوم الشخص الثاني بمثل العمل، وهكذا الثالث والرابع فلا تطول المدّة حتّى ينتشر السِّر في المجتمع كلّه.
أمّا العلاج:
فقد رأينا في الأبحاث السابقة أنّه إذا كان موضوع إفشاء الأسرار يتعلّق بخصوصيات الأشخاص الآخرين فيترتب على ذلك الآثار السلبية الكثيرة من قبيل سقوط شخصيته ومنزلته الاجتماعية، وزوال ثقة الناس وإعتمادهم عليه قد يصل الأمر إلى سقوط شخصيته
[1]غرر الحكم.
نهائياً في أنظار الناس وتلف جميع إيجابيّاته ونقاط قوّته في المجتمع.
وإذا كان إفشاء السّر متعلّقاً بالمجتمع أو المذهب والدين فقد يؤدّي أحياناً إلى تعرّض ذلك المجتمع للخطر أو يتعرّض أتباع ذلك المذهب إلى مشاكل كثيرة وقد تسفك في ذلك دماء بريئة وتهتك حرمات المؤمنين وتصادر أموالهم من قبل الأشخاص الذين يعيشون التعصّب الأعمى والجهالة والانحراف.
إنّ الالتفات إلى هذه العواقب والآثار السلبية الأليمة في إفشاء الأسرار يعدّ أحد العوامل المؤثّرة في الوقاية من هذه الرذيلة الأخلاقية، كما أنّ التدبّر في الآثار السلبية في كل صفة رذيلة من الصفات الأخلاقية الذميمة يعدّ عاملًا للتوقّي من الوقوع والابتلاء في هذه الرذيلة.
ومن الطرق الاخرى للعلاج هو القضاء على أسباب ودوافع هذه الرذيلة وإقتلاع جذورها من واقع النفس، أي عنصر الجهل والحسد والحقد أمثال ذلك.
ومن الطرق الاخرى هو سعة ظرفية الإنسان وأفقه وشرح صدره وروحه وقوّة شخصيته، فهذا من شأنه أن يساعده على المحافظة والانضباط في دائرة الأسرار.
وكذلك التفكّر في العقوبات الإلهية الشديدة المترتبة على إفشاء أسرار الناس والمجتمع والتي تقدّم الحديث عنها سابقاً يمكن أن يعدّ من الامور النافعة للوقاية من هذه الرذيلة أو علاجها.
ومن العوامل المهمّة الاخرى هو الالتفات إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ إفشاء أسرار الآخرين إذا تسبب في لحوق الضرر والخسارة بهم فإنّ المذيع لسّرهم يعدّ مسبباً لهذه الأضرار وفي الكثير من الموارد يعتبر ضامناً شرعاً وقانوناً لها.